"الاجتياحات اليومية" وامرأة تحلم باسترجاع عبثية سن العشرين

السبت 2014/05/24
مازارين: أسوأ قرار يمكن أن تتخذه أم أطفال هو الطلاق

على عكس ما قد يوحي به عنوان كتاب “الاجتياحات اليومية” للكاتبة مازارين بانجو الصادر عن منشورات جوليار، سيندهش القراء حين يجدونه كتابا مبتهجا تغمره السعادة. عن هذه الملاحظة ردّت الكاتبة على النقاد قائلة: “في ظل تنامي الهموم اليومية، من حق كل فرد أن يمزح وأن يعيش الدعابة”.

“الاجتياحات اليومية” كتاب مبتهج يدور حول موضوع ليس مفرحا بالضرورة، وربما يكون ذلك سر الكتب البهيجة بشكل عام. بطلة الرواية صديقة الجميع، تدعى جوزيفين فايول، مطلقة في سن 38 ولها طفلان. عليها العمل بجد لتتمكن من تربيتهما. طليقها عصبي المزاج وصعب المراس، أما والداها فليسا دائما لطيفين أو حتى متفهمين. إنها ظاهرة اجتماعية شائعة وليست حالة معزولة، لكن لكل طريقته في مواجهة مصاعب الحياة. جيل من الأمهات يهوين تحت الضغوط اليومية ويبحثن عن الحب.

في ظلّ تنامي الهموم اليومية، من حق كل فرد أن يمزح وأن يعيش الدعابة


الحياة تراجيديا


مرحلة انتقال جذري تعيش أحداثها البطلة جوزيفين فايول التي حققت الأهم رغم كل شيء، فقد تمكنت من الحصول على عمل قار يؤمن لها العيش الكريم ويضمن لها الاستقرار الاجتماعي. كونها مستقلة بذاتها، منفتحة و لا تزال جميلة الشكل يبسط ذلك أمامها فرص الإحساس بالسعادة، لكن عليها إعادة بناء حياتها من جديد والتأقلم مع أمور دخيلة تفرضها وضعيتها الأسرية أو تحديات العصر. فهناك المشاكل اليومية من جهة وهناك الأدوات التكنولوجية الحديثة التي يجب التعامل معها من جهة أخرى.

يمكن اعتبارها امرأة عصرية لأنها تستعمل وسائل الاتصال الحديثة، لكنها بالمقابل ليست موهوبة في استعمالها بالشكل المطلوب، فهي مثلا تستغرق وقتا طويلا في كتابة رسالة قصيرة ثم تندم على ما فعلت فور إرسالها (كما يقع لغالبية الناس) لأنها ارتكبت أخطاء لغوية أو كتبت كلمة نشاز في وقت متأخر من الليل بسبب تناول كأس إضافي.

كم خلفت هذه الوسائط من سوء تفاهم يصعب تداركه، وتصبح ملامة النفس أو ملامة الآخرين إحدى العناصر الطاردة للسعادة. كلمة اجتياحات الواردة بالعنوان قد تبدو مبالغة، لكن التطور التكنولوجي المتسارع جعلنا نستعمل تقنيات عديدة لم ننشأ معها بل تعلمنا التعامل معها ونحن كبار.

قد تتعطل آلة ما ليلا وعلينا البحث عمّن يصلحها لأننا بحاجة ماسة إليها ولا يمكن الاستغناء عنها، وبعد همّ التصليح هناك الفاتورة. هناك طفيليات لدى الأطفال ويلزم معالجة ذلك… مشاكل بسيطة وعادية، لكنها قد تأخذ حجما في ظرفية معينة وتتفاقم لتصير تراجيديا إذا كُنتَ تتحمل المسؤولية لوحدك وليس هناك من يساعدك.

الكاتبة تصف روايتها بالكوميديا المكتئبة


دعابة الهموم

هل هي سيرة ذاتية؟ عن هذا السؤال ردّت مازارين بانجو حين استضافها منشط برنامج لانفيتي بقناة ت ف 5، “ربما فيها شيء من ذلك فكل الروايات هي تحويل للواقع أو استعارة منه وتتضمن جزءا معيشا بشكل أو بآخر، لكن إيحاءات الرواية تنهل من بعض الحكايات والطرائف، منها التي عشتها أو سمعت عنها ومنها التي عاشها بعض الأصدقاء أو ابتكرتها كخيط وصل تتطلبه وحدة النص، وكتابي مزيج من كل ذلك”.

تصف الكاتبة روايتها بالكوميديا المكتئبة، وهذا ما تعبر عنه أيضا صورة الغلاف حيث تظهر امرأة شابة رشيقة بلباس عصري، لكنها تضع يدها على خدّها وهي جالسة بالمطبخ. بطلة الرواية تحب الاعتناء بنفسها والتمتع بشبابها، إنها ترغب في قضاء وقت ممتع مع أصدقائها للترويح عن النفس بعد يوم عمل شاق، تحلم أيضا باسترجاع العبثية التي كانت تعيشها في سن العشرين، لكنها لا تحظى بأقل فرصة لرغباتها تلك، فعليها الاعتناء بطفليها وترتيب المنزل. تتراكم الظروف السيئة فتحس بأن أسوأ قرار يمكن أن تتخذه أم أطفال هو الطلاق، لكن لا مجال للتراجع… ظروف واقعية صعبة لا مجال للهروب منها فيستحسن مواجهتها بابتسامة ساخرة وحالة وجدانية متعالية تجد ملاذا لها في خيال يحوّل الهموم إلى دعابة تضخ طاقة روحية وتجعل للحياة اليومية طعما آخر يقترب شيئا ما من نكهة السعادة.

تعالج القصة إشكالية خروج المرأة للعمل ومعاناتها للتوفيق بين عملها وبين مسؤولية البيت، مهمة ليست هينة، وتتطلب تضحية جسيمة.

أغلب النساء اللائي قرأن “الاجتياحات اليومية” وجدنه كتابا خفيفا ومسليا، متفائلا ويحفز للاشتغال على الذات، لكنهن يحبذن أن يقرأه الرجال. بالمقابل، بعضهن وجد أسلوب الكتابة سطحيا دون عمق يذكر، بل إن إحداهن نشرت تعليقا شديد اللهجة حول “البحث عن عبثية السن العشرين” حيث قالت للمؤلفة “لقد كنتِ تبلغين العشرين من عمرك في الوقت الذي يمسك أبوك بالسلطة رغم فقدانه لقدراته وبقي يتحمل المسؤولية السياسية برواندا الأفريقية وهو عاجز عن فعل أي شيء حين اندلعت جرائم الإبادة العرقية بين التوتسي والهوتو التي خلفت أكثر من مليون قتيل”.

سبق لمازارين بانجو أن أصدرت عشرة كتب كلها بمنشورات جوليار (من بينها فم مخيط، مقبرة الدمى، جندي صغير جيّد، لقد أخبروني من أكون) باستثناء “حوار مع ديكارت” الذي صدر بدار النشر بلون.

16