الاحتجاجات الدامية تعيد العراق إلى مربّع ما قبل حكومة مصطفى الكاظمي

مقرّبون من الحكومة يتهمون خصومها بتجييش الشارع العراقي ضدّها.
الأربعاء 2020/07/29
حرائق العراق التي لا تنطفئ

عودة الاحتجاجات إلى الشارع العراقي، وعودة القمع الدموي الممارس ضدّ المشاركين فيها، وعودة التراشق بالتهم حول المسؤولية عن سقوط ضحايا بشرية، تعيد العراق إلى مربّع ما قبل التغيير الحكومي الذي أزيحت بمقتضاه حكومة عادل عبدالمهدي وحلّت محلّها حكومة مصطفى الكاظمي حاملة وعود التغيير والإصلاح، دون وجود أفق لتحقيق تلك الوعود.

بغداد – أعاد تفجّر الاحتجاجات وسقوط محتجّين بين قتلى وجرحى، الأوضاع في العراق إلى ما قبل تشكيل حكومة رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي التي جاءت أصلا نتيجة سقوط حكومة سلفه عادل عبدالمهدي تحت ضغط الشارع الذي شهد بداية من خريف العام الماضي انتفاضة شعبية غير مسبوقة، تدرّجت المطالب المرفوعة خلالها من تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومحاربة الفساد المستشري ومحاسبة الفاسدين، إلى إسقاط النظام برمّته بسبب اليأس من إصلاحه.

وتُسلّط موجة الاحتجاجات الجديدة، وخصوصا سقوط ضحايا بشرية خلالها، ضغوطا هائلة على حكومة الكاظمي التي يقول مقربون منها إنّها لم تُمنح الوقت الكافي لاختبار مدى صدق وعودها، مذكّرين بأنّها جاءت في مرحلة أزمة خانقة بسبب جائحة كورونا وما ترتّب عنها من مصاعب مالية واقتصادية عمّقها التراجع الكبير في أسعار النفط.

وتخشى أوساط قريبة من الكاظمي أن يكون الشارع بصدد الاستخدام كوسيلة ضغط على رئيس الوزراء من قبل خصومه المستائين من نهجه السياسي الذي يتضمّن، نظريا، إجراء تغييرات تتناقض مع مصلحة جهات نافذة ومستفيدة من الأوضاع القائمة في البلد.

ومنذ بدء تفشي وباء كورونا في أواخر فبراير الماضي، انحسر الحراك الشعبي الذي انطلق في أكتوبر 2019 وأفضى إلى الإطاحة بحكومة عادل عبدالمهدي. ويقول نشطاء إن تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي دفع الكثير من المتظاهرين المعتصمين في ساحة التحرير إلى تفكيك خيامهم والانسحاب، بهدف إعطاء الأخير فرصة، لاسيما وهو يقود مجلس الوزارء في ظل أزمة خانقة.

يحيى رسول: استفزاز القوات الأمنية مدفوع من جهات تحارب الاستقرار
يحيى رسول: استفزاز القوات الأمنية مدفوع من جهات تحارب الاستقرار

لكن إصرار مجموعات أخرى من المتظاهرين على البقاء في ساحة التحرير، فسح المجال لبعض أنصار الأحزاب والميليشيات لاختراق ساحة الاحتجاج ونصب العديد من الخيام فيها، تحت عناوين عامة.

ومنذ أبريل الماضي، تشهد الساحة مظاهر يصفها مشاركون في الحراك الاحتجاجي بـ”الشاذّة” من قبل متظاهرين يقال إنهم مرتبطون بأحزاب وميليشيات، من قبيل إحراق صور ساسة محدّدين ورفع شعارات مضادّة لهم، من دون التعرّض لساسة آخرين يكاد يكون هناك إجماع شعبي على فسادهم ومشاركتهم المباشرة في صنع الأوضاع الكارثية القائمة في البلاد.

وعلى سبيل المثال، تؤكد مصادر مطلعة أن أنصار زعيم حزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي وزعيم ميليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي يشغلون عددا من خيام التحرير، فيما يتجول أنصار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بين مرافق الساحة، وكأنهم أصحابها، علما أن شخصية المالكي الذي ترأّس الحكومة طيلة ثماني سنوات متتالية بين 2006 و2014 أصبحت لدى الغالبية العظمى من العراقيين رمزا لشيوع الفساد وتراجع الدولة في كلّ المجالات، وقد ختم ولايته الثانية بكارثة سقوط ثلث مساحة العراق بيد تنظيم داعش بكل ما ترتّب عن ذلك من مآس لا تُنسى وخسائر بشرية ومادية جسيمة.

ورغم أن المتظاهرين المستقلين، حاولوا عزل أنشطتهم وتحصينها من الاختراقات الحزبية، إلا أن التوجيه السياسي لبعض التحركات كان واضحا مؤخرا، وهو ما تسبب في أزمة ثقة بين النشطاء أنفسهم.

ويقول نشطاء إن متظاهرين في ساحة التحرير يتدارسون منذ نهاية الأسبوع الماضي التصعيد ضد الحكومة، بالتزامن مع موجة الحر الشديد التي سجلت خلالها بعض المدن العراقية 53 درجة مئوية مع تسجيل تراجع حاد في تزويد السكان بالطاقة الكهربائية المنتجة محلّيا.

لكن نقاشات ساحة التحرير لم تسفر عن اتفاق واضح للتصعيد، إذ ما يزال بعض المتظاهرين يرى أن الحكومة الجديدة لم تأخذ وقتا كافيا بعد كي تكون مطالبة بحل المشاكل التي راكمها فشل وفساد الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد طيلة الـ17 عاما الماضية.

وجاءت هذه التطورات، بالتزامن مع حراك شعبي في عدد من المدن العراقية للمطالبة بتوفير الطاقة الكهربائية، بينها النجف والناصرية وديالى، ما حفز التظاهرات في بغداد.

ومساء الأحد، تقدم عدد من المتظاهرين المعتصمين في ساحة التحرير إلى ساحة الطيران المجاورة، وقطعوا بعض الطرق بالإطارات المحترقة، وهم يهتفون ضد الفساد ويطالبون بتوفير الخدمات. ولكن اللافت، أن قوات الشرطة، ردت بعنف مفرط للغاية على المتظاهرين، واستخدمت الرصاص الحي والقنابل الدخانية ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى.

وارتفع، الثلاثاء، عدد القتلى إلى ثلاثة بعد مقتل متظاهر متأثرا بجروحه بعدما أصيب بالرأس بقنبلة غاز مسيل للدموع خلال مواجهات ليلية في ساحة التحرير، بحسب ما أكدته مصادر طبية وأمنية. وكان متظاهران قد قتلا صباح الاثنين جرّاء إصابتهما المباشرة بقنابل مسيلة للدموع ليل الأحد.

ولم تعترف القوات المسلحة أول الأمر بسقوط ضحايا في صفوف المتظاهرين، لكنها انتقلت لاحقا إلى تبرير العنف القاتل مستعيدة مبرّرا يعود لفترة حكومة عادل عبدالمهدي ويتمثّل في إلقاء التبعة على مجهولين ومندسّين.

الإصابة بكورونا ومواجهة المضاعفات الناجمة عن ذلك، لا تقل خطرا عن البقاء في المنازل خلال الصيف من دون تيار كهربائي

وقالت وزارة الداخلية العراقية، الثلاثاء، إنّ “مجموعات إجرامية” لم تحددها، تسعى إلى خلق الفوضى عبر استهداف المحتجين بالعاصمة بغداد، وافتعال مواجهات مع قوات الأمن. وذكر بيان صادر عن الوزارة، أنّ “الأجهزة الأمنية رصدت خلال الساعات الماضية في ضوء نتائج التحقيق الأولية لأحداث ساحة التحرير، مجموعات إجرامية خطرة تسعى لصنع الفوضى”.

وأوضح أن ذلك يتم “عبر ضرب المتظاهرين وافتعال الصدامات مع الأمن”، مشيرا إلى أنّ “توجيهات القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الحكومة) تقضي بعدم استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين لأي سبب كان”. وتضمن البيان دعوة المتظاهرين إلى “التعاون من أجل حماية الساحة وضبط العناصر التي تحاول تنفيذ مخططاتها”. ولم يذكر بيان الوزارة، أي معلومات إضافية عن “المجموعات الإجرامية” التي أشار إليها أو الجهات التي تنتمي إليها.

ومن جهته قال اللواء يحيى رسول، الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة إن “القوات الأمنية العراقية المكلفة بحماية المتظاهرين السلميين لديها توجيهات واضحة وصارمة بعدم التعرض لأي متظاهر وإن حاول استفزازها”، محذرا من أن القوات المسلحة “تمتنع عن اللجوء للوسائل العنيفة إلا في حال الضرورة القصوى وتعرّض المنتسبين لخطر القتل”، فيما أشار إلى وقوع “بعض الأحداث المؤسفة التي جرت في ساحات التظاهر، وقد تم التوجيه بالتحقق من ملابساتها، للتوصل إلى معرفة ما جرى على أرض الواقع، ومحاسبة أي مقصّر أو معتد”.

وأكد رسول أن “استفزاز القوات الأمنية لغرض جرها إلى المواجهة هو أمر مدفوع من جهات لا تريد للعراق أن يستقر”، في إشارة واضحة للجهات الحزبية التي اخترقت ساحة التحرير.

Thumbnail

لكن استعادة مبررات من قبيل استفزاز المتظاهرين لقوات الأمن وتعرض رجال الشرطة لخطر القتل، بهدف التغطية على استهداف المحتجين بالرصاص الحي تذكر العراقيين بتبريرات حكومة عبدالمهدي المستقيلة، وتحديدا ناطقها العسكري الجنرال عبدالكريم خلف الذي انحصرت مهمته تقريبا في تقديم تفسيرات غير منطقية لسقوط قرابة 700 قتيل في صفوف متظاهري أكتوبر.

وردا على بيان الداخلية العراقية أبدى متظاهرون في ساحة التحرير رفضهم نتائج التحقيق، مؤكدين أن قوات مكافحة الشغب تتحمل مسؤولية الأحداث.

وقال المتظاهر كامل الزيادي لوكالة لأناضول “لم نتفاجأ بنتائج تحقيقات الحكومة بشأن أحداث الأحد، وهناك توثيق لما ارتكبته قوات مكافحة الشغب من اعتداءات ضد المتظاهرين”. وأوضح أنّ “القتلى والجرحى من المتظاهرين سقطوا بنيران وقنابل قوات مكافحة الشغب”.

وسرعان ما أخذت أحداث ساحة التحرير أصداء أممية، في مظهر على تأثيرها المرتقب على صورة الحكومة العراقية الجديدة الساعية إلى تسويق صورة مختلفة عن صورة العراق الرائجة دوليا والملوثة بالفساد الحكومي والعنف وتزييف الانتخابات. وأعلنت بعثة الأمم المتحدة الخاصة في العراق يونامي شجبها “أعمال العنف والخسائر البشرية التي وقعت خلال احتجاجات بغداد”، مرحّبة في الوقت نفسه “بالتزام الحكومة بالتحقيق ومحاسبة الجناة”، ومشدّدة على وجوب “حماية حق العراقيين في الاحتجاج السلمي دون قيد أو شرط”.

ويقول نشطاء إن سقوط ضحايا في ساحات الاحتجاج قد يجدد الحراك الشعبي بالتزامن مع اشتداد وطأة الصيف على البلاد ونقص الكهرباء بشكل يضفي تعقيدات كبيرة على حياة السكان الذين يعانون أساسا بسبب إجراءات الإغلاق العام المرتبطة بتفشي كورونا.

ويتحدث الكثير من النشطاء حاليا عن أن الإصابة بكورونا ومواجهة المضاعفات الناجمة عن ذلك، لا تقل خطرا عن البقاء في المنازل خلال الصيف من دون تيار كهربائي، فيما تعبر درجات الحرارة حاجز الخمسين درجة مئوية.

وتجدّدت منذ مطلع الأسبوع الجاري التظاهرات في النجف والناصرية وديالى للمطالبة بتوفير التيار الكهربائي، فيما قال نشطاء إنهم سيحاصرون منازل مسؤولين محليين في عدد من المحافظات، لإجبارهم على إطفاء مولداتهم الخاصة وانتظار الكهرباء الحكومية أسوة بباقي السكان للتعرف على المعاناة الرهيبة التي يفرضها فصل الصيف.

3