الاحتجاجات الشعبية تقرر مستقبل إيران والمنطقة

السبت 2018/01/06

بعد نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية في السيطرة على مقاليد الحكم في العام 1979، واصل العمال الإيرانيون التظاهر لبعض الوقت ورفضوا تسليم بعض المصانع، التي كانوا قد سيطروا عليها في وقت سابق أثناء النشاط الثوري ضد نظام الشاه، للسلطة الجديدة، مطالبين بتحسين ملموس في أوضاعهم المعيشية التي أخذت تتدهور خلال الفترة الأولى للحكم الجديد، ولكن رد قائد الثورة الإسلامية حينها، روح الله الخميني، كان واضحا ومنذرا بمرحلة جديدة ستستمر لعقود حيث قال “لم نقم بالثورة من أجل الحصول على بطيخ رخيص بل من أجل الإسلام”.

تعاملت القيادة الإيرانية منذ ذلك الوقت مع كل حركة احتجاجية، سواء كانت اقتصادية أم سياسية، بدرجة عالية من القمع، ولكن الطبقات الشعبية في إيران عادت اليوم لتذكّر قادة الجمهورية الإسلامية أنها لم تشارك بالثورة إلا من أجل تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وذلك ضمن سلسلة تظاهرات دخلت أسبوعها الثاني.

سئمت الطبقة الوسطى والطبقة المفقرة من إعطاء فرصة تلو الأخرى لتيار “المعتدلين” من أجل تحقيق إصلاح اقتصادي وسياسي في نظام لا يمكن إصلاحه. منح الأمل بمثل هذا الإصلاح التيار الإصلاحي فوزا كبيرا في العام 2013 حيث جاء حسن روحاني للسلطة.

كانت الانتخابات الرئاسية هي الطريقة الوحيدة المتاحة لجمهور الإصلاحيين ليعبر عن رغبته في حدوث انفتاح داخلي، وإنهاء قبضة المحافظين على السلطة، وذلك في ظل غياب معارضة سياسية حقيقية وقوى اجتماعية يمكن أن تحشد الجماهير من أجل التغيير.

قبل ذلك، وتحديدا في العام 1997، انتخب الإيرانيون الرجل الإصلاحي محمد خاتمي أيضا في محاولة للتغيير من داخل مؤسسات الدولة. وقد جرى إفشال تجربة خاتمي من قبل الطبقة الحاكمة بصورة فعلية، وذلك بخلق العديد من العقبات والأزمات في وجه القائد الإصلاحي. كانوا يخلقون “أزمة كل تسعة أيام”، كما قال خاتمي.

هكذا، بقي التغيير من داخل مؤسسات النظام الإيراني مستحيلا، إذ كان هذا الأخير شديد النجاح في ضبط القوى الاجتماعية المسموح لها بالعمل وإلزامها بالإطار المحدد للنظام السياسي، وبطبيعة الحال بأيديولوجيا الدولة. الدستور الإيراني شديد الوضوح في تأكيده على أن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وإن تكن منفصلة ولكنها غير مستقلة، إذ يتوجب أن تمارس صلاحياتها بإشراف “ولي الأمر المطلق وإمام الأمة”.

في حالة تماسك النظام السياسي أمام حركة الاحتجاج، يمكن أن تذهب إيران إلى شكل من أشكال الحرب الأهلية. بهذا المعنى تبدو الأيام القادمة حاسمة بما يخص مستقبل إيران ومستقبل المنطقة

وجود “الولي المطلق” وصلاحياته الكبيرة يدمر الديمقراطية حتى بمفهومها الضيق بما هي سلطة الشعب التي تتيح تغيير الحكومات والسياسات على كل المستويات. يعتبر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران القائد العام للقوات المسلحة، ويحق له عزل كل من أعضاء مجلس صيانة الدستور ورئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية ورئيس قوى الحرس الثوري ورئيس قوى الأمن الداخلي، وصولا إلى رئيس الإذاعة والتلفزيون.

وعلى الرغم من كون “مجلس الخبراء” منتخبا من قبل الشعب، وقد سيطر عليه الاصطلاحيون في السنوات الماضية، وهو يتمتع بصلاحية تعيين المرشد الأعلى للجمهورية وعزله عند الحاجة، ولكن المرشد هو من يحدد المرشحين لشغل منصب في هذا المجلس.

كما يحتفظ المرشد بحق استبعاد أي وزير من مجلس الوزراء الذي يشكله الرئيس، ما يمنحه إمكانية التأثير على السلطة التنفيذية وتوجيه مواردها لخدمة مغامرات إيران العسكرية في محيطها الإقليمي، بدلا من رفع الإنفاق الحكومي والدعم الاجتماعي والاستثمار الاقتصادي بصورة عامة. هذا ما أدركه المحتجون الإيرانيون بصورة سريعة، حيث انتقلوا من المطالب الاقتصادية إلى شعارات التغيير السياسي بسبب الترابط الكبير وغير القابل للفصل بين المستويين.

تعتبر الحركة الاحتجاجية الحالية غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقد تشكل تحديا كبيرا في حال استطاعت الصمود لفترة من الوقت أمام القمع الشديد والمتصاعد لأجهزة الدولة، وهو ما يمنحها الوقت لتشكيل قيادة تطور من أنشطتها وتعطيها أبعادا جديدة.

فبعكس الحركة الخضراء التي اندلعت في العام 2009 في أعقاب تزوير نتائج الانتخابات الإيرانية والتي تشكلت بصورة كبيرة من الفئات الوسطى، تشكل الطبقات الشعبية المفقرة القاعدة الرئيسية للاحتجاجات الحالية وهو ما يرفع من فرص صمودها أمام القمع وتحديها للنظام. لا تملك تلك الفئات التي تواجه قوات الأمن يوميا في شوارع المدن الإيرانية ما تخسره ومن المتوقع أن تواصل التحدي.

ولكن، في نهاية المطاف، يملك النظام الإيراني آلة قتل جبارة، وموارد اقتصادية وبشرية هائلة، ووسائل تأثير أيديولوجية ونفسية يوظفها لقمع الاحتجاجات. ضمن تاريخ الحركات الاحتجاجية عبر العالم، المتوقع دوما والشائع هو تراجع المحتجين أمام آلة العنف في حال تم إطلاقها بصورة وحشية، كما هو متوقع في إيران.

في حالات قليلة تستمر تلك الاحتجاجات وقد تنجح، في حال امتلكت قيادة ثورية، بتحشيد أعداد أكبر وبخلق انقسام داخل النظام الحاكم يؤدي إلى تغيير سياسي. أما في حالة تماسك النظام السياسي أمام حركة الاحتجاج، فمن الممكن أن تذهب البلاد إلى شكل من أشكال الحرب الأهلية. بهذا المعنى، تبدو الأيام القادمة حاسمة بما يخص مستقبل إيران ومستقبل المنطقة.

كاتب فلسطيني سوري

8