الاحتجاجات المتصاعدة في تونس تدق جرس الإنذار للائتلاف الحاكم

يسود التشاؤم القوى الشعبية والسياسية في تونس، في ظل تواتر الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية المتردية وارتفاع معدلات البطالة، ويحذر هؤلاء من أن استمرار السياسات القائمة يهدد بجر البلاد نحو منزلق خطير.
الأحد 2016/04/17
مشاهد متكررة

تونس - يتجه الوضع في تونس نحو مزيد من التأزم اجتماعيا وسياسيا، في ظل تصاعد الاحتقان الشعبي جراء الوضع الاقتصادي المتدهور، وانغماس التحالف الحاكم (حركة النهضة الإسلامية ونداء تونس) في بحث سبل تعزيز قبضته على البلاد.

وتحولت جزيرة قرقنة في جنوب البلاد، في الأيام الأخيرة إلى ساحة مواجهات بين الشرطة ومتظاهرين يطالبون بالتشغيل والتنمية.

وقد بلغت هذه المواجهات مداها الجمعة، حيث أحرق المحتجون ثلاث عربات من بينها عربة للشرطة ومركزا أمنيا بالجزيرة، لتنتهي بإعلان الأمن انسحابه من المنطقة.

وانطلقت المواجهات بين الأمن والمحتجين في قرقنة أول مرة في الثالث من أبريل عندما فضّت الشرطة بالقوة اعتصاما لعشرات المحتجين حول مقر شركة بتروفاك البترولية، وأوقفت عددا منهم.

وقال كمال الساهل، وهو من سكان الجزيرة، الجمعة “الوضع أشبه بساحة حرب، فالشرطة تطلق قنابل الغاز بشكل عشوائي وتلاحق المئات من الشبان.. وتعتقل شبانا يرفعون شعارات تطالب بالتشغيل”.

وأضاف “هناك العديد من حالات الاختناق نتيجة إطلاق قنابل الغاز حتى داخل البيوت.. جواب الحكومة على مطالب الشبان بتوفير مواطن عمل هو الاعتقالات وإطلاق الغاز المسيل للدموع والضرب بالعصي”.

وأربكت هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات الحكومة التونسية، وتجلى ذلك في تصريحات المسؤولين المتناقضة، الذين اتهم بعضهم جهات سياسية بالتورط فيها فيما قال آخرون إن عناصر إرهابية تقف خلفها لتشتيت انتباه قوى الأمن وزعزعة استقرار الجنوب.

وكانت آخر هذه التصريحات المثيرة تلك التي وردت على لسان رئيس الحكومة الحبيب الصيد، السبت، حيث اتهم الجبهة الشعبية، وهي تحالف من قوى وأحزاب وشخصيات يسارية، وحزب التحرير (سلفي) بالوقوف وراءها.

وقال الصيد، حسب مصدر من الرئاسة، خلال لقائه برؤساء تحرير من الصحافة المكتوبة والإلكترونية إن مجموعة تنتمي إلى الجبهة الشعبية وحزب التحرير متورّطة في أحداث العنف التي شهدتها الجزيرة حسب التحقيقات الأولية.

وأوضح الصيد أن قيادات من الجبهة اليسارية حرّضت على تصعيد الأوضاع في قرقنة، مضيفا أن الدولة قامت بواجبها وطبّقت القانون في المدينة وأعادت شركة بتروفاك إلى العمل وأن اللجوء إلى القوة جاء بعد شهرين ونصف من المفاوضات مع المعتصمين.

وهذه ثاني مظاهرات عنيفة تشهدها تونس هذا العام، ففي يناير الماضي انتشرت في العديد من المدن التونسية احتجاجات عنيفة وصفت بالأسوأ منذ انتفاضة 2011 للمطالبة بوظائف وقتل خلالها شرطي وأصيب فيها العشرات من المحتجين وقوات الأمن.

ويرى متابعون أن المبررات المختلفة والمتناقضة التي يطلقها المسؤولون الحكوميون في كل تحرك احتجاجي هي محاولات للهروب إلى الأمام، وإنكار مقصود لواقع ماثل للعيان.

ويقول محللون إن المنطق الذي تدير به الحكومة البلاد، لا يمكن أن يفضي إلا إلى مزيد من الاحتقان والغليان.

ويطالب سياسيون معارضون الحكومة بطرح حلول عملية وواقعية لمعالجة الوضع الاجتماعي المتدهور، وإلا فلتقدّم استقالتها.

وبعد خمس سنوات من الانتفاضة التي أنهت حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي في 2011 لا يزال الكثير من التونسيين يشعرون بالغضب ويعانون من غلاء الأسعار وتفشي البطالة والتهميش.

ضرورة الإسراع لإنقاذ تونس، حتى لا تتحول من مثال جيد إلى مثال سيء، لمن يتطلعون للحرية والديمقراطية في البلدان الأخرى

ويزداد هذا الغضب مع انعدام الثقة المتزايدة في النخبة الحاكمة، حيث يتهمها قطاع عريض من الشعب التونسي، بإعلاء المصلحة الشخصية والحزبية الضيقة على حساب البلاد.

ويرى سياسيون تونسيون أن هذا الموقف يحتوي على جانب من الواقعية بالنظر لما حصل خلال المصادقة على قانون يحدد النظام الأساسي للبنك المركزي، حيث أسقط الحزبان اللذين يحوزان على الأغلبية البرلمانية وهما حركة النهضة الإسلامية وحزب نداء تونس مقترحا تقدمت به المعارضة يقضي باستقلالية البنك استقلالية تامة عن الحكومة.

وتتجلّى مساعي الحزبين الحاكمين للسيطرة كليا على مفاصل الدولة في رغبتهما إجراء تعديل على الدستور يقضي بتوسيع صلاحيات رئاسة الجمهورية.

وجدير بالتذكير أن الدستور التونسي ينص على النظام البرلماني المعدل، وقد لاقى إعلانه في العام 2014 ترحيبا دوليا كبيرا باعتباره يفتح الأبواب أمام تركيز أسس ديمقراطية سليمة.

وبخطوة التعديل الدستوري فإن هذا الإنجاز الذي يعتبره البعض الوحيد الذي تحقق في تونس ما بعد الثورة، بات مهددا.

واعتبر الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، مساء الجمعة، أنه لا مانع لديه من إجراء تعديل دستوري، مستدركا بأن “رئيس الجمهورية هو الضامن لاحترام الدستور الحالي وتطبيقه وإن كان هناك حساسيات سياسية تطالب بالتعديل”.

ويرى محللون أن تصريحات الرئيس هي بمثابة جس نبض للقوى السياسية حول هذه الخطوة التي يتوقع أن تلاقي رفضا قاطعا من المعارضة.

ويحذر هؤلاء من السير في هذه الخطوة التي من شأنها أن تؤدي بالبلاد إلى سلك طريق المجهول.

ويقول المحللون إنه وإن كانت السلطة الحالية التي تدير البلاد تتحمل المسؤولية الأكبر عن الوضع المتدهور سياسيا واقتصاديا، فإن المجتمع الدولي هو الآخر يتحمل جزءا منها، خاصة وأنه غفل على مدار السنوات الأخيرة عنها، ولم يكن على مستوى المطلوب من الاهتمام بهذه التجربة التونسية التي لطالما وصفوها بـ”الفريدة”.

فتونس تعتبر الدولة الوحيدة التي تمكنت من الخروج من “طوفان” الربيع العربي بأقل الخسائر ونجحت في بناء نموذج (هشّ) من التوافق السياسي والاجتماعي.

وفي هذا الإطار دعا وزير الخارجية الأردني السابق، مروان المعشر، ونائب وزير الخارجية الأميركي السابق وليام بيرنز في مقال نشره مركز كارينغي للسلام، القريب من مطبخ صنع القرار في واشنطن، “إلى ضرورة الإسراع لإنقاذ تونس، حتى لا تتحول من مثال جيد إلى مثال سيء، لمن يتطلعون للحرية والديمقراطية في البلدان الأخرى”.

وقال بيرنز والمعشر، “إن تونس التي تقع في منطقة تسودها الاضطرابات وسفك الدماء، تُشكّل بما حققته من تحول سلمي وبناء دستور متقدّم وسياسة شاملة وانتخابات حُرّة وعادلة، بارقة أمل وحيدة من نوعها”.

ولكنّهما أعربا عن تخوفات على مصير التجربة التونسية، وأشارا إلى أن مزيجا من الرياح الداخلية والأعاصير الإقليمية تُحبط الآمال التونسية نحو عقد اجتماعي صلب جديد”.

كما أبدى كل من بيرنز والمعشر خشيتهما من “أن الحل التوافقي الذي ميّز تونس عن بقية البلدان في المنطقة يمكن أن يتدمّر”. واعتبرا أن “التقدير لتونس يجب ترجمته بدعم دولي متماسك وفعّال”.

2