الاحتجاجات تضع الحكومة التونسية في حيرة: التفاوض السلمي أو إكراهات المعالجة الأمنية

محافظات تونسية تشهد تحركات احتجاجية تنذر بـ"انفلات اجتماعي" في ظل اكتفاء الحكومة بدور المراقبة من بعيد دون تدخل أو معالجة ناجعة للملفات الاقتصادية والاجتماعية.
السبت 2020/11/21
رؤية ضبابية

تونس – يختبر ارتفاع نسق الاحتجاجات بالمدن التونسية مدى قدرة الحكومة على مواجهة الاضطرابات الاجتماعية بنفس تفاوضي يمتص الغضب الشعبي ويأخذ بعين الاعتبار خصوصيات الحوار بشروطه وتنازلاته في كل منطقة بالبلاد، وبالتالي معالجة الأزمات بأخف الأضرار، أو الالتجاء إلى الردع واستخدام قوة الدولة عبر الحل الأمني في مواجهة المحتجين.

يتواصل بمدينة قابس (جنوب) الاعتصام المفتوح بالمداخل الثلاثة للمجمع الكيميائي، لشباب الجهة المطالبين بالتّنمية والتّشغيل والمحتجّين على تواصل التّهميش الذي تعاني منه الولاية (المحافظة).

وتوقّف العمل بعدّة مؤسّسات صناعية، ما أدّى إلى تذمّر العديد من الأطراف من الانعكاسات السّلبية للوضع على مصالحهم وما سينجرّ عنه من خسائر مادية ضخمة ستتكبّدها المجموعة الوطنية، دون ظهور مؤشّرات توحي بإمكانية رفع المحتجّين لاعتصامهم.

ووجد الاعتصام الذي انطلق الأسبوع الماضي دعما من نواب الجهة الذين راسلوا رئيس الحكومة هشام المشيشي وطلبوا منه التسريع في عقد جلسة وزارة خاصة بالمدينة.

ومن بين المطالب التي يصر عليها النواب “بناء مستشفى جامعي وبناء كلية طب وكلية حقوق وإنشاء مكتبة وطنية وتطبيق الاتفاقيات السابقة”.

خالد الكريشي:

الحكومة ظلمت عدة جهات باتفاق الكامور وقد تلجأ إلى القوة

وتشهد ولايات (محافظات) تونسية في الآونة الأخيرة تحركات احتجاجية تنذر بـ”انفلات اجتماعي” في ظل اكتفاء الحكومة بدور المراقبة من بعيد دون تدخل أو معالجة ناجعة للملفات الاقتصادية والاجتماعية مع حصد وباء كورونا المنتشر للأرواح. وأخذت دائرة الاحتجاجات تتسع لتطال عدة مدن يطالب أهاليها بالتنمية والتشغيل، معلنين رفضهم لإجراءات حكومة المشيشي لمواجهة الجائحة وتداعياتها.

ويبعث الصمت الحكومي على الحيرة في صفوف التونسيين، في ظل الرؤية الضبابية القائمة وتردد السلطات بين التقدم أو الانسحاب بكل ما في الإجراءين من عواقب، ما يطرح حقيقة امتلاك حكومة المشيشي لنفس تفاوضي وخطط إستراتيجية مدروسة وواضحة المعالم والأهداف، فضلا عن قدرتها على الإيفاء بالوعود للعاطلين والمهمشين.

ويختبر ارتفاع وتيرة الاحتجاجات بطريقة أو بأخرى مدى صبر الحكومة وتحملها للخسائر الناتجة عن توقف الإنتاج والإنتاجية، على أن حجم ذلك الصبر قد ينفد قريبا، مثلما نفد انتظار المهمشين للشغل والكرامة في القرى والأرياف.

ورأى النائب خالد الكريشي عن حركة الشعب وعضو لجنة المالية بالبرلمان “أن موسم الاحتجاجات في تونس قد حل والمتزامن دائما مع هذا التوقيت (بين شهري نوفمبر ويناير) ومع المصادقة على قانون المالية”.

وتابع الكريشي في تصريح لـ”العرب”، أن الحكومة لن تلجأ للحل الأمني إلا إذا نفد صبرها من التفاوض مع المحتجين، وستتحمل أكثر ما يمكن من الحوار، وفي حال تعذر الوصول إلى حلّ ستعتمد المعالجة الأمنية، لافتا إلى أن “الحكومة ظلمت عدة جهات بالتفاوض في اتفاق الكامور”.

ويعد الرضوخ إلى التفاوض والاستماع لمشاغل المحتجين مهمة صعبة بالنظر إلى المطالب التي تتطلب موارد مالية ضخمة وقدرة تشغيلية رهيبة (أكثر من 700 ألف عاطل عن العمل).

وانتقلت عدوى الاحتجاجات إلى العلن في بقية الجهات بعد النجاح الذي أحرزه ملف الكامور.

واعتبر النائب بالبرلمان سهير العسكري في تصريح لـ”العرب” أن “التفاوض في الكامور آلية تمس من هيبة الدولة، ووجب على الحكومة أن تتفاوض مع الهياكل الرسمية كالاتحاد العام التونسي للشغل لا مع التنسيقية التي اعتمدت أشياء غير مقبولة مثل غلق أنبوب ضخ النفط”.

سهير العسكري:

اللجوء إلى طرق قمعية في احتواء الاحتجاجات ينذر بثورة ثانية

وبرأي العسكري فإن “المشيشي لن يكون قادرا على إخماد نار الاحتجاجات في ظل الوضع المالي والاقتصادي المتأزم مع تداعيات وباء كورونا”.

وأشار إلى أن “اللجوء إلى طرق قمعية في احتواء الاحتجاجات ينذر بثورة ثانية، وعليه أن يعتمد الحل السلمي ويعقد مجالس وزارية في الجهات التي تعاني من البطالة والتهميش ويضعها ضمن أولويات برامج التنمية، مع ضرورة تقديم وعود يقع تطبيقها”.

وتصطدم الحكومة التونسية بمواجهة هذا الواقع المتأجج بخيار أمني يشترط توفر جملة من الظروف والضمانات لأداء المهمة التي أوكلت إليه، فضلا عن مساندة لامشروطة من سلطات البلاد (رئاسة وحكومة وبرلمانا) ومختلف المنظمات والقوى الفاعلة من مجتمع مدني وحقوقي.

وتعقيبا على تواصل حالة الاحتقان، نشرت نقابة الأمن في قابس التونسية على صفحتها بـموقع فيسبوك بيانا عبّرت فيه عن رفض الأمنيّين بالجهة الزجّ بهم في تصادم مباشر مع المعتصمين.

وأضافت النقابة “الحل الأمني الذي تسعى إليه بعض الأطراف في فض مشاكل اجتماعية نعتبره سياسة الهروب إلى الأمام ومحاولة للزج بالأمنيين في التصادم المباشر مع المحتجين الذين عبروا عن سلمية احتجاجاتهم، وبدل هذا الخيار ماذا أعدّ نواب الجهة والسّلطات الجهوية من حلول لهذا الإشكال؟ ولكن سنجدهم في صدارة المندّدين بالتجاوزات الأمنية إن صدرت”.

وأشار نص البيان إلى أن “هذا ليس هروبا أو خوفا من المسؤولية الملقاة على عاتقنا كأمنيين في بسط الأمن بالجهة وحماية الممتلكات العامة والخاصة وإنما التجارب السابقة خير دليل على ذلك. هذا ونؤكد للجميع جاهزية قواتنا الأمنية في التصدي لكل ما من شأنه المس بالأمن العام”.

وانطلقت تحركات احتجاجية في المدن التي تسجل أعلى نسب البطالة والفقر، مثل تطاوين وقفصة والقصرين وسليانة، وتعتبر هذه المحافظات ذات أولوية قصوى في منوال التنمية منذ 2011، فيما يتهم أهاليها الفاعلين السياسيين باستثنائهم من المشاريع التنموية رغم أنهم يمثلون خزانا انتخابيا كبيرا لهم.

وشهدت مناطق مختلفة في البلاد على غرار القيروان والكاف وسليانة وتوزر وقابس وباجة تحركات تطالب بضرورة تنفيذ مبدأ “التمييز الإيجابي” الذي جاء به دستور 2014 لفائدة المناطق التي تسجل مؤشرات متدنية على مستوى التنمية والتشغيل.

وحسب ما ورد بنتائج المسح الوطني حول السكان والتشغيل للثلاثي الثاني من سنة 2020 للمعهد الوطني للإحصاء، شهدت نسبة البطالة ارتفاعا إلى حدود 18 في المئة خلال الثلاثي الثاني من السنة الجارية مقارنة بالثلاثي الأول حيث كانت في حدود 15.1 في المئة.

وكشف المعهد في نشرية له عن مؤشرات التشغيل والبطالة للثلاثي الثاني لسنة 2020 بخصوص تأثير جائحة كوفيد – 19 على سوق الشغل بتونس، حيث أن عدد العاطلين عن العمل بلغ 746.4 ألف من مجموع السكان النشطين مقابل 634.8 ألف عاطل تم تسجيله خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية.

4