الاحتجاجات تعمق الأزمة بين حركة النهضة وقيس سعيد

قيادات الحركة الإسلامية تلمح لوقوف الرئيس التونسي وراء المظاهرات.
الأربعاء 2021/01/20
غضب متصاعد

سرعت الاحتجاجات التي تشهدها مدن تونسية عدة في وضع الرئيس، قيس سعيد، في مواجهة جديدة مع حركة النهضة الإسلامية التي تحرك عدد من قيادييها مطالبين سعيد بإدانة الاحتجاجات الليلية علنا. قبل أن تُدشن زيارة أداها الرئيس التونسي إلى منطقة المنيهلة شمال غرب العاصمة جدلا بعدما رفع عدد من الشبان والأهالي شعارات مناوئة للبرلمان المنقسم على نفسه وكذلك للنهضة، ما جعل سعيد في مرمى انتقادات جديدة.

تونس – تواصلت الاحتجاجات الشعبية ليل الاثنين في تونس وسط مخاوف من اتساع رقعتها، خاصة أن ردود فعل الأطراف السياسية التي يحملها الشارع مسؤولية تأزم الأوضاع اقتصر على تبادل الاتهامات حول من يقف وراء هذه الموجة من التحركات، ما قد يزيد من شحن الأجواء في الشارع.

وتجمهر العشرات من المحتجين الثلاثاء في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس. حيث رفعوا شعارات مناهضة للطبقة السياسية الحاكمة على غرار “الشعب فد فد (سئم) من الطرابلسية الجدد” و”الشعب يريد إسقاط النظام” وغيرها من الشعارات.

ويرى مراقبون أن تصاعد وتيرة الاحتجاجات، التي لم تنجح السلطات في تطويقها من خلال الحلول الأمنية، سيزيد من توتير العلاقة بين الرئيس التونسي، قيس سعيد وحركة النهضة الإسلامية التي تقود الحزام السياسي والبرلماني الداعم للحكومة، لاسيما بعد توجيه قيادات من الحركة أصابع الاتهام إلى سعيد بأنه يقف خلف التحركات الاحتجاجية.

وتنقل سعيد، مساء الاثنين، إلى منطقة المنيهلة الواقعة شمال غربي العاصمة تونس حيث التقى عددا من الشبان والأهالي.

وناشد سعيد، الشباب عدم التعرض لـ”الأعراض والممتلكات”، محذرا ممن يسعى إلى المتاجرة بفقر المواطنين، و”هو لا يتحرك إلا في الظلام” بهدف “بث الفوضى”.

وحذر الرئيس التونسي “ممن يسعى بكل الطرق إلى توظيف الاحتجاجات والمتاجرة بفقر المواطنين ووضعهم الاقتصادي وهو لا يتحرك إلا في الظلام، وهدفه ليس تحقيق مطالب الشعب بقدر سعيه لبث الفوضى، ثم تجاهل الضحايا منهم”.

وأظهر الفيديو الذي نشرته رئاسة الجمهورية عددا من الأهالي يهتفون “تحرك وقم بحل البرلمان.. لترحل حركة النهضة”، وهو ما أثار ردود فعل متباينة إزاء هذه الشعارات.

وبالرغم من أن نشطاء داعمين للاحتجاجات رحبوا بزيارة سعيد. غير أنها زادت من الشكوك التي تُخامر منتقديه بشأن محاولته استثمار التحركات لاستهداف الأحزاب والعملية السياسية الجارية الآن في تونس. حيث يُعادي الرجل النظام السياسي الحالي ويحاول الدفع نحو إلغاء الديمقراطية القائمة على البرلمان واستبدالها بديمقراطية شعبية في استنساخ لتجربة اللجان الثورية في عهد العقيد الليبي الراحل معمر القذافي وفق ما يقول منتقدوه.

ووضع هذا التصور سعيد في مواجهة حركة النهضة الإسلامية التي تسعى جاهدة للحفاظ على نظام الحكم الحالي (شبه برلماني) ولم لا حتى تعزيزه ليصبح برلمانيا بالكامل كما أوضح رئيس الحزب، راشد الغنوشي، في وقت سابق.

وقبيل تحوله إلى المنيهلة، حاولت قيادات وازنة من الحركة الإسلامية على غرار البرلماني سيد فرجاني، وصهر الغنوشي، رفيق عبدالسلام، ورئيس مجلس الشورى، عبدالكريم الهاروني، حشر سعيد في الزاوية من خلال التلميح إلى أن الرجل يقف خلف الاحتجاجات الليلية التي تخللتها أعمال عنف ونهب وسرقة للأملاك.

وخاطب سيد فرجاني، سعيد قائلا “عليك دعوة التنسيقيات التي تنسب نفسها إليك بالكف عن دفع البلاد إلى الفوضى والمجهول”، فيما دعا القيادي بالنهضة رضوان المصمودي، سعيد إلى إدانة العنف والتخريب الذي يجوب جهات الجمهورية. وأن يتبرأ من الصفحات التي تدعو لها، في إشارة إلى صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي.

نبيل حجي: الحكومة الصامتة تتحمل مسؤولية ما يحدث، لكن هذا لا يبرر العنف
نبيل حجي: الحكومة الصامتة تتحمل مسؤولية ما يحدث، لكن هذا لا يبرر العنف

وأضاف المصمودي في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي ”فيسبوك” أنه “إما أن تتم الإدانة من طرف الرئيس لهذه الأعمال أو أن البرلمان مدعو إلى إتخاذ الإجراءات القانونية والشروع في عزله، كما بادر بذلك الكونغرس الأميركي مع الرئيس دونالد ترامب”.

وفي أول تعليق له على الأحداث الأخيرة قال الغنوشي، الذي يرأس أيضًا البرلمان، مخاطبا الشباب الذين اشتبكوا مع القوات الأمنية “لا يليق بكم تخريب بلادكم”.

وشدد الغنوشي في تصريح لإذاعة محلية مساء الثلاثاء على أن “إنقاذ تونس لا يكون بالتخريب ولا بالحرق وتدمير مؤسسات الدولة.. هذه بلادكم ولستم أجانب عنها ولا هي أجنبية عنكم، ولذلك فإن حرق المؤسسات والإدارات والمغازات لن يوفر لكم الحياة الكريمة ولا الشغل”.

ويبدو أن تصور سعيد سيجعله يجمع الأعداء من الطبقة السياسية، خاصة أن هناك من اعتبر أن ما جاء من شعارات رافقت زيارته إلى المنيهلة يعد خرقا للدستور. حيث ألمح لذلك البرلماني عن حزب التيار الديمقراطي، نبيل حجي.

وقال حجي في تصريح لـ”العرب” إن “في آخر الفيديو الذي نشرته رئاسة الجمهورية هناك أمر لا يمكن أن أقبله.. لن أتدخل في نوايا الرئيس سعيد الساهر على حماية الدستور.. لكنّ هناك مواطنين دعوا إلى حل البرلمان وهذا غير ممكن دستوريا، حق التحزب أيضًا مكفول دستوريا، كان من الأفضل حذف المقطع الأخير لأنه مثّل دعوة صريحة إلى خرق الدستور”.

وفيما سارعت الأحزاب الداعمة لحكومة هشام المشيشي إلى إدانة الأحداث الأخيرة معتبرة أن هناك من يقف خلفها، اختارت المعارضة وخبراء الدفاع عن هذه الاحتجاجات بحجة أن البلاد تعيش تدهورا غير مسبوق للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وقال المشيشي، الثلاثاء، إن “التحركات الليلية غير بريئة” مشددا على أنه “لا مجال لبث الفوضى”.

وأضاف خلال اجتماع أمني أن “أعمال النّهب والسرقة والاعتداءات على الممتلكات الخاصة والعامة لا تمت بصلة للتّحركات الاحتجاجية، والتعبيرات السلمية التي يكفلها الدستور والتي نتفهّمها ونتعامل معها بالحوار الجاد، والبحث بالتعاون مع شركائنا الاجتماعيين عن الحلول الكفيلة بالاستجابة لتطلّعات التونسيات والتونسيين”.

لكن هذه الاتهامات لا تجد صدى لدى المعارضة التونسية التي تحمّل الحكومة مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد داعية إلى ضرورة الحوار مع “الشباب الغاضب”.

وقال نبيل حجي إن “دستور 2014 منح التونسيين حق التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي.. هذا أمر لا نتنازل عنه وهو من مكتسبات الدستور.. في نفس الوقت غير مقبول أن يحتج إنسان بالاعتداء على ممتلكات غيره.. هذا مروق على القانون”.

وأضاف أن “حكومة المشيشي تتحمل مسؤولية ما يحدث لأننا نتابع صمتا مطبقا لهذه الحكومة.. لا أعتقد أن هناك من يضغط على الزر من أجل خروج كل هؤلاء (الشباب) مع بعض للاحتجاج، في تونس لديانا 100 ألف تلميذ ينقطعون عن الدراسة. أي مصير لهؤلاء وكيف تتعامل معهم الدولة؟، هناك العديد من الإشكاليات والتطورات التي أرست قطيعة بين الشباب والدولة.. من الضروري تفهم ذلك وفتح نقاش حوله”.

4