الاحتجاج العنيف في تونس: تخريب ممنهج أم انتقام منطقي من الدولة

مرت الذكرى السابقة لأحداث 14 يناير 2011 بسلام، وهدأت الاحتجاجات والمظاهرات التي عاشت على وقعها تونس عشية إحياء ذكرى أولى ثورات الربيع العربي الشعبية، لكن حالة الهدوء التي تسود البلاد والمناطق التي شهدت اضطرابات في الفترة الماضية هي حالة مزيفة تخفي وراءها غليانا وقنابل موقوتة مستعدة للانفجار في أي لحظة. وموازاة مع ما شهدته تونس من احتقان اجتماعي لم يخل من مظاهر عنف متعددة الأشكال والأبعاد، تفشّت خطابات تحريضية ومغذية للحقد والكراهية ضدّ بعض السياسيين والإعلاميين والفاعلين في الشأن العام بالبلاد.
الجمعة 2018/01/19
تهميش الشباب أول الطريق نحو التخريب والتطرف ومختلف أشكال العنف

تونس – سبع سنوات مرت على سقوط نظام بن علي وثلاث سنوات مرت على انتقال تونس من مرحلة الوضع السياسي المؤقت إلى وضع دائم ومستقر ترجمته انتخابات 2014 المرتكزة على دستور الجمهورية الثانية المدني، لكن تبقى أسئلة كثيرة دون إجابة وملفات عديدة مازالت مفتوحة.

يمثل هذا الوضع أرضية خصبة لأصحاب الدعوات إلى “حرق البلاد” والخطب التحريضية والتكفيرية التي تصل حدّ الدعوة إلى القتل والسحل وقطع الأوصال. والخطير أن هذه الدعوات تحفر في أعماق “حقد” اجتماعي كامن منذ عقود طويلة مصدره الإحساس بغياب العدالة الاجتماعية والتهميش الجهوي والفوارق التنموية بين الجهات الداخلية المهمشة والعاصمة وبعض المدن الساحلية. كما يركز أصحاب هذه الدعوات على حالة الإحباط عند الشباب والوعي السياسي والثقافي المتوسط والضعيف عند عدد من التونسيين.

دعوات صريحة للقتل

بعد أن نجحت تونس في تخطي مرحلة خطيرة كانت دموية بامتياز ومنبثقة من خطابات تحريضية في بداية الثورة، وخاصة في عامي 2012 و2013 (عهد حكم الترويكا) وأدّت إلى إغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي (قياديان بالجبهة الشعبية) أو إلى تصفية عدة جنود وأمنيين، بات البلد مهدّدا اليوم وفق العديد من المُراقبين بالانجرار مجددا وراء دعوات تكفيرية يقف وراءها بعض الأئمة والدعاة المتشددين وحتى بعض الأطراف السياسية.

عودة هذه الخطب التحريضية، أكّدها الناطق الرسمي للجبهة الشعبية حمة الهمامي الذي قدّم وثائق ومعطيات دقيقة حول وجود تهديدات باغتياله رفقة سامية عبو النائبة في البرلمان عن حزب التيار الديمقراطي.

وأوضح الهمامي لـ”العرب” أن عدّة أطراف إسلامية تقف وراء دعوات قتله ودعت إلى تصنيف الجبهة الشعبية “تنظيما إرهابيا”.

يوسف الصديق: طالما هناك من يصدق أن حركة النهضة تفصل بين الدعوي والسياسي فإن حملات التحريض ستبقى ولن تنتهي

وأشار الناطق الرسمي للجبهة الشعبية إلى أن عملية حرق مقر حزب العمال بمنطقة العروسة التابعة لمحافظة سليانة تحمل العديد من الرسائل المهدّدة بتصفيته جسديا، متسائلا عن عدم تحرّك النيابة العمومية لإيقاف المحرّضين.

وطالت الدعوات أسماء أخرى منها بعض نواب البرلمان على غرار النائب عدنان الحاجي وإعلاميين من ذلك محمد بوغلاب. لكن اللافت ليس الدعوة بقدر استجابة التونسيين لها، ما دفع “العرب” إلى البحث عن تفسير لدى مفكرين وخبراء في علم الاجتماع.

تحدث المفكّر والفيلسوف يوسف الصدّيق، موضحا لـ”العرب” أن تفشي الدعوات التحريضية مصدره بالأساس تعمّد بعض الأطراف السياسية وفي مقدّمتها حركة النهضة الإسلامية انتهاج خطاب متشدّد لا يمت بصلة لمفهوم الدولة المدنية المنصوص عليه في الدستور.

وأضاف “طالما أنّ البعض صدّق أن حركة النهضة فصلت بين ما هو دعوي وبين ما هو سياسي فإن حملات التحريض ستبقى في بلادنا ولن تنتهي”، مؤكّدا أن للنهضة هيكلين أحدهما مُهتم بما هو سياسي وآخر مُهتم بكل ما هو عقائدي وأن من مهماته الأولى التكفير وتقسيم التونسيين بين كافر وملحد ومؤمن، وهو ما يغذي نزعات البعض إلى القتل وسفك الدماء باسم الدين وفق تعبيره.

ويتعرض يوسف الصديق، وهو من مناصري سياسة بورقيبة الداعية إلى تجريم ومنع كل الأحزاب الدينية، باستمرار إلى حملات تشكيك وتكفير.

من الدلائل القوية على إصرار بعض الجمعيات الدينية على مواصلة التدخّل في الشأن السياسي بيان أصدرته جمعية الوعّاظ والأئمة بمحافظة المنستير دعت فيه توحيد خطبة الجمعة (عشية احياء ذكرى الثورة) إلى عدم الانسياق وراء من أسمتهم بـ”الشرذمة” في إعلان صريح ضدّ حملة “فاش نستناو” (ماذا ننتظر؟) والجبهة الشعبية وكل الرافضين والمحتجين ضدّ الزيادات في الأسعار التي تضمنتها إجراءات قانون المالية لعام 2018.

حول هذا الملف، تحدث عبدالسلام العطوي الكاتب العام للنقابة العامة للشؤون الدينية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، مؤكدا أن هيكلهم النقابي لاحظ شأنه شأن بقية المتابعين تفشي الخطابات الدينية التحريضية مجدّدا في تونس.

وحمّل العطوي السلطات الحاكمة وخاصة وزارة الشؤون الدينية مسؤولية بعض الانحرافات الخطيرة بسبب عدم تمكّنها من تقنين كل ما يتعلق بالشأن الديني في البلاد.

ورغم تأكيده على أنّ مختلف المؤسسات الدينية وخاصة المساجد باتت تحت سيطرة الدولة، فإن الكاتب العام للنقابة العامة للشؤون الدينية لم ينف في المقابل وجود بعض الممارسات الشاذة والمتطرّفة الصادرة عن بعض الأئمة غير الملتزمين بمدنية الدولة.

وغير بعيد عن دعوات بعض الأئمة والجمعيات التحريضية، يواصل حزب التحرير الإسلامي تعدياته على مدنية الدولة. وحاول مؤخرا استغلال الحراك الاجتماعي لبث فكره المتطرّف وتكفير كل السياسيين حكّاما ومعارضة والفاعلين في الشأن العام مثل الاتحاد العام التونسي للشغل عبر نعتهم في بياناته بـ”خونة الله”.

لكن لم تقتصر الدعوات التحريضية في تونس على الأطراف الدينية فحسب، بل انخرط فيها طيف آخر من التقدّميين والعلمانيين وحتى بعض نواب البرلمان الذين انساقوا في بعض الأحيان إلى انتهاج خطابات شعبوية خطيرة لا تؤدي إلا إلى العنف والاحتقان.

وكشف هشام السنوسي عضو الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري لـ”العرب”، أنه سجّل مؤخرا تفشي الخطابات التحريضية على شبكات التواصل الاجتماعي بشكل يعيد إلى الأذهان الفترات الصعبة التي عانت منها تونس في السنوات الأولى للثورة. وأكد السنوسي أن الهيئة تتابع بدقّة ما يحصل في المشهد الإعلامي، ملاحظا أنه يتم تسجيل العديد من الخروقات التي لا تتماشى مع أخلاقيات العمل الصحافي والإعلامي. وحذّر من تكرّر السيناريوهات المرعبة التي أغرقت البلاد في الدماء سنة 2013. ورغم اختلاف المرحلة التي تمر بها تونس الآن شكلا ومضمونا مقارنة بأصعب السنوات التي عاشت على وقعها في السنوات الأولى للثورة وخصوصا في فترة حكم “الترويكا”، فإن الملف يتطلّب الكثير من الحذر والصرامة والمتابعة الدقيقة قبل فوات الأوان لأن خطابات شبيهة بما يبثّ اليوم تضمنت دعوات صريحة للقتل وسفك الدماء أدّت في عام 2013 إلى اغتيال شكري بلعيد ومحمّد البراهمي وإلى تصفية وقتل عدد من جنود وأمنيي البلاد.

خطابات الشعبوية لا تؤدي إلا إلى العنف

تحريض على العنف

إلى جانب التحريض على القتل، كان من اللافت حالة التحريض على تخريب كل ما يمثل الدولة من رجال أمن إلى مؤسسات ومبان ضمن حالة مثيرة للجدل يبدو فيها المخرب وكأنه ينتقم من الدولة التي همشته، وتجلى ذلك واضحا في المظاهرات التي شهدتها البلاد مؤخرا.

ورغم الإجماع الوطني على نبذ كل مظاهر العُنف والتنديد به، فإن المواقف ممّا يحصل كانت مختلفة، فالحكومة شخّصت الوضع وخلصت إلى أن أعمال العنف والتخريب لم تكن بمعزل عن مؤامرة للإطاحة بالحكم، أما الأحزاب السياسية فقد اعتبرت أن الاحتجاج العنيف نابع أساسا من نقمة الشباب وضعاف الحال على الدولة وعلى حكام ما بعد الثورة الذين عجزوا عن تحقيق الأمن الاجتماعي.

أما علماء الاجتماع فلهم قراءة أخرى لحالة الاحتقان والعنف اللذين شهدتهما بعض الاحتجاجات. وأكّد الباحث في علم الاجتماع محمد الجويلي لـ”العرب” أن الاحتجاجات المطلبية في مختلف أنحاء العالم تكون عادة مرفوقة بأعمال عنف، مشيرا إلى أن ما حصل في تونس يمكن تقسيمه إلى ثلاثة مستويات منها الاحتجاج السلمي والاحتجاج الناقم إضافة إلى وجود أطراف أخرى من المخرّبين تريد استغلال هشاشة الوضع للسرقة والنهب.

وأوضح الجويلي أنّه من الناحية السوسيولوجية لا يمكن تفسير ظاهرة حرق منشآت عمومية مثل مراكز الأمن أو القباضات المالية أو مراكز السيادة كمقرّات المحافظات والمعتمديات إلا بوجود إحباط لدى شباب ناقم على الوضع وعلى الدولة التي عجزت عن تخليصه من أوضاع اجتماعية صعبة كان قد ثار عليها في يناير 2011.

وأوضح فؤاد غربالي الباحث في علم الاجتماع، أن ما حدث من عنف وتخريب كان منتظرا وفرقعته السياسات الاقتصادية المتوارثة التي أحبطت الشاب التونسي.

وأضاف غربالي لـ”العرب” أن “الدولة تكاد تكون غائبة في المناطق الشعبية والمهمشة ولا تتعامل مع المشاكل الاجتماعية إلا بالمقاربة الأمنية التي تفجّر الوضع في نهاية الأمر”.

وشدد “على أن النقابات والأحزاب السياسية فشلت تاريخيا منذ أحداث الخميس الأسود في يناير 1978 في تأطير المحتجين في المناطق الغاضبة والمهمشة، لذلك يتحول المشهد في كل مرة إلى احتجاجات عنيفة”.

أكّدت هذه التشخيصات فتحية السعيدي المختصة في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، بقولها لـ”العرب” “بمعزل عن العنف والتخريب اللذين ندينهما ونرفضهما لأنهما يضران بالتحركات السلمية ويفقدانها مصداقيتها، نحاول فهم ما حدث من خلال مقاربات علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي، بمنطلقين من الأسئلة التالية: ما هي ماهية هذه الحركات الاحتجاجية؟ ولماذا حصل الانفلات والتوجه للعنف والتخريب؟ وكيف تتمّ المعالجة؟“.

وأضافت “لا بد من التمييز بين الحركات الاجتماعية وحركة الجماهير وبين الشبكات المناهضة للمجتمع أو المنحرفة عنه (العصابات والجماعات المغلقة)، فبين المفهومين توجد فوارق مهمة، ذلك أن الحركات الاجتماعية قد بدأ التنظير لها في علم الاجتماع على إثر بروز حركات شبابية، نسائية، بيئية، حقوقية، الخ. وهي حركات مطلبية واحتجاجية في ذات الوقت”.

الدولة تكاد تكون غائبة في المناطق الشعبية والمهمشة ولا تتعامل مع المشاكل الاجتماعية إلا بالمقاربة الأمنية التي تفجّر الوضع في نهاية الأمر وتطوره إلى حالة تخريب

واعتبرت أن ما حصل في تونس يندرج ضمن ما يعرف بالحركات الاجتماعية التي هي شكل من أشكال الفعل الجماعي الذي ينشأ صلب المجتمع المدني، والذي عادة ما يطالب بتغييرات للوصول إلى السلطة وأن ذلك هو الفرق بينه وبين الفعل السياسي المنظم.

وشدّدت على أن وجود حالة من العزوف عن الفعل السياسي والمشاركة في الحياة السياسية داخل المجتمع التونسي هو نتاج حتمي لحالة من الإحباط ومن الخيبة المتتالية للسياسات المتعاقبة للحكومات. وأضافت “ما زاد الموضوع تعقيدا هو التشتت والتجاذب بين كل الفاعلين السياسيين وغياب الوضوح حول كل فعل سياسي حتى وإن كان فعلا يخدم الشعب”.

مسؤولية الحكومة

بعيدا عن التحليل السوسيولوجي الصرف، فإن للعديد من الأطراف الوازنة في تونس على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل أو بعض الأحزاب المعارضة وحتى منها المشاركة في وثيقة أولويات الحكومة، اتفاق قرطاج، تفسيرات أخرى لبعض مظاهرالعنف التي ميزت بعض الاحتجاجات رغم رفضها الصريح لها ونبذها وإدانتها.

وبعد تأكيده لـ”العرب” على وجود بعض الأطراف “المعادية لتونس” التي تحاول استغلال الوضع لإغراق البلاد في الفوضى بدعم التحركات في الظلام، شدد الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل حفيّظ حفيّظ على أن اتحاد الشغل يتفهّم إحباط الشباب الذي نزع بعضه إلى العنف، خصوصا أنه بات يشعر بخيبة أمل كبرى بعدم تمكنه من التشغيل.

وحمّل حفيّظ ما حصل من انفلات إلى السلطة الحاكمة التي عجزت عن تليبة تطلعات الفئات المهمشة والمعطلين عن العمل الذين وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام محاولات حثيثة لإعادة رسكلة المنظومة القديمة أو منظومة ما قبل 14 يناير 2011.

وأكّد زهير المغزاوي الأمين العام لحركة الشعب (أحد الموقعين على وثيقة قرطاج) لـ”العرب”، أن للاحتجاج العنيف العديد من التبريرات أهمها أن جزءا من الشباب بات يرى نفسه خارج المنظومة الحالية ممّا يجعل مواقفه وسلوكاته تكون ناقمة على الدولة وغير واثقة في السياسيين ولذلك يجنح للاحتجاج العنيف بغية التغيير.

وشكّك المغزاوي في بعض الاحتجاجات التي قال إن جزءا منها غير عفوي وكان مدعوما من أطراف تريد تدنيس الحراك الاجتماعي أو استغلاله للنهب والسرقة والتخريب، مؤكّدا أن الثورة أو الانتفاضة بالأساس لا ترد إلا في شكل تحرّكات خارج المنظومة وأن أهم أسباب الاحتقان تتلخّض في عدم ثقة الشباب المحتج في السياسيين، وهو ما تظهره استطلاعات الرأي التي تؤكّد عزوفا عن الانخراط في الحياة السياسية والمشاركة في الانتخابات.

وبنفس التحليل تقريبا، اعتبر الصحبي بن فرج، النائب بالبرلمان عن حزب حركة مشروع تونس (موقع على وثيقة قرطاج)، أنه لا يجب تبسيط الأمور بل وجب النظر إلى الاحتجاج العنيف بشكل أعمق ومن زاوية مقاربة اجتماعية دقيقة، مضيفا أنه بات من الواضح أن هناك فئات شعبية مفقّرة انخرطت في أعمال العنف الأخيرة وخاصة منها الطبقات المحرومة الأكثر حساسية والأكثر إحباطا بعد ثورة يناير 2011.

وشدّد بن فرج على أن الوضع مختلف عمّا حصل في 2010 من احتجاجات أطاحت ببن علي ونظامه، لكن أججته الإجراءت الجبائية الأخيرة التي أثقلت ضعاف الحال وعززت لديهم شعورا بالانتقام من السلطة لكن دون التفريق بين مفهومي الأحزاب الحاكمة والدولة، ولذلك نجد أن من بين المحتجّين من يخربون منشآت عمومية معتقدين أنها ملك للحزبين الحاكمين نداء تونس والنهضة، اللذين يتحمّلان بدورهما نتائج الاحتقان باعتبار أنهما لم يلتصقا بهموم الشعب وتطلعاته بقدر ما كان هاجسهما الأول متمحورا حول المصالح والتموقع في المشهد السياسي والتمسّك بكرسي الحكم، على حدّ قوله.

12