الاحترام الوضعي: ضرورة عسيرة في مجتمعات تدار بعقل طائفي

تدبير الاختلاف واحترام الآخر أصبحا ضرورة ملحة في واقع مشوب بالتعصب الديني والطائفي والمذهبي، وهي ضرورة تبين عسر تأصيلها انطلاقا من فكر ديني متعصب، لذلك يصبح ملحا الاتكاء على مفاهيم قانونية وحقوقية تحث على احترام الآخر وصون حقوقه في فضاء دولة تراه مواطنا بحقوق لا مؤمنا بمعتقدات.
الثلاثاء 2015/07/07
الآخر ليس جحيما إذا خضعت العلاقات للقانون

من الواضح أن الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تشرع القتل وتعلن عن كراهيتها للآخر، الديني وغير الديني، بشكل صريح، وتصفه بالانحراف والفساد لا تتوفر على غرائز أخلاقية، بل ليس لديها أدنى قابلية للشعور أو ميل طبيعي بالتعاطف مع الآخرين من نفس نوعها. ذلك الميل الطبيعي الذي نجده حاضرا عند الحيوانات التي تمتنع عن قتل النوع ذاته.

إن هذه الجماعات التي أفرغت الدين الإسلامي من روحه ومعانيه الجوهرية، تجعل إمكانية الاعتراض عن وجود فعل أخلاقي يرتقي بالإنسان إلى أنطولوجيا للبشر مشروعا. ذاك الفعل الأخلاقي الذي يجعل الإنسان يحب الآخر البشري مثل حبه للأشياء الحلوة. ويكره قتله مثلما يكره المواد التي تبعث على التقزز.

كل الحضارات العالمية التي تمكنت من تحقيق الوعي بأنطولوجيتها البشرية لم يتأتَّ لها ذلك سوى لأنها قررت تشييد وصياغة مبدأ الاحترام بلغة حقوقية. وجعلت من هذا المبدأ مركزا لأنظمتها الحقوقية. إذ غدت اللغة الحقوقية في عصرنا هي الوحيدة التي تكفل التعبير عن المعايير الأخلاقية الشاملة.

لقد أصبح الإنسان المعاصر ينبذ القتل والألم أكثر من سابقه. وهذا ما أكده تشارلز تايلر في كتابه “منابع الذات، تشكل الهوية الحديثة” عندما قال “لنفكر في الوصف المرعب، وصف تعذيب إنسان حاول قتل الملك في منتصف القرن الثامن عشر في فرنسا الذي افتتح به ميشال فوكو كتابه “المراقبة والعقاب”، ليس القصد الأول أن حوادث مروعة شبيهة لا تحدث في عصرنا في الغرب. وإنما المقصود هو أنها الآن، تعتبر ظواهر شادة مروعة ومثيرة للاشمئزاز، لا بد من إخفائها. حتى عمليات الإعدام لم تعد تنفذ أمام العلن وإنما داخل جدران السجن. وكنا نشعر برعب عندما كنا نعلم أن الأهل تعودوا أن يسمحوا لأولادهم أن يشاهدوا مثل هذه الحوادث عندما تعرض كمشاهد عامة في الأزمنة السابقة”.

يبدو أن هذه الجماعات المتوحشة التي تدعي انتسابها للإسلام تجهل أهمية الحياة الإنسانية اليومية، ولا تبدي أي احترام للحياة والكرامة الإنسانيتين، وذلك لا يمكنه أن يحدث إلا في مجتمعات لا تحترم المعايير الحقوقية والأخلاقية التي تتجمع حول الشعور بأن الحياة الإنسانية يجب احترامها. مجتمعات تفتقد المعنى الحديث لمبدأ الاحترام الذي يعطي مركزا واضحا للحرية وضبط النفس، ويعطي أولوية عالية لتجنب الآلام. ويعتبر النشاط المنتج والحياة الأسرية مركزيتين لحياتنا الجيدة.

ما يجعل الإنسان يستحق الاحترام هو مدى شعوره بمعاناة إنسانية، وقدرته على التمييز بين ما هو كريه يبعث على الاشمئزاز من عدم العدالة

إن ما يجعل الإنسان يستحق الاحترام هو مدى شعوره بمعاناة إنسانية، وقدرته على التمييز بين ما هو كريه يبعث على الاشمئزاز من عدم العدالة أو الهون الذي نحس به إزاء حقيقة الإنسان. إن الكائنات الإنسانية لها قدرة من نوع معين على الحياة العالية يؤلف جزءا من الخلفية لاعتقادنا بأنها كائنات يلائمها الاحترام، وأن حياتها وسلامتها مقدستان أو أنها تتمتع بالحصانة، فيمتنع التعدي عليها. وكنتيجة لذلك، يمكننا أن نرى مفهوما لما تكون هذه الحصانة الناشئة مع نشوء أطر جديدة. وهكذا، فإن حقيقة وضعنا مثل هذه الأهمية على القدرة التعبيرية معناه أن أفكارنا المعاصرة عما يعنيه احترام سلامة الناس تحتوي على حماية حريتهم التعبيرية في التعبير وفي تطوير آرائهم الخاصة، وتعريف مفاهيم حياتهم الخاصة، ورسم خطط حياتهم الخاصة.

إن الدعوة إلى مبدأ الاحترام الوضعي أصبحت ملحة وشائعة في مجتمعاتنا التي تقبع تحت نير النزاعات العرقية والثقافية والطائفية والسياسية، صحيح أن الفكر الغربي لا ينأى عن ربط مبدأ التسامح الوضعي بنشأة فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر، وبتشييد الحداثة المادية والفكرية، إذ يصبح من اليسير الإقرار بأن فكرة الحداثة قد انبثقت للمرة الأولى في أوروبا الغربية عن طريق ضرب فكرة التسامح كمثل لذلك.

فالمعركة التي خاضها فولتير من خلال رسالة في التسامح، وكتابات جماعة الموسوعيين كما يقول محمد أركون، “قد غيرت، بالفعل، من تلك النظرة الخاصة إلى الأديان بما فيها الدين المسيحي نفسه، بل وقد وصل الأمر بفلاسفة القرن الثامن عشر إلى حد استخدام الإسلام كمثال على التعصب وعدم التسامح (أنظر كتاب فولتير: التعصب أو محمد النبي).

وفي هذا الوقت الذي نشهد فيه صراعات أيديولوجية عنيفة بين الإسلام والغرب، نلاحظ أن جملة التصورات السلبية المشكلة عن الإسلام في القرن الثامن عشر قد نشطت من جديد الآن وأصبحت ملائمة جدا للمتخيل النضالي الغربي”.

رغم صعوبة تحقيق ما ندعو إليه على أرض الواقع، إذ يستحيل تشييد مبدأ الاحترام الوضعي في مجتمعات تعاني من أوضاعها الشاذة منذ القرن الثالث عشر، حيث بدأت عمليات فرز واسعة للجماعات العرقية – الثقافية وفقا للمعايير الطائفية واللغوية والثقافية، إلا أننا في أمسّ الحاجة لصياغة مبدأ الاحترام صياغة وضعية قانونية حتى لا نظل قابعين خارج دائرة الحداثة أبد الآبدين.

13