الاحتفاء الدولي بالقهوة العربية تثمين للقيم المتصلة بها

القهوة العربية، التي تستهلك من محيط العالم العربي إلى خليجه، تمثل لدى الذائقة العربية أكثر من مجرد مشروب ساخن بل تكتسب مكانة مميزة تبدأ من موادها الأولية وطرق إعدادها وصولا إلى مناسبات توزيعها، لتصبح بذلك مقترنة بجملة من القيم التي يحرص العربي على صونها والاحتفاء بها، ومن هنا جاء إدراج منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو لها ضمن قائمتها الخاصة بالتراث الثقافي غير المادي.
الاثنين 2015/11/30
أينما تحل الثقافة العربية تحل القهوة العربية بأدواتها ورونقها الأصيل

تونس - القهوة في الدول العربية تجاوزت المشروب اللذيذ الذي يقبل على شربه الناس ولعا بمذاقه المميز، بل أصبحت أحد رموز الثقافة العربية ودليل أصالتها، وهذا ما جعل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، تختار القهوة العربية لتدرجها في قائمتها الخاصة بالتراث الثقافي غير المادي، وارتكز هذا الاختيار تحديدا على ملف تحضير القهوة العربية الذي قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان ودولة قطر.

ولعل القسم المتعلق بالتراث هنا يهم طرق إعداد وتحضير القهوة العربية التقليدية بأوانيها القديمة التي يكاد بعضها يصبح تراثا متروكا بتوفر الأدوات الحديثة حتى في طرق الطبخ.

الأبعاد الثقافية للقهوة العربية مكثفة الدلالات والرمزية حسب المنطقة والمناسبة. ومنذ القدم يعتبر تقديم القهوة للزائر دليلا على كرم الضيافة عند العرب لأنها أول ما يقدم للضيف ترحيبا به، فالقهوة تقليد قديم عرف به عرب البادية وكانت رمزا للضيافة وافتتاحية المجالس ومن تقاليد تقديم القهوة أن تعطى أولا للضيف ثم للجالسين من على يمينه، كما أنه من العيب أن تقدم القهوة باليد اليسرى، إذ يتوجب تقديمها باليمنى وتناولها من قبل الضيف باليد اليمنى أيضا.

ومن عادات الضيافة المتوارثة في المجتمعات العربية وخاصة في دول الخليج العربي ألا يملأ فنجان القهوة إنما ربعه فقط، وعند الانتهاء من شرب القهوة يجب أن يهز الضيف الفنجان ليعلن عن اكتفائه وإلا سيعيد المضيف ملء فنجانه، كما يجب على الضيف أن يسلم الفنجان باليد بعد الانتهاء من شرب القهوة ولا يوضع أرضا تعبيرا عن الاحترام لمقدمها.

تقديم القهوة في منطقة الشام وفلسطين، إجابة بالموافقة على طلب الزائر خاصة عندما يتعلق الأمر بالتقدم لخطبة العروس

والقهوة مشروب التهنئة والاحتفال بالمناسبات السعيدة في العائلة وفي المناسبات الرسمية وغير الرسمية، حيث تقدم للمهنئين بالمولود الجديد وفي الأعراس والحفلات الأسرية بأنواعها كما تقدم في المناسبات الدينية خاصة في صباحات أيام الأعياد عند المعايدة، وهي أيضا الحاضر المبجل والأول على موائد الإفطار في شهر رمضان.

كما يعتبر تقديم القهوة في منطقة الشام وفلسطين إجابة بالموافقة على طلب الزائر خاصة عندما يتعلق الأمر بالتقدم لخطبة العروس، وفي المجتمعات التقليدية وعند البدو قديما ولدى بعض القبائل التي مازالت تحافظ على عاداتها وتقاليدها إلى اليوم، تعقد مجالس خاصة لاحتساء القهوة في شكل سهرات للسمر وتبادل الأحاديث والنقاش وتسمّى هذه المجالس “الشبة” أو “القهوة” أو “الديوانية”.

وفي سوريا قديما لم تكن هذه السهرات حكرا على الرجال بل أن النساء أيضا تجتمعن في المساء لاحتساء القهوة وينظمن المجالس بشكل دوري، فلكل ربة بيت ليلتها التي تستضيف فيها جاراتها وصديقاتها من الحارة، وهذه العادة نجدها اليوم في المدن التونسية حيث تسمّى “قعدة العشوية” أي جلسة المساء، حيث تجتمع نساء الحي وتشتركن في شرب فنجان القهوة للاستمتاع وقضاء أوقات فراغهن.

رائحة القهوة العربية وتبادل أطراف الحديث هي النقطة المشتركة بين مختلف الجلسات التي تكون فيها القهوة حاضرة في فناجين صغيرة الحجم مخصصة لها. وغالبا ما تقدم القهوة مصحوبة بأطباق من الحلويات خاصة في مجالس السمر وفي المناسبات الرسمية وغير الرسمية ذات السمة الاحتفالية. وترمز القهوة أيضا إلى التضامن والمواساة ولتقاسم مشاعر الحزن مع الأحباب والأقارب والجيران والأصدقاء خاصة إذا تناولها الزائر في مجالس العزاء، حيث يقدمها أهل المتوفى أيضا ليرحبوا بضيوفهم ويشكروهم على تقاسم مشاعر الحزن.

دلالات القهوة تختلف باختلاف مناسبات توزيعها

هذه الأدوار الرمزية للقهوة عند العرب رافقتهم منذ عقود وهي وليدة الحياة البدوية ورفيقة القبائل في حلهم وترحالهم وفي خيامهم وبيوت الشعر، حيث كانت تطبخ على مواقد الحطب ذات الحرارة المعتدلة التي تسمح بطبخ القهوة على مهل للحصول على مذاق طيّب والاستمتاع برواج رائحتها في المكان. ولتحضير القهوة بالطرق التقليدية مراحل متتابعة بشكل منظم ولها أيضا أدواتها الخاصة والتي إن اختلفت تسمياتها بين دول الشرق الأوسط ودول الخليج ودول المغرب العربي، إلا أنها تتشابه في الشكل والوظيفة.

وتنطلق عملية تحضير القهوة عبر اختيار النوع المفضل من بذور البن واختيار ما سيضاف لها من بذور البهارات المرافقة لها التي تختلف حسب الدول العربية وحسب الذائقة العامة وبعد تحميص أو تقلية هذه البذور يتم طحنها لتصبح مثل الدقيق الرطب وبعدها يتم طبخها. وللطبخ كذلك طرق عديدة، كلّ حسب ذوقه، لكن عشاق القهوة العربية يجمعون على أن الطبخ يجب أن يكون على نار هادئة وإن بات طبخها اليوم في أغلب المنازل العربية على آلات الطبخ العصرية خلافا لما كان قديما على مواقد النار بالحطب أو على الجمر.

ولكل دولة من الدول العربية أدواتها القديمة التي كانت تستخدم لتحضير القهوة العربية، ففي الأردن تستخدم أدوات مثل “المحماسة” التي كانت تستخدم لتحميص القهوة، و”البشعة” لتحريكها وهي على النار مرفوعة على ثلاثة أحجار تسمّى “لدايا” وتكون على شكل مثلث. والوعاء الخشبي المجوف الذي يتم فيه تبريد القهوة المحمصة ومن ثم توضع في “المهباش” أو “النجر” المصنوع من خشب البطم تمهيدا لدقها على وقع أنغام تراثية ثم توضع في “الدلة” وهي مصنوعة من النحاس الأبيض ليتم غليها على النار.

أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فاستخدمت قديما عدة أدوات لإعداد هذا المشروب ومنها “التاوة” المصنوعة من الحديد والتي تستخدم لتحميص حبات البن، والتاوة نوعان منها الكبير والعميق، ولأن التحميص يحتاج إلى تقليب حبات البن تم صنع “المحماس” وهو عبارة عن قطعة طويلة من الحديد أو النحاس، صنعت لتقليب القهوة وتحميصها كما يمكن استخدامها في رفع الخبز عن التاوة.

وتجدر الإشارة إلى أن القهوة العربية التي حافظت على أصالتها في أغلب الدول العربية مازالت تحظى بأهمية كبرى لدى العائلات العربية ولم يتم الاستغناء عنها في حياتهم اليومية ولا في المناسبات الرسمية وغير الرسمية، وهي تحظى بإقبال الشباب وصغار السن كما الكبار وتستهويهم بمذاقها المختلف عن مستحضرات القهوة العصرية سريعة التحضير.

12