الاحتقان الطائفي سلاح سلفيي مصر لمواجهة التهميش السياسي

تكرار التعامل مع الاحتقان الطائفي بطريقة تطييب الخواطر لم يعد مجديا.
الأحد 2018/09/09
يد الإرهاب لا تفرق بين مسلم ومسيحي

القاهرة - يستعد بيت العائلة المصري، لعقد جلسة صلح بين مسلمين وأقباط، لوأد فتنة طائفية بإحدى قرى محافظة المنيا (جنوب مصر)، بعد اعتداء متشددين على منازل أقباط مؤخرا، بذريعة قيام أسرة بتحويل منزلها إلى كنيسة دون ترخيص، وهي أزمة متكررة تخفق الحكومة في حلها مرارا.

ووجدت الأزمة أصداء سلبية لدى بعض الأقباط، وطالبوا الحكومة بالتعامل مع المتسببين فيها بطريقة أكثر حسما لردع من يرتكبون جرائم يمكن أن تشعل فتنا طائفية جديدة. وحملت زيارة الأنبا موسى، أسقف عام الشباب بالكنيسة المصرية، إلى المنيامؤخرا، بوادر إنهاء الأزمة بشكل ودي، في محاولة لإعادة الهدوء والحيلولة دون وقوع صدامات جديدة قد ينتج عنها سقوط ضحايا، بعد تجديد حبس 19 مسلما لمدة 15 يوما.

ويحمل توقيت الفتن الطائفية بمصر دلالات سياسية لضرب العلاقة بين الحكومة والأقباط كلما كان هناك حدث يعكس تقارب الطرفين معا، حيث جاءت الواقعة بعد أيام من اختيار قبطيين ضمن المحافظين الجدد، ما أحدث صدمة لدى التيار السلفي الذي تتزايد ملامح تهميشه سياسيا.

ويقول البعض من المراقبين أن هذه الفتنة حدثت في وقت تعاني فيه الكنيسة المصرية من مشكلات داخلية، عقب مصرع أحد الرهبان واتخاذ حزمة من القرارات لتقنين أوضاع الرهبنة، ما يمنح التيار المتطرف في الكنيسة فرصة للنفخ في أزمة المنيا، ومحاولة اتخاذها مطية لتصفية حسابات كنسية أيضا.

وأخذ الخلاف بعدا سياسيا يرتبط بعلاقة الأقباط القوية بالنظام الحاكم في مصر، وأنه يوسع نفوذهم نكاية في تيار الإسلام السياسي، ويحافظ على ولاء كتلة مسيحية كبيرة في مصر تصل إلى نحو 10 بالمئة من تعداد السكان، في الوقت الذي يروج فيه إلى تراجع شعبية الرئيس عبدالفتاح السيسي وسط المصريين عموما، بسبب حدة الأزمات الاقتصادية.

وتنظر قوى في المعارضة إلى حوادث الاحتقان الطائفي على أنها ورقة رابحة يمكن من خلالها الضغط على الحكومة للتوقف عن خنق السلفيين سياسيا، للظهور أمام الأقباط أنها الجهة السياسية القادرة على حمايتهم، وأنهم يمثلون ركنا مهما في القاعدة الشعبية التي يواجه بها النظام خصومه السياسيين.

ويقول هؤلاء إن استمرار الضغط على الحكومة عبر تكدير حياة الأقباط، قد يجعلها تعيد حساباتها وتتعامل بقدر من التوازن بين المكاسب الممنوحة للمسيحيين وتقليص نفوذ السلفيين. ويرى خبراء أمنيون أن استمرار العنف الطائفي وما يحمله من إرهاب فكري، يؤكد أن معركة الحكومة مع المتطرفين مستمرة.

Thumbnail

وقال اللواء محمد نورالدين، مساعد وزير الداخلية الأسبق لـ”العرب”، إن العنف الطائفي سلاح المتشددين لتقويض النظام السياسي، بعيدا عن استنزاف طاقاتهم والدخول في مواجهات أمنية غير متكافئة، ما يشكل تحديا للحكومة التي تعتبر القضاء على الإرهاب في سيناء مدخلا لإعادة الاستقرار في باقي المحافظات.

وأضاف لـ“العرب”، أن تكدير حياة الأقباط يبدو الحلقة الأكثر سهولة عند تيار المتطرفين لضرب التماسك المجتمعي، وزيادة حدة الغضب على النظام، ومساومته على منحهم جزءا من الكعكة السياسية مقابل الكف عن أفعالهم، وهو ما لا يمكن قبوله لأن هذا الفعل تصنفه الحكومة عملا من أعمال الإرهاب.

وكشف التعاطي الحكومي مع حادث المنيا الأخير وما سبقه من وقائع مماثلة، أن النظام ما زال يتمسك بتأجيل المعركة مع السلفيين لإدراكه خطورة الخطوة بالتزامن مع الحرب الدائرة في سيناء ضد الإرهاب، وإمكانية أن يتسبب ذلك في فتح أكثر من جبهة مع تعدد بؤر التوتر.

ويظل استهداف الأقباط على أيدي متشددين أحد أهداف التنظيمات الإرهابية  التي اعتادت توجيه ضربات إلى الأقباط بالقتل والتهجير من المنازل، وهي استراتيجية تقوم على محاربة النظام بتكاليف أقل.

وأكد معارضون لما يسمى بـ“التراخي الحكومي” أن تكرار التعامل مع الاحتقان الطائفي بطريقة تطييب الخواطر لم يعد مجديا، وأوحى للسلفيين بأن هناك رغبة حكومية في عدم الصدام معهم، ما أعطاهم الضوء الأخضر لتكرار العنف الطائفي دون محاكمة أيّ منهم، حيث ينتهي الأمر في كل مرة بالتصالح”.

وأشار كمال زاخر، الخبير في شؤون الأقباط، إلى أن الحكومة مطالبة بالتعاطي مع حوادث الاحتقان الطائفي بنفس تعاملها مع ظاهرة الإرهاب، وإصلاح الخلل الأمني والتصدي للتمدد الديني وتقليص دور جلسات الصلح العرفية التي تبدو أحيانا كأنها تستر على مجرمين، إذ أن تبرئتهم في كل مرة تمنح المتشددين حصانة سياسية وأمنية تدفعهم إلى تكرار أفعالهم.

وأضاف لـ“العرب” أن “مساعي تقويض النظام ومحاصرته بأزمات طائفية، لتحويل الاحتقان الطائفي إلى احتقان سياسي بين الحكومة والأقباط، وهو هدف سهل لا يستدعي حمل السلاح، ووصفه بـ“نوع جديد من الإرهاب تستخدمه عناصر الإسلام السياسي بشكل لا يضعها في مواجهة مع الأمن”.

2