الاحتكام للتوافق مدخل فتح لتفادي الصراع المسلح

فرص التشاؤم تتزايد داخل فتح كأكبر فصيل فلسطيني، مع ارتفاع وتيرة الخلافات الناجمة عن الطريقة التي يدير بها الرئيس أبومازن السلطة والحركة والعلاقات مع القوى الفلسطينية وأدت إلى تصاعد الانشقاقات.
الأحد 2018/08/26
تمسك بالأخطاء بدلا من تصحيحها

عندما أعلن عن اتفاق حركتي حماس وفتح على اللقاء في القاهرة ومحاولة التوافق لطي صفحة الانقسام الداخلي الفلسطيني وأزماته السياسية، استبشر المتابعون واعتبروا أن الخطوة تحرك واقعي وقطع مع العقليات القديمة التي أدخلت القضية في متاهات كثيرة. لكن، تبيّن أن هذه المتاهات، التي رسمها السياسيون الفلسطينيون بأنفسهم، شديدة التعقيد بحيث يصعب الخروج منها بسهولة، ضمن وضع يزداد صعوبة في ظل انقسامات داخلية-داخلية، فالأمر لا يتوقف عند الخلافات بين فتح وحماس، بل أيضا في صلب كل حركة على حدة، على غرار ما تشهده فتح، خصوصا في ظل ما يتردد من أخبار حول صحة الرئيس محمود عباس وخلافته على رأس حركة التحرير الوطني الفلسطيني التي تأسست سنة 1959 وفقدت منذ زمن الكثير من هيبتها وخصوصيتها وريادتها في قيادة النضال الفلسطيني.

القاهرة - نكأت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، أحد الجروح العميقة التي يتعمد كثيرون التغاضي عنها، ويتعلق باحتمال احتكام عدد من قيادات حركة فتح إلى السلاح لحسم عملية من يخلف الرئيس محمود عباس (أبومازن) في قيادة السلطة الفلسطينية، لأن الترتيبات التي وضعها حافظت على قدر من توازنات القوى، كي لا يسمح لطرف بادعاء هيمنته على الحركة.

أحدثت المعلومات التي روجت لها، الخميس، ثلاثة مواقع إلكترونية إسرائيلية، هي: واي نت التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، والقناة التلفزيونية الرسمية كان، والقناة العاشرة، الكثير من ردود الأفعال على الساحة الفلسطينية، مستفيدة من الغموض الذي يعتري الموقف حول خلافة أبومازن، وهو ما دفع البعض من القادة النافذين في فتح إلى تكديس السلاح لحسم الأمر عن طريقه إذا اقتضت الضرورة.

بعيدا عن مدى دقة المعلومات، والأهداف التي تنطوي عليها، وكلها تصب في صالح الاحتلال الإسرائيلي، فإن الأجواء العامة ساهمت بدور كبير في إضفاء قدر من المصداقية عليها، ما أثار لغطا مضاعفا على المشهد الفلسطيني.

لم يقدّم من وردت أسماؤهم، كأطراف أساسية في الصراع المحتمل، أدلة كافية على عدم حدوثه مستقبلا، وهم: محمود العلول نائب رئيس فتح، وجبريل الرجوب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، وماجد فرج رئيس جهاز الاستخبارات الفلسطينية، وتوفيق الطيراوي رئيس الاستخبارات في الضفة الغربية أثناء الانتفاضة الثانية.

منح الصمت الذي ظهر على هؤلاء فرصة لكثير من الدوائر السياسية المناهضة للتشفي في فتح التي بدت تسير بمفردها بعد احتدام التراشقات بينها وبين حماس وفصائل أخرى حول التهدئة مع إسرائيل، والتي كانت عرضة لمرض مستعص اسمه التشبث بالقيادة واحتكار التفاوض، دون اكتراث بالأهمية التي تحملها مسألة المصالحة الوطنية أو اللجوء إلى خيارات عملية لمعرفة الأوزان الحقيقية للفصائل الفلسطينية.

لم تعد الإشارة إلى الرغبة الإسرائيلية في تكريس الانقسام بحاجة إلى تحريض جديد، فالواقع حافل بالمواقف والأحداث التي تؤكد أن التشرذم تصاعد بصورة مخيفة، وبلغ درجة يصعب التوقع معها حدوث توافق على الحدّ الأدنى من الثوابت الفلسطينية، الأمر الذي أعاق الوصول إلى تفاهمات وطنية على مدار ثلاثة عشر عاما.

مرحلة جديدة

يستند الكلام عن مرحلة جديدة من الاقتتال الأهلي على ميراث طويل من العنف جرى بين فصائل فلسطينية مختلفة، في مقدمتها حركة فتح، وشهدت أشد فصوله دموية خلال عقود ماضية ساحات عربية كثيرة، مثل الأردن وسوريا ولبنان، لكن ملامحه تراجعت عندما تمكّن الرئيس الراحل ياسر عرفات من ضبط إيقاع غالبية الفصائل، بالترغيب والترهيب، بل بدأ في مرحلة تالية يستثمرها أحيانا للضغط على العدو الإسرائيلي.

تتزايد فرص التشاؤم حاليا داخل فتح، كأكبر فصيل فلسطيني، مع ارتفاع وتيرة الخلافات الناجمة عن الطريقة التي يدير بها الرئيس أبومازن السلطة والحركة والعلاقات مع القوى الفلسطينية، وأدت إلى تصاعد الانشقاقات، ناهيك عن إدخال تعديلات على هياكل فتح أتاحت للبعض الترقي، ولآخرين الفصل، مع ترك الحال بالنسبة للسلطة الوطنية مجهولا.

ووصفت مصادر سياسية على علاقة وثيقة بالملف الفلسطيني، موقف أبومازن الغامض بـ”الغريب”، لأنه يستطيع حسم الكثير من الأمور في حياته، وترتيب البيت الفتحاوي بطريقة سليمة ونزيهة، على الأقل تخفف من حدة الأزمات المنتظر أن تنشب عقب خروجه من المشهد السياسي، لكنه آثر ترك عدد كبير من القضايا مفتوحا، ليس لعدم رغبته في الحسم، لكن لخشيته حدوث المزيد من الانفجار داخل الحركة في عهده، فهو يريد أن يذكره التاريخ بالطريقة التقليدية، طريقة القابض على الجمر.

أوضحت المصادر لـ”العرب” أن الرئيس الفلسطيني سيكون قد ارتكب خطأ تاريخيا بعدم ترتيب الأوضاع في حياته، لأنه ترك أغلبها مبهما يمكن أن يفضي إلى اقتتال فعلا، في ظل الحصول على السلاح بسهولة في الضفة الغربية، ربما تفوق ما تحصل عليه حماس في غزة.

كان الرئيس عرفات ردّ ذات مرة على الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، عندما طالب الأخير مصر بمنحه قطعة أرض في شمال سيناء لمحاربة إسرائيل، بسخريته المعهودة “امنحوا الفلسطينيين الأموال وهم يشترون السلاح من الإسرائيليين أنفسهم”، أي لا تقتربوا من الشؤون الفلسطينية الداخلية كي لا تحرقكم.

استمعت “العرب” مؤخرا من مروان كنفاني، المستشار السياسي للرئيس عرفات، قصصا كثيرة جميعها تؤكد تكرار تهريب السلاح من الضفة الغربية إلى غزة أو العكس، بمعرفة ضباط في جيش الاحتلال الإسرائيلي، مقابل رشاوى مالية كبيرة، من خلال طريقة تُعرف بتأجير “السلك الشائك” الذي يفصل بين الضفة والقطاع، لمدة نصف ساعة فقط، لتهريب شحنات من الأسلحة.

تؤكد هذه المعطيات أن الحصول على السلاح عملية ليست مرهقة بالنسبة للفلسطينيين، وإسرائيل نفسها تغض الطرف عن بعض العمليات، لأنها تستطيع ضبطها لو أرادت، والتعاون الأمني بينها وبين السلطة الفلسطينية يسير بوتيرة جيدة، ما يجعلها تعلم من يسلح من ومتى ولماذا.

 أزمات داخلية تزيد من تعقيدات المشهد
 أزمات داخلية تزيد من تعقيدات المشهد

كما أنها تريد أن يكون السلاح الخفيف متوافرا في أيدي الفلسطينيين، لتبرر للعالم عملياتها الإجرامية المتكررة ضدهم في الأراضي المحتلة، والأهم أنها تقدم تفسيرا لكثافة السلاح لدى المستوطنين والترويج لمزاعم “الدفاع عن النفس”.

استفادت إسرائيل من تجربة حماس في غزة، والطرق التي تحصل من خلالها على السلاح، وتستمتع بتخزينه، وتطرب لاستعماله أحيانا وتوجيهه ضد المستوطنات، وإذا أرادت وقف تدفقه لفعلت، فهي تعلم جيدا خارطة الأنفاق قبل الانتهاء من حفرها، لكنها تجارة سياسية وأمنية لا تريد لها التوقف، طالما بقيت تحت بصرها وسيطرتها.

لذلك فالحديث عن وجود كميات كبيرة من الأسلحة مع جماعات فلسطينية تشرف عليها قيادات فتحاوية لحسم المعركة السياسية، يمكن تفهم دوافعه وأبعاده وأهدافه من الناحية الإسرائيلية.

يرمي هذا الحديث إلى المزيد من التحريض بين القوى الفلسطينية، لكنه أيضا يدين قوات الاحتلال أمام العالم، ويشي بأنها غير قادرة على ضبط الأوضاع والقوة المفرطة التي تستخدمها منذ عقود طويلة لن تنجيها من غضبة الشعب الفلسطيني، ما يفرض عليها الرضوخ لنداء التسوية السياسية التي توفر حدا جيدا لدولة فلسطينية قابلة للحياة.

ولم تستبعد مصادر فلسطينية ارتكان بعض قيادات فتح لتخزين السلاح، ليس من قبيل استخدامه مباشرة لحسم مواقف مستقبلا، لكنه على سبيل الردع، بمعنى منع قيادات سياسية غائبة منذ فترة عن المشهد العام في الأراضي الفلسطينية للقفز على المنصب الكبير فجأة.

تدرك هذه القيادات أن توجيه السلاح إلى صدور الفلسطينيين أمنية إسرائيلية غالية تحض عليها منذ زمن ليتكفل هؤلاء بتصفية قضيتهم بأيديهم دون حاجة لممارسات عنيفة من قوات الاحتلال ومراقبة تخزين السلاح بكميات وفيرة، وفقا للرواية الإسرائيلية، فاللجوء إلى استخدامه في لحظة معينة يمكن أن يساهم في زيادة المآسي الفلسطينية.

ويرى البعض من المراقبين أن هناك قيادات فتحاوية مهمومة بتحقيق مكاسب سياسية أكثر من اهتمامها بنصرة القضية الفلسطينية، والدليل الإخفاقات المتتالية التي تتعرض لها، وعدم الرغبة في تقديم تنازلات لحلحلة الموقف في أي من الملفات المطروحة، وتعمد الزج بقيادات فتحاوية لتفجير ما تم التوصل إليه من بوادر تفاهم سياسي، كي يصبح الخلاف مستمرا، فقد تحول إلى هدف لدى القوى التي عجزت عن التصالح.

السيناريو الليبي

عبر مروان كنفاني لـ”العرب”، عن تخوفه من تحول الساحة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى ساحة للاقتتال الأهلي على غرار ليبيا، تمرح فيها الميليشيات المسلحة التابعة لفصائل مختلفة، بعضها له انتماءات وطنية وأغلبها له ولاءات خارجية، يومها سوف يتم نعي القضية الفلسطينية رسميا.

وتتحسب مصر من هذا النوع من السيناريوهات الغامضة. وتنوي العمل خلال جولة المفاوضات المقبلة، والتي من المرجح أن تبدأ قريبا، على الدفع باتجاه التوافق الفلسطيني من دون تسويف سياسي، والتحذير من مغبة استمرار الانقسام، الذي يمنح بعض الأطراف الإقليمية الفرصة لتدخلات تحصر القضية الفلسطينية في الشق الإنساني وتتجاهل الأبعاد السياسية والأمنية.

واستبعدت المصادر الفلسطينية تكرار سيناريو غزة في الضفة الغربية، أي حسم السيطرة بالسلاح، لأن المقارنة بعيدة، من حيث رغبة إسرائيل الحقيقية في التخلص من عبء غزة، وفتح لا تنازعها قوى منافسة في الضفة، كما أن قوات الاحتلال قد تقبل الخلاف والاقتتال، لكنها لن تسمح لمناطق كثيرة في الضفة قريبة من المستوطنات لتتحول إلى ساحة حرب من قبل قيادات فتحاوية، فإسرائيل تملك من المفاتيح ما يمكنها من السيطرة على الأوضاع ومنع انفلاتها.

4