الاحتواء الأسري علاج للمثلية في مصر

"المضطرب جنسيا" مؤهل ليكون سويا شرط الاقتناع بأنه ليس مذنبا.
الخميس 2020/12/10
تعاطي الأسر مع المثلية على أنها عار يقلص فرص تعديل سلوك أبنائها

مثّل إنشاء مدرسة متخصصة في تعديل سلوك المثليين خطوة جريئة للتعامل مع تنامي هذه الظاهرة في المجتمع المصري من جهة، واعترافا بأن الاحتواء الأسري خطوة مهمة نحو العلاج من جهة ثانية، خصوصا وأن البعض من الأسر تبادر إلى إنكار إصابة أحد أبنائها بالمثلية ولا تعطي لنفسها فرصة الاستماع إليه. ويدعو المختصون العائلة إلى أن تكف عن وصم المثلي بتوصيفات مؤذية وتمنحه الفرصة ليكون إنسانا طبيعيا.

القاهرة – أكد فتح أول مؤسسة تعليمية مصرية للتعافي من المثلية الجنسية حقيقة أن الاحتواء الأسري يمثل بداية العلاج، وأن استمرار التعاطي مع الأزمة بالوصمة والعار والأذى النفسي والجسدي لن يثمر أي شيء.

وقال مؤسسوها من رابطة التابعين للكنيسة الإنجيلية، إن حضانة الأسرة للابن مثلي الجنسية تقتصر على طرق العلاج، والأهم أن تكفّ العائلة عن وصمه بتوصيفات مؤذية، ومنحه الفرصة ليكون إنسانا طبيعيا.

وتبادر البعض من الأسر إلى إنكار إصابة أحد الأبناء بالمثلية ولا تعطي لنفسها فرصة الاستماع إليه، أو التعبير عما بداخله من أذى نفسي وصراع مع الذات، فيضطر إلى إظهار التعامل بشكل طبيعي لتجنب الفضيحة الأسرية، ليعيش بعدها حياة سرّية بائسة لأنه لم يجد من أقرب الناس إليه محاولة لدعمه.

ويعد إنشاء مدرسة متخصصة في صورة مؤسسة مهتمة بالتعافي من المثلية خطوة جريئة، وتعكس تنامي الظاهرة في المجتمع، لكن تبدو في مضمونها بديلة عن غياب الحضانة الأسرية للأبناء الذين يعانون من هذا المرض، باعتبار أن التعافي محطته الأولى وذلك بتقبل الآباء والأمهات والإخوة لعنصر الأسرة المصاب بالمثلية.

وقال القس طوني جورج، مؤسس خدمة “تي سي” التابعة لرابطة الإنجيليين في مصر والشرق الأوسط، إنه لا يمكن تقبل الناس للمصابين بالمثلية قبل الدعم الأسري لهم، ويصعب تحقيق خطوات فعالة في مشوار العلاج دون أن يكون ذلك مرفوقا بمبادرة للتعامل مع الابن باعتباره ضحية لاضطرابات لا دخل له فيها.

نسبة المتعافين من الاضطرابات الجنسية تزداد كلما كانت قوتهم وشجاعتهم مستمدتين من الأسرة باعتبارها مصدر قوة

وأضاف صاحب فكرة إنشاء أول مدرسة علاجية من المثلية لـ”العرب”، أن أغلب الأسر مازالت تتعامل مع الأبناء المصابين بالمثلية وكأنهم ارتكبوا جريمة في حق العائلة، لكن لو جرى تغيير النظرة والتفكير في أن المرض نفسي بالأساس، ويمكن علاجه بالجرأة والشجاعة على المواجهة والاعتراف.

ومازالت البعض من الأسر تضع التطرق إلى الجنس عموما في مرتبة المحظورات، وتحرّم على الأبناء مناقشته، حتى صار كل عضو داخل العائلة منعزلا عن الآخر، يواجه مصيره بنفسه، ومهما كان يعاني من اضطرابات أو أزمات جنسية يُحظر عليه البوح بها وإلا ارتكب جريمة ترتقي إلى الفضيحة والعار ويستحق عقوبة تصل حد القطيعة.

وحسب القس طوني، فإن المصابين بالمثلية الجنسية هم ثلاث فئات، الأولى تضم الأبناء الذين تعرضوا إلى هذا الابتلاء الجسدي لكنهم يرفضون الاستسلام إليه ويتمسكون بعدم الوقوع في الخطيئة أو إقامة علاقة محرمة. والثانية تتألف من الذين أصيبوا بالمرض ولم يجدوا المساعدة وارتكبوا ممارسات لكنهم يرفضونها ولا يريدون الاستمرار على نفس الحالة، وهناك فئة ثالثة يتألف عناصرها من أفراد عاديين لكنهم يميلون إلى تجريب المثلية، رغم أنهم ليسوا مرضى.

طوني جورج: الأسرة عليها التعامل مع الابن المثلي باعتباره ضحية
طوني جورج: الأسرة عليها التعامل مع الابن المثلي باعتباره ضحية

وأوضح أن أزمة الأسر العربية أنها تبادر إلى محاكمة الفئات الثلاث دون البحث في الخلفيات والبدء في اكتشاف الحلول بشكل علمي وعقلاني متحضر، وتكون النتيجة بقاء الوضع دون تغيير، فلا يُشفى المصاب ولا تكف الأسرة والمحيطون به عن الأذى.

وأشار إلى عدم وجود معلومات موثقة حول مدى انتشار الظاهرة في مصر، لكنه ألمح إلى أن هناك شريحة صغيرة الآن ما لم يتم علاجها مبكرا يمكن أن تمثل خطرا.

وعلميا يحتاج المصاب بالمثلية إلى من يحتضنه ويستمع إليه ليخرج ما بداخله من أسرار ومشاعر متناقضة تجعله طوال الوقت يشعر بالتعذيب.

وهو ما يرد عليه طوني بالقول إن “العلاج الحقيقي للمثلية يبدأ بفضفضة المصاب، لأن البوح بالمرض نصف المشوار، والخطوة الثانية تكون بتعريفه بالتصرفات والسمات التي تناسب جنسه، كأنه يعرف مقاييس الرجولة ويقرأ دراسات عن الفارق بين "المضطرب جنسيا" والشخص السليم، ثم دورات تثقيفية بسيطة لاسترداد الثقة”.

ويمكن علاج  أغلب مصابي الاضطرابات الجنسية بسهولة، شريطة الشعور بتقبل أسرهم لهم، لأن عكس ذلك قد يدفعهم إلى مناقشة أزماتهم خلف جدران مغلقة، أو الذهاب سرا إلى الأطباء، والشاب الذي وجد من عائلته دعما استثنائيا تبدو معدلات الشفاء لديه أعلى من غيره.

وتبقى معضلة الكثير من الأسر أنها أسست تعاملها العنيف تجاه الأبناء المصابين بالمثلية، على آراء دينية تصور هذه الفئة بأنها وباء يجب التخلص منه سريعا، حتى المؤسسات الرسمية يصف بعضها هؤلاء بالمجرمين، وتخلو سجلات فتاواها من حتمية الاحتواء والدعم والعقلانية والتماس الأعذار لهذه الفئة.

ويتمسك الأزهر بأن المثلية جريمة أخلاقية ترقى إلى الإرهاب، ما يثير تساؤلات حول كيف لأسرة متدينة ولديها ابن مصاب باضطرابات في الهوية الجنسية أن تتعامل معه وهو متهم بالإرهاب، وبأي صورة يغلفها المجتمع عنه وهو مدان بارتكاب جريمة.

ولأن منسوب الأمية مرتفع في مصر، فإن أغلب الأهالي ينظرون إلى المثلي على أنه شاذ أو يستهويه التحول إلى جنس آخر، ويقيم علاقات محرمة، وهو اعتقاد خاطئ يزيد العبء النفسي على الابن، لأنه غالبا ما يكون بحاجة إلى العلاج ويتشوق لمن يساعده ويحميه من التنمر والإقصاء لتكون لديه جرأة الانتصار على صراعاته الذاتية.

وأكد محمد هشام، المتخصص في الطب النفسي، أن نسبة المتعافين من الاضطرابات الجنسية تزداد كلما كانت قوتهم وشجاعتهم مستمدتين من الأسرة باعتبارها السند ومصدر القوة، بعكس الذين تخلت عنهم أسرهم، فهذه الفئة تكتسب الطمأنينة والراحة النفسية من أقرب الناس إليها، وإن تحرك الشاب وحده في مشوار العلاج دون داعم أسري، قد لا يعود إلى طبيعته.

وأضاف لـ”العرب”، أن استمرار ثقافة العيب في كل كبيرة وصغيرة أسهم في تغييب العناصر التي كانت مصابة باضطرابات وتم شفاؤها لأنها تخشى الإعلان عن نفسها وتاريخها، رغم أن هذه العناصر هي أمل الراغبين في العودة إلى طبيعتهم، فالأسرة التي تتجرأ وتسير مع ابنها في مشوار العلاج يصعب أن تبادر إلى تقديمه كقدوة لغيره من الباحثين عن سلامة الهوية الجنسية.

الأزهر يتمسك بأن المثلية جريمة أخلاقية ترقى إلى الإرهاب، ما يثير تساؤلات حول كيف لأسرة متدينة ولديها ابن مصاب باضطرابات في الهوية الجنسية أن تتعامل معه وهو متهم بالإرهاب

وهناك آباء يدفعون أولادهم إلى الإصابة باضطرابات جنسية لأنهم يتمسكون بأسلوب رجعي في التربية، كأن يكون العقاب بالضرب والأذى النفسي والتنمر والسخرية من تصرفاتهم، ما يدفع الابن إلى التوحد مع الجنس الآخر، فإذا كان ولدا يمكن بسهولة أن يتوحد مع الأنثى باعتبارها رمزا للعاطفة والحنان، ومع الوقت يصاب بالمثلية.

وقال القس جورج لـ”العرب”، “لن تتغير نظرة الأسرة للابن "المضطرب جنسيا"، قبل أن تكون لدى الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والفكرية الجرأة لمناقشة المشكلة من منظور نفسي بحت وكسر ثقافة العيب، فأغلب المثليين كارهون لوضعياتهم وليسوا سعداء بأنفسهم كما يعتقد المجتمع والأهل”.

وأوضح أن وضعهم على الطريق الصحيح يتطلب ردود فعل متحضرة من جانب المقرّبين، لأن التخلي عنهم وعدم منحهم الحد الأدنى من الحياة الطبيعية ربما يسهمان في تغييب البديل بالنسبة إليهم عن التعايش مع الجنس الذي سيطر عليهم.

21