الاختبار الأخير للفصائل الفلسطينية

من يريد أن يشارك في الحكم أو يندمج في النظام السياسي الفلسطيني، يتعين عليه تنقيح خطابه السياسي، ثم هو حرٌ في اختيار ثقافته في داخل حزبه.
الثلاثاء 2021/02/09
لا أفق سياسي مفتوح

تلتقي الفصائل الفلسطينية في القاهرة لمناقشة عدد كبير ومتنوع من الملفات، يشمل أسس إعادة بناء النظام السياسي والمسائل الإجرائية للانتخابات. يأتي ذلك كلّه بينما الفلسطينيون ليسوا في حال من التفاؤل بنجاح هذه المباحثات، بالنظر إلى الكثير من الإحباطات الناشئة عن تردي حياتهم المعيشية والسياسية، فضلا عن بعض التصريحات والاشتراطات التي سُمعت من قبل معارضي الرئيس الفلسطيني.

وتُستعاد خلال اجتماعات القاهرة، من بين ما يُستعاد، موضوعات ما يسمى بـ”الحوارات” السابقة التي جرت وانتهت إلى اتفاقات عدة، لم تُنفذ. غير أن ما يُحفّز جميع الفصائل، هذه المرة، على تفادي الفشل، أن العناوين الحاضرة في القاهرة، باتت محشورة بين خيارين: إما النجاح الذي يعصم من الزلل، ويمكّن المجتمعين من العبور إلى مرحلة جديدة، وإما الفشل الذي سيرسم خاتمة المراحل الصعبة، ويذهب بالفلسطينيين جميعا إلى فقدان مزدوج للذات الكُليّة، ينفي حضورها على صعيدي البُعد الاجتماعي للعمل الوطني، استقطابا وتأطيرا، والبُعد النضالي الذي يطمحون إليه.

ففي الأسبوع الأخير المنتهي يوم الجمعة، كان فلسطينيو غزة على موعد مع التأسي الثقيل والمُضني، بسبب ما جرى للمسافرين العائدين من مصر، وكانوا عالقين فيها، أثناء فترة إغلاق معبر رفح، التي امتدت لأكثر من ثلاثة أشهر. فقد استغرقت الرحلة التي قطعوها من قناة السويس إلى معبر رفح، أربعة أيام في مناخ شتوي وماطر، بينما المسافة لا تزيد عن 250 كيلومترا يُفترض أن تقطعها السيارات في أقل من ثلاث ساعات، وهذا ما يحدث مع سائر المسافرين إلى رفح المصرية. فقد تعرضت الفصائل للسخرية والنقد المرير، بسبب هذه المعاناة، لا سيما وأن وفود الفصائل، في ذهابها ومجيئها، من غزة وإليها، لا يستغرق سوى عدة ساعات، بحكم ما تحظى به من تسهيلات.

وينطلق فلسطينيو غزة في نقدهم وسخريتهم، من وقائع الانقسام ومحفوظات اللعلعة التي يسمعونها من فصائلهم ليل نهار، بينما الإنسان الفلسطيني يُهان ويشقى دون ذنب.

 ربما يكون عنوان المصاعب الكبرى التي تواجه المجتمعين، أن رجلا واحدا لا يزال هو الذي يمتلك الإجابات عن أسئلة المرحلة ومتطلباتها، بقطع النظر عن اشتراطات الطرف الآخر الحمساوي في غزة، قبل أن تبدأ العملية الانتخابية. فرئيس السلطة، هو الذي يأذن أو لا يأذن، بتمرير ما يتم الاتفاق عليه، وهو حصرا يعتبر شقاء غزة عاملا مهما يحتاج إليه في الضغط على الفصائل والمجتمع في غزة. فللرجل حساباته التي تقررها اشتراطات المكان الذي يؤدي فيه دوره المنسحب على سائر الأطراف المكانية والسياسية، للمشهد الفلسطيني برمته، وهذه نقطة أشبعها المعلقون تقريعا.

 من بين الملفات المطروحة بقوة، أمام الاجتماعات الفلسطينية التي من المفترض أن تبدأ الاثنين، ملف المراسيم الرئاسية التي تجاوزت عن الوثيقة الدستورية، ولاسيما تلك المتعلقة بالمحكمة الدستورية، وبما يسمى “التعديلات” التي طالت استقلالية القضاء، وحل المجلس التشريعي والتضييق على أصحاب الرأي من موظفي السلطة ومتقاعديها، بقطع رواتبهم. وهذه مسائل يتوقف عليها جوهر العملية الانتخابية، شأنها شأن التوافق على مرجعية العمل السياسي وسقفه الذي لا يعلو عن سقف أوسلو!

رئيس السلطة، هو الذي يأذن أو لا يأذن، بتمرير ما يتم الاتفاق عليه، وهو حصرا يعتبر شقاء غزة عاملا مهما يحتاج إليه في الضغط على الفصائل والمجتمع في غزة.

فالمجتمعون ليسوا أمام أفق مفتوح سياسيا، وليس هناك من راعٍ، في المنطقة والعالم، لعملية مصالحة وتوافق فلسطيني يرفع السقف ويُعلي الهدير. وهنا تكمن الصعوبة بالنسبة إلى الأطراف التي تريد وفاقا وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بخطابها العريض. فإما هذا وإما ذاك. وعندما يتعلق الأمر بالسلطة، فمن يريد أن يشارك في الحكم أو يندمج في النظام السياسي الفلسطيني، يتعين عليه تنقيح خطابه السياسي، ثم هو حرٌ في اختيار ثقافته في داخل حزبه.

وللأسف، لا يملك الفلسطينيون ما أتيح للأحزاب العنصرية المتطرفة في إسرائيل، التي بمقدورها وفق المرجعيات الدستورية، الدخول بخطابها المتطرف إلى داخل الحكم والنظام السياسي. فإن حاولوا أن يفعلوا ذلك، سيتولى آخرون، في المنطقة والعالم، ممارسة الضغوط تحت عناوين الواقعية وضرورة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وكل هذه العناوين ضاغطة فعلا وتقوم عليها الدلائل.

لذا لا معنى لأن ينافس طرف ذو خطاب سياسي ـ أيديولوجي على دور في السلطة الفلسطينية، أو للاستحواذ على الحكم فيها، لكي يجعل حياة هذه السلطة مع سكان مناطقها، بين عادية ومعدوٍ عليها. فلو كان رئيس السلطة الحالي، حريصا على ذلك، دون الإطاحة بشروط الحكم الرشيد، المعزز بالمؤسسات الدستورية الساهرة على جودة الحياة، فلا عتب عليه بمقاييس اشتراطات قيام السلطة الفلسطينية، وسيكون التجاوز عنها وصفة للحطام نقيض القيام.

عندما يكون الحديث عن سلطة، يصح القول إن استطاع الطرفان اللذان يتشدد كلٌ منهما في خطابه ونهجه، التخلي عن طبائعه، فإن الاجتماعات ستنتهي إلى نتيجة إيجابية. وعليه فإن هذه النتيجة منوطة بعباس وحماس، أي الذي يريد أن يحكم بمراسيم من رأسه ويشطب المؤسسات والقانون الأساسي، أو الذي يريد أن يختار استراتيجيته من رأسه دون اكتراث للمعطيات الموضوعية، ويظل يحكم أو يشارك في نظام السلطة بسقفها المحدد.

التجربة أكبر برهان، فعندما حاولت حماس أن تفعل ذلك بعد انتخابات 2006 تعطل النظام الفلسطيني ثم انشطر واختلف القائمون على الشطرين، في كل شيء، لكنهم توافقوا على الإطاحة بالحياة الدستورية. وماذا كانت النتيجة، غير عذابات الناس في سكونهم وحركتهم وحياتهم، والخسارة في السياسة وفي الحرب معا؟

يقول الفلسطينيون ذلك مع تمنياتهم للمجتمعين بالنجاح، لكي ينهض المجتمع الفلسطيني ويحظى بنظام وطني يؤمن له المنحنى الصاعد، في البناء والصمود وحفظ الكرامة والذود عن حقوقه الوطنية وتظهير مظلوميته الضاغطة على الضمير الإنساني، وصولا إلى امتلاك القدرة على الاستمرار في العمل الوطني الفعال، والاستفادة من السياسة في بعدها الدولي.

لعل من بين ما يؤشر على صعوبة التوصل إلى اتفاق، أو صعوبة تنفيذ أي اتفاق على إعادة بناء النظام الفلسطيني، أن طرفي الخصومة، لم يتقدما خطوة على الأرض، تنم عن الرغبة في تغيير طبائعهما. فالناس تراقب، ولفرط ما أحبطت وتراكمت ملفات الانسداد، لم يعد هناك موضوع للقول بأن حلا سحريا يمكن أن ينتج عن اجتماعات القاهرة.

8