الاختبار الأصعب آت في مواجهة الصديقين

الأحد 2015/06/14

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، انحبست الأنفاس وتوجهت الأنظار إلى أميركا الجنوبية وتحديدا إلى البرازيل التي احتضنت فعاليات كأس العالم في نسخة فريدة ورائعة أنهاها المنتخب الألماني بشكل مثير عندما “اختطف” اللقب من “أنياب” أعتى المنتخبات الأميركية وعاد به إلى أوروبا، لكن تلك البطولة قدمت بالتوازي مع ذلك لوحة رائعة من اللعب الجميل والممتع رسمتها أقدام لاعبي هذه المنتخبات التي بزرت بشكل جيد على غرار منتخبات كولومبيا والتشيلي والأرجنتين وبدرجة أقل البرازيل ثم المكسيك والأوروغواي.

وبعد عام واحد تعود الأنظار لتتوجه من جديد إلى الشطر السفلي من القارة الأميركية حيث أعطيت ضربة البداية لمنافسات “كوبا أميركا” في التشيلي، ليبدو الحدث وكأنه “موندياليتو مصغر” يضم عدة منتخبات أمتعت سابقا وبرهنت مقدرتها على التألق والبروز والنجاح والتتويج أيضا.

منافسات هذه النسخة الجديدة من “كوبا أميركا” تستمد سحرا جديدا وتألقا مستمرا ومنافسة أقوى من السابق خاصة في ظل صعود أسهم عدد من المنتخبات وفي مقدمتهم منتخب التشيلي البلد المنظم وكولومبيا، فضلا عن منتخبات الأرجنتين والبرازيل والأوروغواي. هذا المنتخب الذي توج بلقب النسخة الماضية، يظل رغم غياب نجمه الأول لويس سواريز قادرا على تكذيب كل التكهنات والمعطيات.

بيد أن منافسات هذه الدورة تبدو أشبه بساحة وغى ومعركة حياة أو موت بين منتخبين غابا منذ سنوات عن دائرة التتويجات رغم صيتهما العالمي الذائع وكثرة النجوم في صفوفهما.

الحديث هنا يهم منتخب “التانغو” الأرجنتيني ومنتخب “راقصي الصامبا” البرازيلي، والهدف المشترك المعلن هو السعي إلى بسط النفوذ من جديد على هذه الرقعة بعد الإخفــاق الأخير في المونديال.

منافسات هذه الدورة ولئن تبدو في البداية غير مباشرة بين المنتخبين خاصة أن الطريق إلى النهائي واللقب لن تكون مفروشة بالورود، إلا أنها في نهاية المطاف ستكون أشبه بحلقة جديدة من مسلسل “صراع النفوذ” بين القوى التقليدية في القارة الأميركية، ومن منا لم يسمع أو يعش على إيقاعات المباريات التاريخية بين هذين المنتخبين القويين.

في العام الماضي تذوق المنتخبان من كأس “العلقم” ذاته أمام المنتخب الألماني، فالمنتخب البرازيلي خرج بفضيحة مدوية في المربع الذهبي بعد خسارة تاريخية بسباعية كاملة أبكت شعبا كاملا، أما المنتخب الأرجنتيني فإنه لم يقدر رغم وصوله إلى النهائي على تفادي “سلطة” المارد الألماني فتجرع طعم الهزيمة وخسارة اللقب العالمي في الرمق الأخير، وفي المحصلة فإن “كوبا أميركا”، هي بمثابة الدواء الناجع لتجاوز أوجاع الخسائر في كأس العالم الأخيرة.

اليوم يبدو الصراع محتدما بين العملاقين البرازيلي والأرجنتيني من أجل التتويج بهذا اللقب، ورغم المنافسة القوية المتوقعة من بقية المنتخبات إلا أن كل الترشيحات تصب في معظمها لفائدة هذين المنتخبين بالنظر إلى قيمة النجوم وقوة اللاعبين لدى البرازيل والأرجنتين.

فمنتخب “الصامبا” سيقوده النجم الجديد في سماء البرازيل والعالم نيمار، فيما سيكــون قــائد كتيــبة “التـانغو” اللاعب الأفضل والأقوى في العالم ليونيل ميسي.

وبعد أن كانا بالأمس القريب من صانعي نجاحات برشلونة الأسباني وسطرا معا ملامح إنجاز متميز تجسم في الحصول على ثلاثية الدوري والكأس المحليين ورابطة الأبطال الأوروبية وشدا الأنظار بأهدافهما الغزيرة وانسجامهما الكبير بل وصداقتهما القوية، سيكونا اليوم في مواجهة قوية من أجل إثبات الذات وصنع تاريخ جديد واستثنائي مع منتخبي بلادهما.

وفي مثل هذه المنافسات التي تصنع التاريخ، فإن الصداقة القوية والمتينة “ستركن” على جنب، إذ لا مجال للعواطف في هكذا بطولات يكون خلالها الامتياز للأفضل والإنجاز للأكثر تأثيرا وبراعة.

الثنائي القوي ميسي ونيمار يدينان بالكثير لمنتخبي بلادهما، فالأول قفز إلى صدارة أفضل لاعبي العالم وصنع ملاحم وبطولات برشلونة وتم اختياره في مناسبات عدة أفضل لاعب العالم غير أنه لم يترك بصمته مع منتخب “التانغو” ولم يحرز معه بطولات كبيرة يدوّن من خلالها اسمه في السجل الذهبي لأعظم لاعبي الأرجنتين مثل مارادونا.

أما نيمار فإنه يعتبر أمل البرازيل بأسرها ليس فقط بسبب تألقه اللافت مع فريق برشلونة في الموسم المنقضي بل لكونه “فلتة” زمانه في زمن شحت فيه الأرض البرازيلية عن إنجاب لاعبين أفذاذ قادرين على إعادة إنجاز جيل رونالدو وريفالدو وكافو ورونالدينيو مطلع الألفية الماضية.

هو إذن صراع يشبه صراع “الأخوة” الأعداء، لكن هذه المرة سيكون خلالها الولاء والوفاء للأم قبل كل شيء، وبعد أن جمعتهما التتويجات المتميزة في برشلونة، فإن رهانات “كوبا أميركا” تجعلهما في مهمة رد الدين وصنع التاريخ مع منتخبي بلادهما حتى وإن اقتضى الأمر ترك الصداقة والأخوة التي جمعتهما في برشلونة جانبا.

23