الاختطاف "بزنس" يدر الملايين في سوريا

حين عمت الفوضى الأراضي السورية وانتشر السلاح، تشكلت عصابات إجرامية اختصت في السلب والنهب والاختطاف. الاختطاف الذي أصبح يتم وسط المدن وفي وضح النهار يدر الملايين على المجرمين من الفدية وغياب القانون. فمن يحمي المواطنين الذين لم يعرفوا الأمان منذ سنوات؟
الاثنين 2016/10/03
الرحلة تبدأ بالبشاشة وتنتهي بالتهديد

دمشق - “ألو… أخوك… ابنك… موجود عندنا… جهزوا فدية، وسنتصل بكم في وقت لاحق”، اتصال تم سريعا ثم انقطع. هذا الاتصال سمعه العشرات، بل المئات من السوريين الذين فقدوا شقيقا أو ابنا، وربما زوجة، أو أختا، في غمرة الصراع المحتدم والفوضى التي تلف معظم أرجاء الأراضي السورية.

تعود بارقة الأمل برؤية المفقود، وتبدأ متاهة الأسئلة، من المتصل؟ من أين سنجمع المبلغ المطلوب؟ هل سيفون بوعدهم؟ ماذا سيحدث إذا لم ندفع المبلغ؟ وماذا لو دفعنا الفدية دون فائدة؟ هل نخبر الجهات الأمنية؟ والمئات من الأسئلة الأخرى التي تجول سريعا بخاطر أهل المختطف.

هذا هو كامل الاتصال الذي تلقاه إبراهيم من مدينة جبلة عبر الهاتف قبل أن ينقطع الاتصال، لتبدأ بعدها فصول مأساة تكررت مع المئات من السوريين الذين تعرفوا خلال سنوات الحرب الأربع الماضية على مأساة جديدة اسمها “الاختطاف”، لتضاف إلى جملة الجرائم الطارئة على حياتهم.

يقول إبراهيم الذي طلب عدم ذكر اسمه كاملا “فقدنا الاتصال بشقيقي أحمد يوم الـ8 فبراير الماضي بعد خروجه من المنزل في جبلة متجها إلى عمله في صلنفة. بقي هاتفه الجوال ثلاثة أيام خارج الخدمة، فتشنا عنه خلالها في المشافي والفروع الأمنية، ولكن دون جدوى إلى أن ورد علينا اتصال مقتضب من شخص مجهول، أحمد موقوف عندنا، وسنطلق سراحه بعد دفع مبلغ مليونين ونصف المليون ليرة. جهزوا المبلغ، وسنعود للاتصال بكم في وقت لاحق خلال أيام”.

وسيط: لا أعرف الخاطفين نهائيا وأستقبل الاتصالات من أرقام غالبا ما تكون من هواتف تركية، ويلجأ إلي أهالي المختطفين لأكون الضمانة لهم لإطلاق سراح أبنائهم

وقد استغل بعض الأشخاص الوضع الأمني المتدهور في المنطقة لتشكيل عصابات خطف، وسرقة، ونهب دون أن تكون لهم أي علاقة بالصراع المسلح بين الحكومة والمعارضة، واختطف المئات من الأشخاص إلى جهات مجهولة، ولم يعرف مصيرهم حتى الآن.

ويضيف إبراهيم “بعد الاتصال تيقنت أن أخي لا يزال على قيد الحياة وأنه مختطف لدى إحدى عصابات الخطف التي تبتز الأهالي بالأموال مقابل حياة أبنائهم. جاء الاتصال عبر الهاتف الشخصي لأخي وبعدها أغلق مرة أخرى دون أن تتاح لي فرصة السؤال عن أي شيء. انتظرت 22 ساعة حتى جاءني الاتصال الجديد.

وقال المتحدث بلهجة تهديد ‘هل أصبح المبلغ جاهزا؟’. أجبته "المبلغ غير متوفر"، فكان جوابه "سننتظرك ثلاثة أيام لتأمين المبلغ، وبعدها سنرسل لك رأس أخيك مقطوعا إذا لم تدفعه".

ويتابع إبراهيم "بمساعي أقربائي قمنا بتأمين المبلغ، وبعد ثلاثة أيام جاءني الاتصال من الخاطفين، ودخلنا في مساومة، حاولت تخفيض المبلغ ونجحت في ذلك فعلا.. وكان المبلغ النهائي المطلوب دفعه 1.8 مليون ليرة (الدولار يساوي حوالي 550 ليرة سورية)… وأخبرني أنه يجب علي الذهاب إلى مطعم في بلدة صلنفة بمفردي لتسليم المبلغ لشخص سيحضر خصيصا لذلك. وهذا ما حصل بالفعل حيث وجدت هناك شخصا ينتظرني، واستلم مني المبلغ وعندما سألته عن أخي كان جوابه "بعد نصف ساعة سيكون في بيتكم بمدينة جبلة"، وغادر بسيارته السوداء الفاخرة.. وفعلا بعد حوالي 40 دقيقة اتصل والدي من المنزل ليخبرني بأن شقيقي وصل إلى المنزل".

دموع الفرح بعودة المخطوف

ويقول "لم أعرف الخاطفين، ورفضت جميع النصائح من أقربائي بإبلاغ السلطات الأمنية، وقبلت بكل شروطهم لأنه لم يكن لدي خيار آخر… أعرف تماما أنهم مستعدون لقتله إذا لم أنفذ شروطهم… نعم كانت مغامرة، ولكن حصلت على تحرير أخي المخطوف وإعادته إلى زوجته وطفله ابن الخامسة".

ويؤكد إبراهيم “لم يتعرض شقيقي للضرب أو الاعتداء طيلة الأيام السبعة التي بقي فيها لدى الخاطفين الذين نصبوا حاجزا على طريق صلنفة، واقتادوه مع جميع ركاب الحافلة التي كانت تقل سبعة أشخاص معه إلى إحدى القرى في ريف اللاذقية… لا يعرف بالضبط في أي قرية لأن الخاطفين عصبوا عينيه منذ لحظة اختطافه وحتى إيصاله أمام منزلنا في جبلة”.

ويشير إبراهيم إلى أن جميع المؤشرات والوقائع التي حدثت مع أخيه خلال اختطافه تؤكد أن “الخاطفين لا علاقة لهم بالسياسة وبمن يسمون أنفسهم ثوارا، وإنما هم مجرد عصابة امتهنت الخطف والابتزاز مستغلة الظروف الأمنية المتدهورة في أرجاء البلاد”، مطالبا السلطات الأمنية بإيجاد حلول تحد من نشاط مثل هذه العصابات التي تتاجر بأرواح السوريين وتسرق أموالهم.

ظهور حوادث الاختطاف كوسيلة لابتزاز السوريين وجمع الأموال ساهم في ظهور أشخاص يعملون كوسطاء بين العصابات الخاطفة وأهالي المخطوفين، وغالبا ما يكونون من وجهاء المناطق، وفي أحيان كثيرة من رجال الدين. ومن هؤلاء الأشخاص أحمد ط. (هكذا عرف نفسه) والذي تدخل في العشرات من حالات الاختطاف في ريف اللاذقية الشمالي.

النساء هدف سهل

في دمشق يعتمد الخاطفون على عامل الشرف، فيختارون ضحاياهم من النساء أو الفتيات من العائلات الدمشقية المحافظة والغنية، تلك العائلات التي تتكتم عادة على هذه العمليات وتدفع الفدية سرا وخوفا من الفضيحة.

ففي حي المهاجرين، أحد الأحياء الراقية في العاصمة السورية، وقع اختطاف طالبة جامعية تتحدر من إحدى العائلات الدمشقية العريقة، ورغم أن العائلة أبلغت عن اختفاء ابنتها، إلا أنها انتظرت حوالي أسبوع لتصلها مكالمة هاتفية تطلب منها الفدية مقابل تسليم الفتاة في كنف السرية. واضطرت العائلة إلى كتمان الأمر عن الأهل والأقارب خوفا من الفضيحة.

من يحمي ضعاف الحال من المجرمين؟

واختطف مجهولون امرأة متزوجة في كفر سوسة (وسط دمشق)، ولكنهم قاموا برميها في وقت لاحق في منطقة أخرى بعد علمهم بتحدرها من عائلة سورية بسيطة لا تستطيع دفع الأموال لهم.

ونشر ناشطون سوريون عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، تحذيرا لما أسموه "طريقة خطف في التاكسي" تتم في وسط العاصمة دمشق من قبل مجهولين.

وكتب هؤلاء أن “عملية الاختطاف تتم بأسلوب مختلف عن باقي العمليات المنتشرة في سوريا، حيث تعتمد الطريقة على سيارة أجرة وشخصين آخرين، وباعتبار أن فكرة الاشتراك في سيارة الأجرة أصبحت أمرا طبيعيا في دمشق، لا يعترض الشخص على وجـود آخرين معه في نفس سيـارة الأجـرة"..

وأضاف الناشطون أنه “تتم عملية الاختطاف عندما يقوم شخص بطلب سيارة أجرة ثم بعد امتطائه السيارة وسيرها مسافة معينة يتوقف السائق ليركب شخصان آخران، ودون أن ينتبه الراكب الأول يتم رشه ببخاخ مخدر وبعدها يتم أخذه إلى جهة مجهولة والاتصال بعائلته وذويه لتنسيق عملية التبادل وتسليم المخطوف مقابل فدية مالية ضخمة”.

كما أكد النشطاء أن “هناك حالات خطف عديدة انتشرت في دمشق من هذا النوع، منها حالة لسيدة استقلت سيارة أجرة من شارع الثورة وسط العاصمة منتصف النهار، وبعد تحرك السيارة لأمتار توقفت لتصعد فتاتان، ثم بعد عدة دقائق تم تخدير السيدة باستعمال البخاخ”. وانتهت القصة –كما يقول الناشطون- “بدفع فدية ضخمة لتعود السيدة”.

ولم تكن ريما تعلم أن ذهابها لزيارة صديقتها سيقلب حياتها رأسا على عقب، فبعد ركوبها سيارة التاكسي تقول “طلبت من السائق إيصالي إلى منطقة (مزة بساتين) حيث تسكن صديقتي، في بادئ الأمر أبدى احتراما فائقا، ولكن المشهد سرعان ما تحول إلى مشهد معاكس فقد بدأ ينظر إلي نظرات مريبة، وغيّر الطريق بشكل مفاجئ وسلك طريقا شبه مقطوع وخاليا من الناس.. استغربت هذا التصرف، في حين برر السائق فعلته بولوج الطريق المختصر، وفي هذه اللحظة أيقنت أنها حالة اختطاف”.

وبعد ذلك فاجأها السائق برش المخدر على وجهها، واستيقظت لتجد نفسها مرمية على طريق زراعية ملطخة بدمائها، حيث تبين لها أن السائق قام بضربها على رأسها وسرقة مصوغها ونقودها، ولحسن حظها كما تقول، أنها كانت تضع هاتفها الجوال في جيب بنطلونها، فاتصلت بصديقتها التي أنجدتها وأصيبت ريما بعدها بصدمة نفسية وخضعت لفترة علاج عند طبيب نفسي للخروج من هذه الحالة.

حالة ريما لم تكن الوحيدة، فالكثير من النساء تعرضن لهذا النوع من الاختطاف حتى أصبحن يتخوفن من ركوب التاكسي التي باتت وسيلة غير موثوق بها بعد تعدد هذه الحوادث، التي بقي بعضها طي الكتمان، فيما وجدت بعض الحالات طريقها إلى قصر العدل، ومنها قضية السائق الذي استخدم ما ادعى أنه ماء زمزم للإيقاع بضحاياه بعد تخديرهم.

أطفال سوريا بين مطرقة الحرب وسندان الخطف

وشدد ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي على أن الفئة العمرية المستهدفة في عمليات الاختطاف بين الفتيات والنساء ذوات الأعمار بين 15 إلى 37 عاما، منوهين الى أن أكثر المناطق خطورة بالنسبة إلى حوادث الاختطاف في العاصمة دمشق هي منطقتا كفر سوسة والبرامكة وصولا إلى مشارف حي الميدان الدمشقي.

وساطة

يقول أحمد “اكتويت بنار الاختطاف بعد أن اختطف مسلحون مجهولون ابن شقيقي ونجحت بإطلاق سراحه مقابل 6 ملايين ليرة في عام 2013، ومنذ ذلك الحين نذرت نفسي للعمل على حل قضايا الاختطاف وبالفعل نجحت في إطلاق سراح 11 مختطفا وأخفقت في ثلاث حالات”.

ويضيف “دوري يتلخص في تلقي الاتصالات من الجهات الخاطفة وأهالي المخطوفين”، مضيفا “لا أعرف الخاطفين نهائيا وأستقبل الاتصالات من أرقام غالبا ما تكون من هواتف تركية، ويلجأ إلي أهالي المختطفين لأكون الضمانة لهم لإطلاق سراح أبنائهم، حيث يضعون الأموال ‘الفدية’ لدي وبعد إطلاق سراح أبنائهم أقوم بإرسال الأموال إلى الخاطفين بطرق معقدة جدا تمنعني من معرفتهم، وأحيانا يطلبون إرسال الأموال إلى تركيا، أو يحضر أشخاص ملثمون للحصول على الأموال، وأحيانا أخرى يطلبون مني وضع الأموال في أماكن يحددونها تختلف بين كل مرة وأخرى”.

ويؤكد أن الأموال التي يحصل عليها مقابل وساطته “زهيدة” هي عبارة عن مصاريف يدفعها للاتصالات الهاتفية التي غالبا ما تكون “مرتفعة كونها اتصالات دولية”.

ويتابع “طلب أحد الخاطفين مني التوسط لإطلاق سراح ثلاثة معتقلين لدى السلطات السورية مقابل إطلاق سراح امرأة مختطفة، وقد رفضت ذلك لأنني لا أتدخل في السياسة والصراع المحتدم بين الحكومة والمعارضة”.

وروى مواطن سوري آخر، كيف أنه بعد أن دفع مبلغ خمسة ملايين ليرة سورية مقابل إطلاق سراح أخيه، لم يعد الأخ بحجة أنه قتل خلال اشتباكات حصلت بين المجموعة الخاطفة وقوات الأمن السورية.

20