الاختطاف سلاح الميليشيات لتصفية الحسابات الإقليمية على أرض العراق

الميليشيات الشيعية التي ازدادت تغوّلا في ظل الحرب ضد داعش في العراق وما أتيح لها بفضلها من مال وسلاح، بدأت تنغمس بشكل متزايد في تصفية الحسابات السياسية التي منها ما يتجاوز الداخل العراقي إلى الصراع الشرس الدائر في الإقليم.
الثلاثاء 2015/09/29
من يقدر على نزع سلاح الميليشيات حين تنتهي الحرب

بيجي (العراق) - اقتحمت أمس قافلة من سيارات الدفع الرباعي تقلّ عناصر ميليشيا مسلّحة، إحدى قرى شمال محافظة صلاح الدين العراقية واعتدت على سكانها قبل أن تختطف عددا منهم.

وجاء ذلك فيما كانت ميليشيا شيعية تطلق على نفسها اسم “فرق الموت”، تعلن عبر شريط فيديو على شبكة الإنترنت إطلاقها سراح عمال أتراك كانت قد اختطفتهم من ورشة بناء بإحدى ضواحي العاصمة بغداد، لتساوم لاحقا حكومة أنقرة على إطلاق سراحهم لقاء مطالب تتجاوز الداخل العراقي وتتصل بالوضع في سوريا.

وتصاعدت خلال الفترة الأخيرة، وبشكل غير مسبوق، عمليات الاختطاف في العراق متخذة أبعادا جديدة سواء في طريقة تنفيذها أو في خلفياتها التي تتجاوز المطالب المادية أو تصفية الحسابات الشخصية إلى تصفية حسابات سياسية يكتسي بعضها طابعا إقليميا.

وفي مظهر لتراجع هيبة الدولة العراقية مقابل صعود الميليشيات، أصبحت الاختطافات تتم بشكل أقرب إلى الاستعراض في مواكب كبيرة تضمّ أعدادا من العربات التي تقلّ مسلحين بأزياء موحّدة، وتتجاوز السيطرات الأمنية ونقاط التفتيش دون أن تحرّك الأخيرة ساكنا.

ويربط متابعون للشأن العراقي ظاهرة تغوّل الميليشيات في العراق بمشاركتها في الحرب ضدّ تنظيم داعش ضمن ما يعرف بالحشد الشعبي الذي تأسس استنادا إلى فتوى من مرجعية النجف، ما أضفى هالة من القدسية على هذا الجيش الموازي حتى أن دوائر شيعية عراقية سياسية وإعلامية تطلق عليه تسمية “الحشد المقدّس. وقد أتيح للميليشيات الشيعية في نطاق الحرب الجارية قدر كبير من التسليح والتمويل من داخل العراق وأيضا من إيران، فيما اكتسب قادتها سلطات تفوق سلطة الحكومة بما في ذلك رئيس الوزراء.

وبدأت الميليشيات تدخل معترك الصراع السياسي في العراق من الباب الكبير، وكان لبعضها دور مفصلي في حماية أشخاص مطلوبين للمحاسبة في ملفات فساد وجرائم كبيرة على غرار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي المتهم بشكل رسمي، وبفعل تقرير لجنة نيابية، بالمسؤولية عن سقوط الموصل بيد تنظيم داعش.

الميليشيات التي ساهمت إيران في تكوينها تأسست لتبقى حتى تستكمل تنفيذ المخطط الإيراني في العراق

وكانت أصابع الاتهام في عملية اختطاف عمال أتراك مشاركين في بناء ملعب رياضي بمدينة الصدر ببغداد في 11 سبتمبر الجاري، قد توجّهت إلى ميليشيا كتائب حزب الله العراق التي سارعت إلى التخفي وراء اسم مستعار هو “فرق الموت”، لكن مطالب الخاطفين ساهمت في توضيح هويتهم وانتمائهم وحتى ولائهم الإقليمي.

وفي شريط فيديو بثوه على شبكة الإنترنت، طالب الخاطفون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإصدار أمر لجيش الفتح برفع الحصار عن كفريا والفوعة، وهما قريتان يسكنهما شيعة في شمال غرب سوريا.

وربط مراقبون هذا المطلب بالصراع الإيراني التركي الدائر في سوريا، حيث تساند طهران نظام بشار الأسد فيما تساند تركيا المجموعات المسلّحة وتحديدا ذات الانتماء الإسلامي.

وفي شريط ثان بثته أمس، أعلنت “فرق الموت” إطلاق سراح العمال الأتراك بعد استجابة الحكومة التركية لمطالبها المتضمنة فك الحصار عن البلدتين السوريتين.

وقالت الجماعة إنها “قررت الإفراج عن المحتجزين بعد استجابة الحكومة التركية وتوجيهها الأوامر لميليشيا جيش الفتح التي تحاصر الفوعة وكفريا وبعد أن تم فتح ممر آمن لإخراج 10 آلاف من النساء والأطفال والشيوخ والمرضى الأبرياء والمحاصرين في المنطقتين”.

وأظهر الفيديو أيضا تناوب العمال بعد ذلك على استلام نسخة من القرآن مع مبلغ مالي يسلمه لهم أحد أفراد المجموعة وهو ملثم، في عملية وصفها بعض المعلّقين على الشريط عبر شبكة الإنترنت بـ”المسرحية الهزلية” الهادفة إلى تلميع صورة الميليشيات الشيعية.

ويقول مراقبون إنّ تلك التشكيلات الطائفية المسلّحة بصدد التحوّل إلى معضلة في العراق لا تقل خطرا عن تنظيم داعش.

وعلى افتراض أنّ الحرب الدائرة حاليا في العراق ستفضي إلى انتصار على التنظيم، فإن نزع سلاح الميليشيات لن يكون ميسّرا لحكومة بغداد التي لا تمتلك الوسائل المادية ولا السياسية للقيام بذلك.

ويجزم هؤلاء بأنّ الميليشيات التي ساهمت إيران في تكوينها تأسست لتبقى حتى تستكمل تنفيذ المخطط الإيراني في العراق، بما في ذلك تغيير التركيبة الديمغرافية لبعض المناطق.

وتشهد مناطق عراقية كانت ميليشيات الحشد الشعبي قد ساهمت في استعادتها من تنظيم داعش اعتداءات متكرّرة على سكانها، وآخرها قرية البوطعمة الواقعة بجنوب بيجي بشمال محافظة صلاح الدين التي داهمتها أمس ميليشيا تستقل 15 سيارة ونفذت حملة اعتقالات لأكثر من 35 شخصا واقتادتهم إلى جهة مجهولة.

ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن أحد سكان القرية المذكورة قوله إنّ الحادثة تسببت في اندلاع مظاهرة وغضب شعبي كبيرين، موضحا أن أهالي القرية يقاتلون مسلحي تنظيم داعش إلى جانب الحشد والجيش ولا يستحقون ما حدث لهم، خصوصا أن المداهمات شملت اعتداءات بالضرب والسب والشتم على رجال ونساء كبار بالسن.

3