الاختلاف في الرأي يفسد الود والقضية في المجتمعات العربية

المجتمعات العربية تجد نفسها اليوم محاصرة بالتحديات وهي أحوج أكثر من أي وقت مضى لثقافة الحوار وقبول الآخر وتطبيق قاعدة الرأي والرأي الآخر.
السبت 2021/06/26
طريق الحوار مغلق

يعد الاختلاف في الرأي بين البشر نتيجة طبيعية فهو يرجع إلى اختلاف العقول وطرق التفكير. لكن الأمر غير الطبيعي أن يكون هذا الاختلاف بوابة للخصومات والخلافات ومفتاحا للعداوات.

لندن- “تشبه قصتي قصة الممثلة السورية سوزان نجم الدين التي لم أكن أصدقها كثيرا حتى عشت تفاصيل تشبهها.. ورغم أننا لسنا من نفس البلد العربي لكننا في الهمّ كلنا عرب”، تقول هاجر ساخرة. وتضيف هاجر المعلمة في المدرسة الابتدائية (30 عاما) “لقد طلقني زوجي لأنني أختلف معه في الرأي حول ‘دكتاتوره’ المفضل بالنسبة إلي.. لا يرى للبلاد قائدا غيره حتى أنه لا يفوّت مشاهدة أي من لقاءاته أو خطبه بل ويعيد مشاهدتها على يوتيوب كل ما سنحت له الفرصة”.

وتضيف “ثرت يوما وطلبت منه أن يترك الكمبيوتر المحمول لابنتنا لتشاهد مسلسل الكارتون الخاص بها لأنها كانت تلح كثيرا فيما كان هو يشاهد برنامجا سياسيا يحلّل خطاب الزعيم”. وتؤكد “تطور الاختلاف بيننا حد اتهامي بالخيانة الوطنية العظمى من قبله”، وتابعت “فضلت الانفصال لا أستطيع أن أعيش مع شخص لا يرى شيئا سوى زعيم طائفته”.

ويذكر أن سوزان نجم الدين سبق أن قالت إن سبب الخلاف الذي أدى إلى انفصالها عن زوجها وابتعادها عن أولادها الأربعة هو أن تغيّرا جذريا حدث في تصرفات زوجها بسب الآراء السياسية المختلفة بينهما، وأشارت إلى أن الانفصال تم برقي بعد 16 عاما من المعرفة والحب. وأكدت أنها حاولت التعامل مع التغيّرات الحاصلة وقدمت العديد من التنازلات، لكن الأمر لم يكتب له النجاح.

الود والقضية

الأشخاص بحاجة إلى سماع تجارب ووجهات نظر متنوعة من أجل تكوين صورة أكثر اكتمالا للواقع

تردّد الأغلبية في العالم العربي أن “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” وهي مقولة للأديب المصري الراحل أحمد لطفي السيد، وهي تأكيد على أن الاختلاف في الآراء ووجهات النظر هي ظاهرة صحية للمجتمع المتحضر. وتعدّد الآراء حول مسألة ما إنما هو تعدد للحلول والعلاج، لكن ما يحدث هو العكس تماما.

ويغضب الناس من معتقدات الآخرين عندما لا تتوافق مع معتقداتهم. وفي الكثير من الأحيان يعتبر رفض شخص ما لرأي الآخر بمثابة رفض له وذلك بسبب الارتباط العاطفي بالآراء، ما يشعل الغضب ويزيد التوتر ليندلع بعدها العنف في أحيان كثيرة.

ولا تفرّق الأغلبية في العالم العربي بين قبول الآراء واحترامها. ففي حال هاجر دخلت نقاشات كثيرة مع زوجها حول شخص “الزعيم”. ويعتقد زوجها أن “وجهة نظرها حمقاء”. ورغم أنها لم تقصد تغيير رأيه فقط التعبير عن رأيها الخاص فقد كان بإمكانه احترام رأيها دون قبوله أو الموافقة عليه. كان بإمكانه الحفاظ على معتقداته بينما يحترم معتقدات زوجته.

وبشكل عام هنالك ثلاثة أنواع أو مستويات من الآراء أولها الرأي المثالي وهو الذي يراه صاحبه بأنه صحيح ويُحتمل أن يكون جزء منه أو كله خطأ، ويرى رأي غيره خاطئا بالمجمل أو جزءا منه، ويحتمل أن يكون صحيحا، وهذا النوع المتحضر الذي ينتج حوارا ذا فائدة.

أما الرأي الثاني فهو الرأي الوسطي وهو الذي يرى صاحبه أنه على صواب بالمجمل ورأي مخالفه خطأ بالمجمل لكنه يؤمن بالتعايش مع الاختلاف دون التعرض بالأذى أو الكراهية للطرف الآخر.

وبالنسبة إلى المنطقة العربية، فيسود الرأي الثالث “المتطرف” وهو الذي يرى صاحبه أنه على حق بالمطلق، وأن المخالف على خطأ بالمطلق، ويستحق العداء والإقصاء والاتهام والتصنيف وتوجيه العنف والكراهية له. ويسود في عالمنا العربي هذا الرأي نتيجة للتسلّط واحتكار الرأي والهيمنة على الفكر والأحادية في القرار والأحكام مما أنتج أجيالا تؤمن بالخلاف لا الاختلاف وترفض الحوار وتباين وجهات النظر.

مكافحة التعصب تستدعي النفاذ إلى المعلومات لأن التعصب يصبح خطيرا عندما يتم استغلاله لتحقيق الطموحات السياسية والأطماع في الأرض

ويعتقد المفكر المغربي كمال عبداللطيف أنّ ثلاثة أوهام كبرى تقف وراء التصميم والانغلاق السائدين في ثقافتنا، يتعلق الأمر بالأوهام العقائدية والنفسية والسياسية. وتتمثل الأوهام العقائدية في التصورات والأفكار التي تحوِّل المذاهب والعقائد إلى دوغمائيات، حيث يتمّ استبعاد التاريخ وتحويل الأفكار إلى نماذج نظرية مغلقة، نماذج نُخاصم العالم بواسطتها وانطلاقا منها.

أمّا الأوهام النفسية فتتمثل في نظرنا في المحن والأزمات المرتبطة بوعي الفارق القائم أو المتخيل بيننا وبين من نحاور، وهو وعي لا يقوم على نظرة تاريخية بل تشرطه أحكام مستمدة من أزمنة وعقائد لم تعد موجودة إلا في أذهاننا، بحكم أنها تغفل التحوُّلات التي جرت في العالم. وتترتّب على الأوهام النفسية مجموعة من الضغوط التي لا تسمح بالتواصل الإيجابي والحوار القادر على بناء جسور التفاهم.

أمّا الأوهام السياسية القائمة فيمكن تعيينها في الخلط بين مستويات الاختلاف والتناقض المنتشرة بين المجموعات الثقافية والسياسية في المجتمعات العربية حيث تسود خلافات ثقافية سياسية عنيفة، وهي خلافات ترتبط بقضايا محددة من قَبِيل موضوع الهويّة والمسائل المتصلة بموقفنا من التراث ومن الماضي، وكذلك موقفنا من التوافقات في المجال السياسي، حيث تعمل تيارات فكرية وسياسية على مواصلة استحضاره بمنطق ولغة الكمال، محاولة ابتكار أسماء ومصطلحات لا علاقة لها بمسارات الصراع القائمة بيننا، وتخوض في ملاسنات تعيدنا إلى أزمنة موغلة في القِدم، مستخدمة مرجعية ثقافية غريبة عن حاضرنا ومستقبلنا.

التنوع المجتمعي

يسود في عالمنا العربي الرأي المتطرف نتيجة للتسلّط واحتكار الرأي والهيمنة على الفكر والأحادية في القرار والأحكام

تُعد القصة الهندية القديمة حول المكفوفين والفيل مثالا غنيّا على ضرورة التنوع وقوته. وفي هذه القصة، يحيط مجموعة من الرجال المكفوفين بفيل للتعرّف على شكله. وبعد لمسه، يقارنون تجاربهم ويبدأون في النقاش مع بعضهم البعض “الفيل على شكل شجرة” يقول الشخص الذي لمسه ساقه. “لا، لا، الفيل مثل الجدار”، يقول الشخص الذي لمس جانبه. “مستحيل، الفيل مثل الأفعى”، يقول الشخص الذي لمس خرطومة. عندها تحدّث رجل مبصر ووصف الفيل بأكمله، حصل المكفوفون على لمحة عن “الصورة الكاملة”. وتوضح القصة أن التجارب الشخصية يمكن أن تكون حقيقية، لكنها محدودة.

نحتاج إلى “الآخر”! الأشخاص بحاجة إلى سماع تجارب ووجهات نظر متنوعة من أجل تكوين صورة أكثر اكتمالا للواقع. هم بحاجة إلى حوار من أجل فهم وخدمة المجتمع المتنوع الذي يعيشون فيه بشكل أفضل. ووجب على الناس الاعتراف أولا بأن التنوع المجتمعي في المنطقة العربية ليس بالأمر اليسير على الإطلاق. ففي الولايات المتحدة التي بلغت مراحل متقدمة نسبيّا على مستوى الحوار حول الاندماج، فبمجرد ذكر كلمة “اختلاف”، يمكن أن يؤدي ذلك إلى حالة من الصراع العنفي في المجتمع. فما بالك بالمجتمعات العربية.

وتجد المجتمعات العربية نفسها اليوم محاصرة بالتحديات من كل صوب، وهي أحوج أكثر من أي وقت مضى لثقافة الحوار وقبول الآخر وتطبيق قاعدة الرأي والرأي الآخر، واعتبار ذلك عامل إثراء فكري، وزرع هذه الثقافة في النشء باعتبارها حاجة ملحة وضرورية وليست ترفا، ورفض الثقافة المعلبة الجامدة التي تكرّس الانغلاق ورفض التعايش والقبول للآراء المختلفة والجمود الفكري.

وتقول قدس هادي مدربة التنمية البشرية “نحن بحاجة إلى المزيد من الاحترام للناس ووجهات نظرهم المختلفة. مع الاحترام يجب أن تنخفض الخلافات الساخنة والعنف”. وتضيف “يعتبر القبول هو القدرة على رؤية أن للآخرين الحق في أن يكونوا أشخاصا متفرّدين. هذا يعني أن لديهم الحق في مشاعرهم وأفكارهم وآرائهم. عندما تقبل الناس كما هم، فإنك تتخلى عن رغبتك في تغييرهم. تسمح لهم بالشعور بالطريقة التي يريدون أن يشعروا بها، وتتركهم مختلفين ويفكرون بشكل مختلف عنك. كل شخص مختلف بطريقة أو بأخرى. بمجرد أن تفهم هذه الحقيقة، يمكنك التوقف عن محاولة تغييرهم إلى الأشخاص الذين تريدهم أن يكونوا، والبدء في قبولهم كما هم”. وتتابع أن للحوار القدرة على مناقشة مجالات الخلاف بصراحة من أجل حلها. ومع ذلك، فإن الحوار فن ولا يحدث من تلقاء نفسه.

ويشدّد الأمين العام لمؤسسة الفكر العربي سليمان عبدالمنعم على حاجة المجتمعات العربية إلى تعزيز قيم الحوار وثقافته، مركزا على الحاجة نفسها إلى حوار في ما بيننا وبين المجتمعات الأخرى لكي نبدّد وهم ما أُطلق عليه صراع الثقافات أو صدام الحضارات.

الأوهام السياسية القائمة يمكن تعيينها في الخلط بين مستويات الاختلاف والتناقض المنتشرة بين المجموعات الثقافية والسياسية في المجتمعات العربية

وسأل عبدالمنعم أين نحن اليوم كعرب من قيم الحوار وثقافته؟ وكيف نستطيع أن ننقل هذه القيم من طور التنظير والأمنيات إلى مستوى الواقع اليومي؟ وهل يمكن أن ننجح في المزاوجة ما بين المصالحة والمصارحة لكي يكون الحوار جدّيا وحقيقيا؟ ثم كيف نتخلص في حوارنا المنشود من نزعات التعميم والانطباعات المسبقة والصور الذهنية النمطية السلبية التي ترسّخت في وعي كلّ منّا؟ وكيف ندير خلافاتنا باعتبار أن إشكالية إدارة الخلافات هي المحك الحقيقي لقياس نجاح أي حوار؟

ويؤكد عبدالمنعم أن الخلاف في تاريخنا العربي يختزن خصوصية معيّنة، إذ تبدو دورة التحوّل سريعة من مرحلة الاختلاف إلى مرحلة الخلاف ثم إلى مرحلة الصراع وانتهاء بمرحلة الإقصاء، والمصطلحات الأربعة هي تعبير عن مستويات أربعة في عملية إدارة التنوع الإنساني.

ويقول مدير مكتب اليونسكو في بيروت حمد بن سيف الهمامي “تعيش منطقتنا العربية صراعات مريرة وترويجا لثقافة التعصب والعنف وانتشارا لخطاب الكراهية والتحريض لم يسبق له مثيل أُريقت على إثره الدماء وأُزهقت الأرواح البريئة”.

وأضاف “لا بد من الإشارة إلى أهمية استدعاء أشكال ونماذج جديدة في التدريب وبناء القدرات في مجال قيم التسامح والحوار تتخطى الجوانب المعرفية ‏والتنظير والتركيز على الممارسة وأن تكون التدخلات شمولية وتكاملية وتستخدم فيها طرق مبتكرة تقليدية وغير تقليدية، فإذا كانت ممارسة التسامح والحوار يعيشها الطفل والشاب في المدرسة والجامعة فلابد أن يراها ويسمعها ويعيشها في المنزل والشارع ودور العبادة وفي الإعلام أيضا”.

مكافحة التعصب

الاختلاف يؤدي إلى الخلاف
الاختلاف يؤدي إلى الخلاف

يؤكد ميثاق الأمم المتحدة في ديباجته أن ممارسة التسامح هي أحد المبادئ التي يجب تطبيقها لبلوغ الغايات التي تنشدها الأمم المتحدة في سبيل منع نشوب الحروب والنزاعات وصون السلم.

وتنص المادة رقم “1/1” من إعلان المبادئ بشأن التسامح على أن “التسامح يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد، إنه الوئام في سياق الاختلاف. وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا. والتسامح، وهو الفضيلة التي تيسّر قيام السلام، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب”.

بحسب إعلان مبادئ التسامح الخاص بالأمم المتحدة، فإن مواجهة التعصب تستدعي عدة نقاط أساسية، أهمها مكافحة التعصب التي تستدعي بدورها قانونا، لأن كل حكومة مسؤولة عن إنفاذ قوانين حقوق الإنسان وعن حظر جرائم الحقد والتمييز بحق الأقليات ومعاقبتها، سواء ارتكبت على يد مسؤولين في الدولة أو منظمات خاصة أو أفراد. كما يجب على الدولة أن تضمن تساوي الجميع في الاحتكام إلى القضاء ومفوضي حقوق الإنسان أو أمناء المظالم، لتفادي قيام الأفراد بإحقاق العدالة بأنفسهم واللجوء إلى العنف لتسوية خلافاتهم.

في الكثير من الأحيان يعتبر رفض شخص ما لرأي الآخر بمثابة رفض له وذلك بسبب الارتباط العاطفي بالآراء، ما يشعل الغضب ويزيد التوتر ليندلع بعدها العنف في أحيان كثيرة.

وتستدعي مكافحة التعصب التعليم، لأن القوانين ضرورية لكنها ليست كافية لمواجهة التعصب في المواقف الفردية، فغالبا ما يكون التعصب متجذّرا في الجهل والخوف. كما يرتبط التعصب ارتباطا وثيقا، بحسب الأمم المتحدة، بشعور مفرط بالثقة في النفس والغرور، سواء كان شخصيا أو وطنيا أو دينيا، وهي مفاهيم تدرس وتعلم في سن مبكرة، لذلك، لا بد من التشديد أكثر من قبل المراكز التعليمية على توفير المزيد من التعليم الأفضل وعلى بذل جهود إضافية لتعليم الأطفال التسامح وحقوق الإنسان وسبل العيش المشترك. ويجب تشجيع الأطفال، سواء في المنزل أو في المدرسة، على التمتع بالانفتاح والفضول.

مكافحة التعصب أيضا تستدعي النفاذ إلى المعلومات لأن التعصب يصبح خطيرا عندما يتم استغلاله لتحقيق الطموحات السياسية والأطماع في الأرض من قبل أحد الأفراد أو مجموعات معيّنة.

20