الاختلاف لا يعني الاستنقاص

الأحد 2017/01/22
لوحة: مايسة محمد

أولا لا بد أن نفرق بين الأدب النسائي والأدب النسوي. فـ”الأدب النّسوي” هو الأدب المرتبط بطرح ومعالجة قضية المرأة وبحركات التحرير النسوية، وهو نوع من النضال في سبيل حرية المرأة ونصرتها والدفاع عن حقوقها، ومساندتها في صراعها الطويل والتاريخي ضد اللامساواة مع الرجل. وهذا الأدب يمكن أن يشترك في كتابته المرأة كما الرجل: بمعنى كل من يتبنّى قضية تحرير المرأة ويُسخّر قلمه وإبداعه للدفاع عنها، مثلما يدافع عن قضية العمال أو اللاجئين أو أي قضية من قضايا المستضعفين في الأرض. بمعنى هو مرتبط بقضية وليس بجنس معين.

كما أن هناك كتابات نسائية لا علاقة لها بقضية المرأة ولا تحمل بالضرورة همّا نسويا خاصا. ربما تكتب عن قضايا أخرى أو تكتب أدبا يعكس تطلعاتها ورؤيتها للحياة كإنسان متأثر بالمجتمع ومؤثر فيه فقط.

وشخصيا لا يحرجني وصف النقاد لكتاباتي “بالأدب النسوي” وأن أكون من المدافعات عن قضية المرأة ومن أشرس المدافعات أيضا. كما دافعت عن عدة قضايا أخرى في كتاباتي، لأن الكاتب الذي ليس له قضية، ليس بكاتب وإنما هو يلعب لعبة ترصيف الكلمات.

ولكني ألحُّ على أن قضية المرأة عندي تتنزل في صلب المجتمع. وهي قضية مجتمع بالأساس وقضية سياسية أيضا باعتبارها تمس الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة بين البشر.. وليست قضية فرد صادف أن كان امرأة.

وأنا أصنّف ” ككاتبه نسويّة “. ربما لأن أغلب عناويني تحيل على المرأة مثل مجموعتي القصصية الأولى “ليت هندا….” وكتابي الثاني “جسد المرأة من سلطة الانس إلى سلطة الجن” والثالث “سيّدة الأسرار: عشتار” ثم المجموعة الشعرية “أنثى الريح” وسلسلة قصص الأطفال “حكايات فاطمه”.. إضافة إلى عملي كمديرة مركز ثقافي تابع للاتحاد الوطني للمرأة التونسية يحمل اسم “فضاء 13 أوت الثقافي” (و13 أغسطس هو تاريخ إصدار مجلة الاحوال الشخصية التونسية وهو العيد الرسمي للمرأة التونسية) لعل كل ذلك يجعل النقاد يصنفون كتاباتي في خانة الأدب النضالي.

وبالدخول إلى تفاصيل محتوى كتبي نجد أنها في “ليت هندا..” تتناول قضايا المجتمع ككل.. فأغلب أبطال قصص المجموعة وشخصياتها من الرجال وهي تعالج قضايا اجتماعية ومسائل فلسفية وتطرح أسئلة وجودية مثل قصة “عزرائيل والكاتب” وتعالج مشكل الطبقات الاجتماعية والتمييز العنصري ومشاكل العمال وسوء توزيع الثروات إلى غير ذلك. أما كتابي الثاني “جسد المرأة من سلطة الإنس إلى سلطة الجن” فهو يعالج بامتياز قضية المرأة وعلى وجه التحديد حالة النساء المسكونات بالجان، في مقاربة علمية سيكولوجية وفلسفية أنتروبولوجية. باعتبارها حالات باتولوجية تستدعي التحليل النفسي.

ثم تأتي “سيّدة الأسرار: عشتار” وهي رواية/مسرحية مستمدة من ميثولوجيا حضارات الشرق القديم وبالذات من حضارتي سومر وآشور حينما كانت الأنثى -آلهة- وقد قصدتها فعلا لأعيد الاعتبار إلى المرأة المهانة في ذاتها وفي جسدها في عصرنا الحاضر. وهي تروي قصة حب عظيم عاشته ربة الحب والخصب عشتار مع تموز، ولكنه في النهاية الحب العظيم الذي تحلم به كل امرأة وكل أنثى.

نص كتب بحب في مديح الحب والأنوثة كما جاءت في ألواح وملاحم العصر القديم مع فطرة البدايات، قبل أن يدخل الجسد والجنس بوتقة المدنس والمقدس والحلال والحرام والطمس والممنوعات التي حطت من شأنه وشوّهته. حين كان الجنس رمز الخصوبة والتكاثر وتعمير الكون. وحين كانت عشتار ربّة الخصب والحب والأرض والزرع.

لوحة: مايسة محمد

وهي ملحمة شعرية في مديح الأنوثة كما وصفها النقاد الذين احتفوا بها كثيرا واعتبروها نوعا من الكتابة الإيروسية المتحررة وقد وصفها الناقد كمال الرياحي أجمل وصف حين قال “نص في مديح الجسد الحرّ، الجسد العاشق والجسد المنفلت من القيود والأسيجة. نص طليق في مديح الشبق المطلق يكتب أولى بنود دستور دولة الشهوة العظمى”. وأضيف نص في أنسنة الجنس والجسد أيضا. (وقد طبعت 10 طبعات ما بين تونس والإسكندرية والقاهرة وترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية).

أمّا ديوان “أنثى الريح” الشعري فهو دعوة المرأة للتحرر مرة أخرى من كل ما يعرقلها من قيود المجتمعات البطريركية التي تشدها إلى الوراء في حركة ردة تعاكس كل تطور طبيعي وتعاكس اتجاه الطبيعة والريح الذي يدفع باتجاه العواصف والزوابع.. لتفجر طاقاتها الرهيبة التي طمسها مجتمع الذكور، على مدى القرون وهي الآن تندفع بكل قوة الحرمان والتحدي تبدع وتفتح عوالم جديدة كانت مغلقة دونها.

أما “الأدب النسائي” فمصطلح مغرض اخترعه النقاد الذكور للفصل بين أدب وأدب بين ما يكتبه الرجل وما تكتبه المرأة على أساس جنسي بحت وهذا نوع من الحيف والتمييز البغيض. لأن التمييز يجب أن يقوم على شروط إبداعية جمالية بحت، في التمكن من الأدوات التقنية وامتلاك اللغة وتطويعها وتخصيبها، ولا علاقة له بجنس الكاتب. ولا يجوز تجزئة الأدب بأيّ حال من الأحوال. وحيث أنه لا يوجد مصطلح يقابل ما يكتبه الرجل ولم نعرف تسمية تقول بأدب الرجل أو أدب الذكور فإنّ هذا المصطلح يفضح النوايا المبيّتة المتضمنة لتصغير وربما لتحقير ما تكتبه المرأة ونعته بمصطلح الأدب النسائي وربما أزاحته من المدونة الإبداعية أيضا والتي يريدونها أن تبقى مدونة ذكوريّة. إذ برأيهم أن الأدب الذي يكتبه الرجل هو الأدب الأصل. هو الجوهر وهو الأدب الإنساني الأساسي وما تكتبه المرأة مجرد ملحق لما يكتبه الرجل وتابع لهذا الأدب الأصلي الكبير عندهم.

وما التركيز على انتشار هذا المصطلح إلا تكريس لعقلية الوصاية في المجتمعات البطريركية والنظرة الدونية للمرأة على أساس كونها كائنا من درجه ثانيه. وهذا من رواسب عقلية مجتمع الذكور والثقافة العربية المعادية للمرأة التي تؤلّه الرجل وتحطّ من قيمة المرأة. فلا نستغرب أن يطلع علينا بعض ذكورها من الكتاب بهذا المصطلح، ليجعلوا من أدبها ملحقا من درجة ثانية. وبذلك لا تعدو المؤسسة الثقافية الأدبية أن تكون سوى نسخة مصغرة من عقلية القبيلة وترسيخ واستمرار لها.

ومن هنا أنا أرفض التسمية والمصطلح رفضا باتا احتراما لقلمي ولنصي الذي لا أقبل له أن يكون ملحقا أبدا. ما دمت أقدم مثلما يقدم الرجل مواضيع تمس قلب المجتمع والعمق الإنساني وهذا الشرط الأساسي للأدب، إضافة إلى الشرط الإبداعي الجمالي طبعا وربما أغوص في مواضيع لا يعرفها الرجل باعتباري أتميز عنه بتجربة الخلق والولادة.

لكنني أومن بمبدأ الاختلاف كامتداد طبيعي لثنائية الكون القديمة التي تضمن الاستمرار والتنوع: مؤنث/مذكر وأؤمن بالخصوصيات لكل من الرجل والمرأة دون أن يعني ذلك الاستصغار والاستنقاص أبدا وإنما التنوع والإثراء والتلاقح والإخصاب. فمن حق القارئ أن يرى العالم من وجهتي نظر مختلفتين لا من وجهة نظر أحادية. إذ لا فائدة أن نكون نسخ كربون من بعضنا البعض نساء ورجالا.

الطبيعة حبتنا بالاختلاف والتنوع فيجب أن نبرز هذا التنوع وأن نظهره في كتاباتنا دون خجل من ذواتنا. وإن خُلقت امرأة فتلك مصادفة طبيعية جميلة لا يجب أن أطمسها. فأنا أكره التشبه بالرجال أو أن أكتب مثل الرجل. وهو ليس دائما المثل بالنسبة إليّ لا في الحياة ولا في الكتابة.

عندما أكتب أحبّ أن ألامس العمق الإنساني بأناقة أناملي كأنثى. والنص عندي هو امتداد لجسدي فأنا أكتب بوهج أنفاسي المتصاعدة من مسام جلدي وأكتب بكل حواسي وعقلي وشراييني وقلبي وتلافيف الفكر ومنعطفات الذاكرة وعمق الوجدان، بكل تفاصيل تلك الذات التي لا يمكن أن تشبه ذاتا أخرى أبدا، ككل الكائنات في الطبيعة تماما. وكذلك الشأن بالنسبة إلى الرجل أيضا. على كل كاتب أن يحافظ على خصوصيته بالإضافة إلى مواقفه ورؤيته للحياة بطبيعة الحال، والنص هو ترجمان كل ذلك. والكتابة هي امتداد للفعل الطبيعي الأصيل أو هي صقل الفعل الطبيعي الخام.

وأنا أحب أن يجد القارئ تلك اللمسة الأنثوية في كتاباتي ويشمّ رائحة الأنثى في ثنايا سطوري فالكتابة هي عطرنا الداخلي في النهاية.

كاتبة من تونس

ينشر المقال بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

12