الاختناق التاريخي، ثقافة توفيقية مخادعة

الأحد 2014/08/24
العمل في الحقل الثقافي بآليات السياسة يقود إلى إنتاج معرفة زائفة

لا شك أن العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية، ومن ثم العلاقة بين حقل ثقافة وحقل السياسة، علاقة متشابكة ومعقدة لما يتم التوصل بعد إلى وضع نظريات شاملة حولها، إلا أن هذه العلاقة كانت ولا تزال تتسم بالصراع والتضاد من جهة، وبالاستخدام المتبادل والتوظيف وتداخل الأدوات والمناهج من جهة أخرى، ويكون لهذا التفاعل بين السياسي والثقافي أثر حاسم في مراحل التحولات الكبرى التي تعيشها المجتمعات، وفي لحظات الانفجار الاجتماعي التي تكشف قصور المعرفة السائدة عن تلبية متطلبات الحياة، وتفتح الباب لإنتاج معرفة جديدة، ومن ثم انتظامٍ سياسيٍ جديد.

إذا كان المثقف هو “الإنسان المنخرط -بطريقة أو بأخرى- في عملية إنتاج الوعي” على حد تعريف الراحل نصر حامد أبوزيد، فإن حقل الثقافة هو حقل إنتاج المعرفة والفكر، أما السياسة فهي حقل تحقيق الممكن، وحقل البحث عن نمط اجتماعٍ سياسيٍ ما، عن تأسيس سلطةٍ والدفاع عنها، ومن ثمة السعي لتأبيد هذه السلطة بالاستناد إلى هيمنة “معرفة وخطاب نُخَب السلطة”، ويستخدم السياسي في نشاطه آليات توفيقية تسعى إلى حل مشكلات الواقع بما يؤدي إلى بقاء سلطة أو تأسيس سلطة جديدة، أما المثقف فيُفترض به أن يسعى إلى معرفة المزيد من الحقائق، وهو ما لا يُتيحه السلوك التبريري النفعي الذي يسلكه السياسيون.

لا أتحدث هنا عن مثقف السلطة، أو مثقف البلاط، فهذا يسخِّر ما يملكه من معرفة وفكر في الدفاع عن السلطة القائمة، ومن ثمة يصح القول إنه يعمل في حقل السياسة لا حقل الثقافة، لأنه يسعى لإنتاج المعرفة التي تخدم السلطة وديمومتها، ومن ثمة فإنه ينتج المعرفة بآليات السياسة نفسها، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس ثمة فصل قاطع بين حقل الثقافة وحقل السياسة، ذلك لأن ممارسة الثقافة في ذاتها ممارسة سياسية بوجه من الوجوه، كما أن الاشتغال بالسياسة غير ممكن دون قاعدة معرفية، لكن المقصود أن لإنتاج المعرفة آلياتٍ وأهدافاً تختلف عن آليات الاشتغال بالسياسة وأهدافه.


التوفيقية المخادعة

ليس ثمة فصل قاطع بين حقل الثقافة وحقل السياسة، ذلك لأن ممارسة الثقافة في ذاتها ممارسة سياسية بوجه من الوجوه


ولكن هل ينجو بالضرورة مثقفو المعارضة من “إنتاج المعرفة بآليات السياسة”، أعني معارضة السلطة القائمة؟ لعل إطلالة سريعة على مجمل خطاب المثقفين المعارضين للسلطات العربية القائمة منذ استقلال الدول العربية وحتى اندلاع الثورة التونسية يقدم إجابة سريعة على هذا السؤال، لا أتحدث هنا عن المعارضة السياسية، فهذه تشتغل بالسياسة، ويفترض بها أن تستخدم آليات السياسة، لكنني أتحدث عن العاملين في حقل الثقافة، الذين يصح القول إن أغلبهم عملوا لعقود في حقل السياسة في واقع الأمر، فأنتجوا معرفة توفيقة مخادعة تسعى لتجنب بطش السلطة أحياناً، وأحياناً تسعى إلى فتح آفاق للتغيير، لكنها فشلت وتفشل لأن عينها كانت دائماً على تأسيس سلطات جديدة على أنقاض السلطات التي تطالب بتفكيكها، ولم تكن عينها على سلوك طريق معرفة الحقائق، وإنتاج معرفة حرة من كل قيد سلطوي.

بعد اندلاع مع سمّي بالربيع العربي، وتطوره من مظاهرات سلمية وصراعات سياسية إلى إعادة إنتاج ديكتاتوريات جديدة في بعض الدول، وسير بعضها الآخر على طريق انتقال ديمقراطي متعثر، وإلى ثورات مسلحة عنيفة في دول أخرى، بدا واضحاً أن الأفق التاريخي الذي انفتح لن يقف عند حدود تمرد مسلح هنا، واستبدال رؤوس أنظمة برؤوسٍ غيرها هناك، بل إن الأمر يرقى ليكون فاتحةً لتحول سياسي واجتماعي حاد وخاصة في دول المشرق العربي التي يبدو بعضها على وشك الانهيار والتفكك، وذلك يعني أنه لم يتم إنتاج معرفة جديدة يمكن الاستناد إليها من قبل السياسيين في البحث عن أسس انتظامٍ سياسي جديد، بل إن معرفة النخب الثقافية العربية بمجتمعاتها، والحلول النظرية المقدمة للخروج من الاختناق التاريخي تبدو قاصرة وعاجزة، وهو الحصاد المر لإنتاج المعرفة بآليات السياسة طيلة عقود من هيمنة أنظمة الديكتاتوريات العسكرية على كثير من الدول العربية.


صراع هوياتي

في لحظات الانفجار الاجتماعي يتكشف قصور المعرفة السائدة عن تلبية متطلبات الحياة، وفتح الباب لإنتاج معرفة جديدة، ومن ثمة انتظام سياسي جديد


لم تندلع الثورات العربية بهدف الانتقال إلى الديمقراطية كما يحلو لكثير من المثقفين القول، لكنها اندلعت رفضاً للأوضاع المزرية التي تعيشها الشعوب العربية، اندلعت على طريق تفكيك أو تحطيم السلطات التي استبدت بهذه الشعوب وأوقفت نموها وتقدمها وفعاليتها التاريخية، أما الانتقال إلى الديمقراطية فهو الحل الذي يفترض أن تقدمه النخب الثقافية على أسس صحيحة وتضعه بين أيدي السياسيين لصياغة منظومة جديدة لاقتسام السلطة والثروة على أسس ديمقراطية، وقبالته طرحت نخب أخرى حلولاً غير الانتقال نحو الديمقراطية، من بينها تأسيس دولة الخلافة الإسلامية مثلاً، فضلاً عن الطروحات المائعة غير المحددة، التي تسعى إلى مزاوجة فوقية بين الديمقراطية الغربية والإسلام السياسي.

لعل أول ملمح من ملامح استمرار النخب الثقافية العربية في العمل على إنتاج المعرفة بآليات السياسة بعد اندلاع الثورات العربية، هو إصرار “الديمقراطي” من هذه النخب على القول إنها ثورات ديمقراطية تفشل نتيجة التآمر عليها من هنا أو هناك، وافتراض أنهم في مواجهة دول وطنية ناجزة لا ينقصها سوى الانتقال نحو الديمقراطية، وهو ما تثبت الوقائع خطأه، خاصة في دول المشرق العربي التي انفتحت الأوضاع فيها على صراعات ذات بعد هوياتي، على أن أغلب هذه النخب يستمر في الإشاحة بوجهه عن القصور في فهم الواقع، وعن النقص في معرفة الحقائق، من خلال عزو كل فشل أو تراجع إلى تدخلات ومؤامرات خارجية سواء كان مصدرها إيران أو الغرب أو إسرائيل، أو كلها مجتمعة. رغم عدم استبعاد هذه العناصر من التأثير البنيوي في ما يجري.


الحقائق كما هي


عندما تعصف رياح التغيير بالمجتمعات وتندلع الثورات وتعمّ الاضطرابات، فإن هذا يعني أن المعرفة السائدة باتت عاجزة عن حل مشكلات الواقع، ومن ثمة يبدأ طريق حل هذه المشكلات بالسعي لإنتاج معرفة جديدة، معرفة جديدة لا يمكن لها أن تتأتى إلا بالانعتاق من ربقة السياسة التي فشلت في حل مشكلات الواقع، ليغدو البحث عن الحقائق كما هي، لا كما يفترض بها أن تكون، ضرورة ملحة ومصيرية دونها لن يكون لعملية إنتاج المعرفة أي تأثير، ودونها لن يفتح الباب نحو تأسيس انتظامٍ سياسي جديد يخرج بالمجتمعات من حالة الاختناق إلى السير على طريق الاستقرار والحياة.

على أن أغلب هذه النخب يستمر في الإشاحة بوجهه عن القصور في فهم الواقع، وعن النقص في معرفة الحقائق، من خلال عزو كل فشل أو تراجع إلى تدخلات ومؤامرات خارجية

يقود العمل في الحقل الثقافي بآليات السياسة إلى إنتاج معرفة زائفة، وهي إذا كانت تدعم السلطة السياسية القائمة، أو تدعم معارضتها في مشروعها للوصول إلى السلطة خلال مراحل الاستقرار الاجتماعي القلق، فذلك لأنها تؤثر في الواقع عبر قنوات السلطة التي تحكم خناقها على المحكومين، لكنها تفقد تأثيرها في مراحل الانفجار الاجتماعي الحاد الذي تتداعى على وقعه أدوات السلطة في الهيمنة والإخضاع، ولا يحافظ على إمكانية التأثير إلا تلك المعرفة الحقيقية بالواقع ومعطياته، التي تترك آثارها، حتى لو كانت مجتزأة وناقصة، على حساب المعرفة الزائفة السلطوية.


مآلات جديدة


في كتابه “النص والسلطة والحقيقة .. إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة”، يقول الراحل نصر حامد أبوزيد قبل نحو ربع قرن من اندلاع الثورات العربية: “لقد آن الأوان أن يعي المفكر والمثقف العربي أن الحاجة إلى قطع الحبل السري الواصل بين السياسي والفكري باتت قضية نكون أو لا نكون”، لكن يبدو أن صرخته تلك ذهبت أدراج الرياح، وإذا كان تورط المثقفين العرب في حقل السياسة على هذا النحو النفعي التبريري مرتبطاً بحالة النكوص الثقافي والاستعصاء السياسي في ظل أنظمة الديكتاتوريات العسكرية، فإن هذا النمط من إنتاج المعرفة بقي سائداً بعد انفتاح الأفق أمام التغيير، وساهم في تعقيد الطريق نحو المستقبل الذي تنفتح آفاقه رغم أنف كل معرفة سائدة وسلطة قائمة على عوالم ومآلات جديدة، ولكن على بحر من الدماء.

11