الاختناق المالي يعيد الجزائر لتجاهل احتجاجات الغاز الصخري

الثلاثاء 2015/02/10
الفساد وسوء الإدارة بددا عوائد النفط والغاز في بلد يعاني معظم سكانه من الفقر

الجزائر- عدلت السلطات الجزائرية عن مواقفها التي أعلنتها الأسبوع الماضي لتفجر الساحة الداخلية في جنوب البلاد، بإعلانها عن مواصلة التنقيب عن الغاز الصخري، وسط مخاوف من نسف التهدئة الاجتماعية وإعادة المفاوضات مع المحتجين إلى المربع الأول.

ذكرت مصادر جزائرية أن التوتر خيم على جنوب البلاد، بعد قرار شركة سونطراك النفطية الحكومية الاستمرار في التنقيب عن الغاز الصخري المثير للجدل، ضاربة بعرض الحائط، كل دعوات التهدئة والتحذيرات من إهدار المال العام في مشاريع تفوق فيها كلفة الإنتاج سعر البيع.

وقال محللون إن مجموعة سوناطراك حسمت الأمر بشكل لا رجعة فيه، لكنها أحيت المخاوف من عدم وجود قرار سياسي جدي لوقف عمليات التنقيب، بعد أن سرت في الأسابيع القليلة الماضية، أنباء تفيد بأن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قرر تجميد مشاريع التنقيب، ما أفضى إلى هدوء نسبي للاحتجاجات في الجنوب.

وأضافوا أن القرار سينسف هذا الهدوء، وسيعيد المفاوضات الحكومية مع المحتجين إلى المربع الأول، وقد يدفع الرافضين لمشاريع التنقيب عن الغاز الصخري إلى تصعيد غير مسبوق.

وفشل أمس وفد برلماني ترأسه جمال بوراس، نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، في إثناء سكان منطقة عين صالح في جنوب الجزائر، عن قرار الخروج في مسيرات حاشدة، احتجاجا على قرار مجموعة سوناطراك، التي تدير ثروات النفط والغاز في البلاد.

واتهم المحتجون السلطات بالمماطلة وبتهميشهم تنمويا، وبتجاهل مطالبهم الرافضة لمشاريع التنقيب عن الغاز الصخري بسبب أخطاره البيئية، فيما وجد الوفد البرلماني صعوبة في الحوار مع ممثلي المحتجين وفي الخروج أصلا من الفندق إلى شوارع عين صالح. ولم تهدأ تطمينات خليل قرطبي مدير تقنيات الإنتاج في سوناطراك المخاوف من الأخطار البيئية على السكان وعلى المياه الجوفية، التي ستترب على عمليات التنقيب.

منير حراق: غياب العقلانية في إدارة قطاع النفط والغاز حوله إلى لعنة

وقال قرطبي، إن سوناطراك أحاطت كافة أعمدة البئر النموذجية في عين صالح بجدران إسمنتية، حيث تم ردم كل أنبوب بأربعة جدران مع العلم أن البئر الواحدة تتضمن 4 أنابيب وهو ما يمنع تسرب السموم إلى المياه الجوفية عبر 16 جدارا.

واعتبر جانب من المعارضة قرار سوناطراك الحكومية، قفزة إلى المجهول، ومغامرة تدفع نحو ضرب السلم الأهلي، متسائلين عن جدوى التنقيب بوسائل تقنية محدودة ومرتفعة المخاطر من الناحية البيئية؟

لكن سعيد سحنون، المدير التنفيذي لسوناطراك، اتخذ قراره متجاهلا ردود الفعل التي قد تكون عنيفة، وقال إن المجموعة لن توقف أشغال الحفر في آبار استكشاف الغاز الصخري في عين صالح (2000 كلم جنوب العاصمة) رغم احتجاجات السكان القريبين من مواقع الحفر، مؤكدا أن الشركة ستنتقل أيضا إلى التنقيب في مواقع أخرى.

وأشار إلى أن الجزائر في حاجة إلى استخراج هذا النوع من الطاقة بسبب ارتفاع الاستهلاك المحلي الذي سيبلغ نحو 35 مليار متر مكعب في 2015، ليقفز إلى 50 مليار متر مكعب في 2025.

وتنتج الجزائر التي تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات تصدير النفط والغاز حوالي 80 مليار متر مكعب من الغاز سنويا وقرابة 1.1 مليون برميل من النفط يوميا.

وتأتي الجزائر في المرتبة الرابعة عالميا من حيث احتياطات الغاز الصخري القابل للاستخراج، بعد الولايات المتحدة والصين والأرجنتين. وقدر سحنون هذه الاحتياطيات بنحو 20 تريليون متر مكعب.

وأقر مسؤولون بأن البلاد قد تواجه خلال السنوات القادمة أزمة اقتصادية حادة، وسط مخاوف جدية من تراجع إنتاج البترول بسبب تقادم الحقول النفطية واستنزافها.

ويقول المحلل الاقتصادي الجزائري منير حراق، إن النفط والغاز في الجزائر أصبح يشكلان مصدر قلق للجزائريين، وأضحيا لعنة عليهم في ظل غياب العقلانية والحكمة في تسيير موارد هذا القطاع الحيوي لبناء قاعدة اقتصادية قوية.

سعيد سحنون: لا تراجع عن التنقيب على الغاز الصخري رغم الاحتجاجات

ويشكل قطاع الطاقة أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي وثلثي إيرادات الحكومة، وما يقرب من 98 بالمئة من الصادرات، في وقت لم ترق فيه جهود الحكومة إلى تنويع مصادر الدخل لمستوى يتناسب مع حجم التحديات والمخاوف.

وكان صندوق النقد الدولي قد توقع أن تبلغ عائدات صادرات الجزائر النفطية في العام الحالي 49.8 مليار دولار بنسبة تراجع تقدر 15.4 بالمئة عن عام 2014، واصفا هذا التراجع بأنه سيكون أكثر حدة، وطلب من الحكومة الجزائرية اتخاذ إجراءات ملائمة للحفاظ على التوازنات الكلية والشروع مباشرة في تطبيق إصلاحات عميقة لتنويع الاقتصاد.

ووضع الصندوق توقعاته على أساس 89 دولارا لبرميل النفط وهو مستوى متفائل جدا مقارنة مع الأسعار الحالية.

ودعت مؤسسات دولية أخرى الجزائر إلى إجراء تحوّل سياسي واقتصادي موجّه وحقيقي قبل أن تنفد موارد الطاقة في البلاد، لتفادي حدوث موجة من عدم الاستقرار الداخلي الخطير.

وحذرت من أن الإخلالات الاقتصادية والاجتماعية ستشعل الجبهة الاجتماعية، في ظل تراجع جودة الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة، حيث تتراوح ما بين 21.5 و25 بالمئة.

ولا تبدو المحنة الاقتصادية المحفز الوحيد للسخط، فمشاعر الاستياء متأجّجة أيضا تجاه العقد الاجتماعي الآخذ في التفكك، بسبب تراجع العوائد النفطية التي تخصص منها الحكومة مليارات الدولارات لشراء السلم الاجتماعي.

11