الاختيار، أول تعاقد بين الأطراف

الاختيار عملية معقدة وصعبة جدا في بعض الأحيان، لكنه مهم وأساسي في العلاقات، وهو كالحقيقة واحد لا يتجزأ ولا يتعدد، فأنت لا تستطيع أن تختار شخصين أو طريقين أو حياتين أو موقفين.
الخميس 2018/03/29
الأصل في الحب أن تتمسك بمن تحب

لا أفهم الطبيعة البشرية، ولا أظن أنني سأفهمها يوما، فتقلباتها كثيرة وتناقضاتها أكثر وربما لهذا السبب تخليت عن فكرة فهمها لحساب استيعابها وتقبلها على النحو الذي هي عليه.

مع ذلك أصطدم أحيانا بأشخاص في محيطي يثيرون فضولي ويعيدونني لدائرة التفكير في تركيبة الإنسان ودواخله وتناقضاته.

الأصل في التفكير هو أن نسف كل القوالب الجاهزة والأفكار المسبقة والثوابت التي تكونت لدينا عن شخص أو مجتمع ما، رغم أن المجتمعات على اختلافها تمتلئ بمثل هذه القوالب والأفكار الجاهزة على شكل أمثال وحكم وأشعار وأهازيج وأغان.

كيف يمكن مثلا تفسير التناقضات التي تتعلق بعلاقات البشر ببعضهم؟ هل يمكن أن تحب شخصا وتكرهه في نفس الوقت؟ أو أن تخاف من شخص وتحتمي به في آن؟ هل تستطيع أن تترك أحدهم لأنك تحبه، والأصل في الحب أن تتمسك بمن تحب وترغب في البقاء معه وقتا أطول؟ لماذا يتصرف البشر أحيانا عكس ما يشعرون ؟ أو لماذا يشعرون عكس ما يجب أن يشعروا به؟

لا أحد يملك إجابة، على حدّ علمي، وحتى علم النفس يعجز أحيانا عن تفسير بعض هذه التناقضات وارتباطها الداخلي ببعضها، حتى أن الواحد لا يستقيم دون الآخر.

أعرف صديقا متزوجا أحب امرأة على زوجته، ولأنه أيضا وبالأساس، يحب زوجته ويحترمها فقد أخبرها بعلاقته بالمرأة الثانية وطلب منها وقتا ليحسم أمر مشاعره، فتفهمت زوجته الأوروبية الأمر ووافقت على الانتظار.

 أربع سنوات كاملة وهو يحاول أن يترك المرأة الثانية فلم يفلح؛ يبتعد ويعود، ينسى ويتذكر، يتذكر ويتعذب، وكان كلما ترك حبيبته نفر من زوجته، وكلما اكتفى بزوجته ضاع واكتأب.

في الأثناء كانت زوجته تنتظر، لم تكلمه، لم تسأله، ولم تزعجه في شيء، كلّ ما فعلته هو أنها انتظرته وانتظرت اليوم الذي يأتي ليخبرها فيه أنه يحبها وأنه اختارها هي.

 بعد أربع سنوات حزمت حقائبها وغادرت البيت إلى الأبد ومن دون كلمة واحدة. وبالطبع فقد صديقي توازنه تماما، وتحولت حياته إلى جحيم، فتخلى عن المرأة الثانية بعد أن تلاشى حبه لها، ودخل في اكتئاب مرضي استمر معه سنوات، ثم ترك البيت والمدينة وهاجر من البلد.

لم يستطع صديقي أن يحسم مشاعره من المرأتين وكأن الواحدة منهما تفترض بالضرورة وجود الأخرى، وسقوط أي طرف في هذه العلاقة المركبة يعني سقوط كل الأطراف، وانهيار كل الروابط. وعدم قدرته على الحسم كلّ هذه الفترة قد يكون سببه وجود خلل ما في تركيبته النفسية أو تربيته حال دون ذلك.

الاختيار عملية معقدة وصعبة جدا في بعض الأحيان، لكنه مهم وأساسي في العلاقات، وهو كالحقيقة واحد لا يتجزأ ولا يتعدد، فأنت لا تستطيع أن تختار شخصين أو طريقين أو حياتين أو موقفين.

الاختيار واحد وهو مُناف وملغ لكل ما قبله وسواه. قد يبدو صعبا في بعض الأحيان إلا أنه ممكن، بل وملزم أيضا، لأنه إقرار مشابه لإقرار الزواج، وقد يكون أهم منه، هو أول تعاقد بين الأطراف، وأول الطريق نحو حياة صحيحة، وهو اختبار لقدرتك على الاقتراب من نفسك وتلمس احتياجاتها وفهم حقيقتك، التي هي حقيقة واحدة في كل الأوقات، فلا تكن إلا خيار نفسك، ولا تقبل بعلاقة أنت لست فيها الخيار.

21