الاختيارات الشبابية ترفضها المجتمعات العربية

الأحد 2017/02/19
تحت سقف واحد بسبب أزمة السكن

تعاني الشعوب العربية من هشاشة ثقافية وأخلاقية تجعل الحديث عن ظاهرة المساكنة شائكا، ويثير حالة من الانقسام، حيث يرى البعض أن المساكنة أشد خطورة من الزواج العرفي أو المسيار أو الأم السينغل أو الفريندز، في حين يتّهم البعض من الشباب ممّن يستنكرونها ولا يعترفون بها، بالظلامية والرجعية والتخلف.

ويعود هذا الانقسام إلى أن المجتمعات المحافظة لها قيمها الثابتة المتجذرة، ولا تعترف بالتغيير أو التحول عندما تتعلق الأمور بهويتها الاجتماعية، وبالتالي فالواقع الموضوعي لحالة المجتمع لا يجد تعليلا لهذه العادات والمفردات والمفاهيم الدخيلة عليه، إلا في ذهن من يفكر بها ويقولبها وفق أيديولوجيته الذاتية.

والمساكنة لا تعني بالضرورة -كما يدور في ذهن البعض- وجود علاقة جنسية بين شاب وفتاة يتقاسمان نفس السكن، إذ كثيرا ما تنشأ صداقات بريئة بين فتيات وشبان يقيمون تحت سقف واحد من أجل الدراسة أو العمل، ولا تربط بينهم أيّ علاقات من نوع آخر، سوى تقاسم دفع أجرة السكن.

ومع ذلك فإن المجتمعات العربية المحافظة لم ولن تعترف بظاهرة المساكنة وإن كانت فقط لتقاسم الأجرة، فلا الأسر العربية ستمنح أبناءها هذا الحق، ولا العقلية الشرقية ستتفق معها تحت أيّ مسمى، لا سيما وأن المجتمعات تعاني من الانفصام الفكري الذي يتساهل مع الذكور، على اعتبار أن “الشاب لا يعيبه شيء”، لكنه يهبّ صارخا إذا تعلق الأمر بالإناث “هذا عار وانحلال”، أو “معظم النار من مستصغر الشرر”، أو “أول الغيث قطر ثم ينهمر”.

ولم يمنع هذا الرفض من تسرّب الظاهرة إلى المجتمعات العربية ووجودها على أرض الواقع عبر الغزو الثقافي والتماهي مع الغرب، والتقليد الأعمى لنمط وأسلوب حياتهم، لتكون مؤشرا قويا على اختلاف نظرة الشباب إلى سُلّم القيم الذي يحكم العلاقة بين الجنسين، وترجمة فعلية للانقلاب على القيم السائدة.

وإذا ما أخذنا المجتمع المصري كمثال عن ذلك فلا يمكن إنكار أن هناك تغيّرات جذرية طرأت على شريحة من الشباب المصري، وسببها عائد إلى العديد من الظروف التي عاشها خلال الثورة المصرية في 25 يناير 2011، حيث مروا بحالات تعكس نوعا من المساكنة، حيث كانت تجمع خيمة واحدة كل المتظاهرين من فتيان وفتيات.

المساكنة لا تعني بالضرورة -كما يدور في ذهن البعض- وجود علاقة جنسية بين شاب وفتاة يتقاسمان نفس السكن

وجود الشباب ذكورا وإناثا في خيمة واحدة خلق الكثير من المواقف، حيث برزت للمشهد العام سلوكيات اجتماعية جديدة وغريبة عرفت طريقها إلى حياتهم فيما بعد. كما تحوّلت العديد من المفاهيم الغريبة -مثل المساكنة أو السكن المختلط- من مجرد عدد قليل من الحالات إلى ظاهرة ترضي نزعة التقدّم والثورية لديهم.

ووفقا لما أكدته الكثير من مكاتب السمسرة وتأجير الشقق السكنية، لـ“العرب”، فإن نسبة الشقق خصوصا الموجودة في المدن الجديدة التي وقع تأجيرها إلى شباب وفتيات لا تربطهم أيّ علاقة شرعية، سوى الصداقة، ارتفعت بشكل ملحوظ.

وشدد نبيل فتحي، موظف بشركة الدليل للعقارات، بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، على أن هذه الظاهرة أصبحت منتشرة في أنحاء المدينة كافة، فهناك سكن مشترك يجمع العديد من المصريين شبابا وشابات من الوافدين لاستكمال تعليمهم.

وأوضح لـ“العرب” أن أغلبية من قبلوا هذا النوع من السكن في الماضي، كانوا من جنسيات عربية، سورية وعراقية وفلسطينية.

وبحسب فتحي لا يرى العديد من الشباب في العيش المشترك بين الجنسين، سوى أنه مقاسمة لمكان الإقامة لا غير، ومعظمهم لم يحبذ هذا الأمر أبدا ولم يسع إليه لكنه مجبر على ذلك بسبب أزمة المساكن.

ورصدت “العرب” حالات لشباب وشابات وجدوا في المساكنة، حلا مؤقتا حتى يتابعوا تعليمهم الجامعي، هروبا من ارتفاع أسعار الإيجار، التي تضاف إلى التكاليف الدراسية والمعيشية الباهظة.

وقال كمال أسامة، طالب مصري بإحدى الجامعات الخاصة، لـ”العرب”، إنه يتقاسم مع صديقته أجرة المنزل مناصفة، وكذلك يفعل الكثير من زملائه.

وعلّل ذلك بأن أهله يعيشون بالسعودية، وأهل الفتاة التي تقاسمه السكن مقيمون بالإمارات، وتقابلا في أثناء تقديمهما للجامعة في مصر، وكان كلّ منهما يعيش في شقة بها أكثر من أربعة طلبة، لكنهما عانيا بشدة من سلوك البعض من المغتربين المختلفين عنهما في الجنسية، فقررا أن يستأجرا شقة بمفردهما، وقطعا عهدا على نفسيهما على أن يتعاملا على أنهما أخوان، وأن لا تجمعهما إلا الصداقة والاحترام المتبادل.

وحول رأيه في النظرة المجتمعية لتلك العلاقة، شدد الشاب العشريني على أن “الضرورات تبيح المحظورات”، فارتفاع أسعار الإيجار كان السبب الرئيسي وراء اللجوء إلى هذا النوع من السكن، الذي يرفضه الكثيرون، إلا أنهم يجبرون عليه، في ظل عدم توفر بديل للشباب المغترب.

ولم يختلف معه كريم عماد، الطالب بكلية الهندسة، جامعة القاهرة، حيث أكد أنه لا يهتم بما يقوله الناس، فهو يثق بنفسه وبصديقته، ويعتبرها أختا له، وفي كل الأحوال فالمجتمع ينظر لأيّ علاقة بين شاب وفتاة نظرة متدنية لا تخلو من الاحتقار، لأن تفكيرهم منغلق، ويتمحور فقط حول الجسد حين يتعلق الأمر بالمرأة والرجل، وعلى العلاقة الجنسية التي من الممكن أن تنشأ بينهما.

ويستبعد فكرة أن تجمع بين المتساكنين العلاقات المحرّمة، “لست مُنحلاّ، وما يجمعني بزميلتي هو فقط المذاكرة المشتركة والعمل المتبادل”.

وأكدت سلمى صلاح (طالبة بكلية الصيدلة)، وتسكن مع شباب ذكور، ولا تفضل السكن مع الفتيات، لـ“العرب”، أن الشباب الذكور، يكونون أكثر احتراما لخصوصيتها، وأكثر تعاونا من الفتيات.

ارتفاع أسعار الإيجار كان السبب الرئيسي وراء اللجوء إلى هذا النوع من السكن، الذي يرفضه الكثيرون، إلا أنهم يجبرون عليه، في ظل عدم توفر بديل للشباب المغترب

وتابعت متسائلة “لماذا توجيه اللوم والنقد بدلا من العون والمساعدة؟”، مشيرة إلى أنها لا ترتكب أيّ خطأ، والدليل أن مساكنتها لأصدقائها، تتم بصور علنية أمام أعين الجميع، بينما هؤلاء المنتقدون اللائمون، يفعلون في الخفاء ما ينتقدونه في العلن، كما أنهم لا يدخل ضمن نطاق اهتماماتهم موضوع أزمة الحياة والسكن التي يعانيها جيل الشباب.

وترى سامية الساعاتي، أستاذة علم الاجتماع، في حديثها حول سبب تنامي هذا الفكر الغريب في المجتمعات الشرقية، أن أيّ نظام اجتماعي -كنظام المساكنة أو غيره- يلقى رواجا في بيئتنا الشرقية، عند الفئات الاجتماعية، التي تعيش صراعا قيميا، بين ما هو تقليدي وما هو جديد ومستحدث، بما يتناسب مع حاجات هذه الفئات.

وأشارت الساعاتي لـ”العرب” إلى أن انتشار هذه الظاهرة، عادة ما يتركز بين أفرد الطبقات الغنية من ساكني المدن وليس القرى، كصيغة جديدة للعلاقة بين الذكور والإناث، وكاحتمال آخر للتعايش بينهما بعد قرون طويلة من هيمنة ثقافة “العيب” والقيم والأحكام العرفية السائدة في المجتمع.

وحذرت الساعاتي من التهاون مع مساكنة الشباب والشابات في منزل واحد، وتحت سقف واحد، ويستخدمان المطبخ نفسه، ودورة المياه ذاتها، وأن المكان المغلق عليهما، لأن كل ذلك يخلق أرضية خصبة للاحتكاك الشائك، ومن الممكن أن تتولد عن ذلك مشاكل، مثل الزنا والعلاقات غير الشرعية، حيث يكونان في منأى عن الرقابة الأسرية والدينية.

وألمح محمد مختار، وهو محام مصري، إلى وجود تناقض قانوني في مصر في هذا الشأن، موضحا أن قانون الإيجار لا يتضمن أيّ عقوبة أو مخالفة لمن يقدمون على التسكين المشترك بين شباب وفتيات، بينما القانون الجنائي يعتبرها جريمة خلوة غير شرعية يعاقب عليها بالحبس.

وقال لـ“العرب” إن “هناك بالفعل قضايا تم ضبطها لشبان وفتيات يشتركون معا في السكن، ووجهت إلى أصحابها تهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة يتم إثباتها بسهولة، عندما تتلقى أجهزة الشرطة بلاغات بوجود رجال ونساء يترددون على مسكن معين، وتقوم الشرطة بحملات تفتيشية”.

وأكد بعض من المحللين السياسيين في مصر، أن الثورة المصرية استطاعت أن تحطم الثالوث المحرم “السياسة، الدين، الجنس”، وأن هذا التحطيم يتم حاليا بالتدريج، ابتداء من الانتفاض ضد النظام، مرورا بظهور موجات التمرد كردّة فعل على الحركات الدينية المتشددة، وصولا إلى انتشار ظواهر اجتماعية أصبح الاختلاط فيها بين الولد والبنت أمرا طبيعيا.

وتابعوا في ما يتعلق بظاهرة المساكنة، أن تطور النظرة إليها هو الذي سيحدد ما إذا كانت ستستمر أو ستختفي قريبا، وذلك بحسب قوة الرافضين أو المؤيدين لها في المستقبل، لكن حتى الآن فإن الغلبة هي للتحفظ المجتمعي، والتحريم الديني، ورفض العقل الجمعي العربي لها، إذ مازال الناس ينظرون إلى أنه إذا وُجد رجل وامرأة معا في مكان واحد من دون زواج فإن الشيطان المتربص سيكون بينهما دائما.

كاتبة من مصر

20