الاختيار المر بين إنقاذ العراق وشهوة الانتقام

الاثنين 2015/08/31

فجر تلكؤ الحكومة العراقية في إصلاح هيكل الدولة المتهالك، مطالب المتظاهرين، التي أصبحت تهدد ما تبقى من أجهزة الدولة المترهلة بالانهيار، بعد أن تناسلت وتعددت من تحسين الخدمات ومحاسبة الفاسدين إلى اجتثاث جميع العملية السياسية والدعوة إلى انتخابات جديدة.

إذا كان العراقيون اليوم بين خيار الانتقام أو إنقاذ البلاد وتعقب أموال الدولة المنهوبة، فإنهم سيحققون نتائج أكبر بكثير، إذا قللوا من شهوة الانتقام، وأعلنوا أنهم لن يحاسبوا أحدا، على الأقل في الوقت الراهن.

الجميع يعلم أن النظام الفاسد يمكن أن يفسد كل من يدخل فيه، وأن معظم الشرفاء والوطنيين، لو كانوا قد دخلوا في العملية السياسية، لكانوا قد فسدوا، أو تم اغتيالهم. لذلك على العراقيين أن يسارعوا إلى طي صفحة الماضي بأسرع وقت ممكن.

لن يتمكن المحتجون البريئون من تحقيق جزء بسيط من مطالبهم إذا لوحوا بالانتقام. لأن جيش من تسلقوا إلى المناصب سيتمترسون في مواقعهم، ولن تتم إزاحتهم إلا بدمار شامل لجميع أجهزة الدولة، ولن تكون النتيجة أفضل من الوضع الكارثي الحالي.

وسيدافع من سرق دينارا واحدا عمن سرق تريليون دينار، خشية أن تصل النار إليه في وقت لاحق، وستتوحد جهودهم لتمنع أي جهد للإصلاح باستثناء بعض العمليات التجميلية التي شهدنا بعضها في الأسابيع الماضية. لذلك على المتظاهرين أن يختاروا بين الانتقام وبين إنقاذ البلاد!

خطورة انفجار مطالب المتظاهرين، تكمن في استحالة تنفيذها، إذ كيف سيتمكن رئيس الوزراء حيدر العبادي من اجتثاث جميع الطبقة السياسية المحيطة به، والتي مدت أجنحتها في جميع المؤسسات الاقتصادية والسياسية، ووصلت إلى جميع المناصب الصغيرة والكبيرة.

كيف سيشكل اللجان التي تعيد النظر في كفاءة المسؤولين ومدى صلاحيتهم لشغل مناصبهم؟ وكيف يضمن أن لا تتسلل الطبقة السياسية عبر وجوه جديدة لتقود عملية الإصلاح، بعد أن قادت عملية الهدم؟

لنفترض أن العبادي أقدم على ثورة شاملة تتضمن الدعوة لانتخابات مبكرة، فمن أين سيأتي بكوادر تصل أعدادها إلى عشرات الآلاف من الأشخاص للإشراف على شفافية ونزاهة الانتخابات، والذين يأتون عادة من مؤسسات الدولة.

كيف سنضمن الإشراف على الانتخابات، في ظل تغلغل الأحزاب الطائفية، التي أزاحت جميع الكوادر المهنية من جميع دوائر الدولة، بدءا من المدارس إلى المؤسسات الاقتصادية والخدمية والإدارات المحلية، وقبل ذلك من المفوضية “المستقلة” للانتخابات.

إذا كان اجتثاث معظم كوادر الدولة في عام 2003 وحل الجيش العراقي من الأخطاء الكبيرة باعتراف جميع المحللين، فإن اجتثاثا جديدا، قد يكرر الخطأ نفسه، ويدفع العراق إلى فراغ كبير، ينتهي بتسلق طبقة جديدة من الانتهازيين.

هناك إجماع عالمي على أنه كان هناك مئات الآلاف من الأشخاص، الذين يستحقون العقاب، بعد انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، لكن النظام الجديد بقيادة نيلسون مانديلا، اختار إنقاذ البلاد على حمى الانتقام.

يحتاج العراق اليوم إلى فتح صفحة جديدة، وأن يضع الانتقام جانبا ، ليتمكن من تحقيق نتائج تفوق بعشرات المرات ما يمكن تحقيقه عبر الانتقام.

ينبغي على المتظاهرين البحث عن المفتاح الوحيد لطي صفحة الماضي ونقل العراق إلى مرحلة جديدة. وينبغي أن يدركوا أن تحسين الخدمات ومحاسبة جميع الفاسدين وإصلاح القضاء والعشرات من المطالب الأخرى لن تتمخض عن شيء إذا بقيت المحاصصة الطائفية في هرم السلطة.

البديل هو مطلب وحيد، يؤدي إلى تحقيق جميع تلك الأهداف تدريجيا، وينقل البلاد إلى روح العصر ويصلح تدريجيا جميع مؤسسات الدولة الاقتصادية والسياسية والخدمية، وهو: مطالبة العبادي بالانسحاب من حزب الدعوة.

جميع المطالب الأخرى مستحيلة التنفيذ ولن تسفر عن شيء يذكر. بينما توحيد المطالب في انسحاب العبادي من حزب الدعوة سيجعله يرضخ عاجلا أم آجلا، وحينها سينفتح الطريق أمام عراق جديد، وستبدأ الكوادر المهنية بالعودة إلى جميع مفاصل الدولة، ليبدأ العراق طريقه نحو الازدهار.

عليكم الاختيار بين شهوة الانتقام وبين إنقاذ العراق.

11