الارتباك السياسي يدفع الاقتصاد الروسي إلى حافة الانهيار

الأربعاء 2015/01/21
وصول الأزمة إلى غذاء الروس ينذر بانفجار الاحتجاجات

موسكو- حالة من القلق تسود النخبة الاقتصادية في روسيا، وسط اتهامات للقيادة السياسية بالارتباك في معالجة الأزمة، والبحث فقط عن سد الثغرات لمواجهة الركود، بينما يتجه وضع الاقتصاد إلى المزيد من التأزم.

تتعالى أصوات النخبة الاقتصادية في موسكو، مطالبة الحكومة باستراتيجية واضحة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، في ظل اكتفاء الإدارة السياسية بإجرءات يعتبرها الخبراء غير كافية، ومجرد ترقيع لثغرات الركود.

ويقول مراقبون إن الانحدار السريع لسعر صرف الروبل بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو لتدخلها في الشأن الأوكراني وتراجع عوائدها المالية بسبب انهيار أسعار النفط، أوقع الحكومة الروسية في معالجات مربكة.

وتعتمد روسيا على عوائد النفط والغاز، التي تمثل نحو 50 في المئة من إجمالي إيرادات ميزانية الدولة.

وفي ظل هذه العوامل مجتمعة، حذرت النخبة الاقتصادية الروسية من سيناريو كارثي قد تقع فيه روسيا في الأشهر المقبلة، وقالت إنه نتاج طبيعي لسوء إدارة القيادة السياسية لملف الأزمة.

وشهدت روسيا في العام الماضي هروب نحو 140 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية، وتراجع الروبل بأكثر من 55 بالمئة منذ بداية العام الماضي، رغم إنفاق البنك المركزي لأكثر من 90 مليار دولار للدفاع عن العملة الروبل.

ويبدو أن تلك الخسائر تضاعفت اليوم بعد فقدان سعر برميل النفط نحو 55 بالمئة من قيمته خلال 7 أشهر.

وفي تقييم لحصيلة عام من الكوابيس، نبه الخبراء المشاركون في منتدى “غايدار” الاقتصادي في موسكو، إلى أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، لا ترقى إلى مستوى المخاطر التي تنذر بانهيار فعلي للاقتصاد الروسي. وقال بعضهم إن الحكومة الروسية لا تملك في ظل الاضطرابات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، هامش مناورة لتهدئة قلق النخب الاقتصادية، وطمأنة الشعب الروسي.

وأضافوا أن الاقتصاد قد يشهد انفراجا نسبيا إذا تمكنت الحكومة من خفض المشاحنات السياسية مع الغرب وتخفيف وطأة العقوبات الاقتصادية وتحسين العلاقات الخارجية، لكنه لن يصل إلى مستوى التعافي.

غيرمان غريف: "نحتاج إلى تغيير جذري للسياسة من أجل استعادة ثقة رجال الأعمال"

ويتهم أبرز الاقتصاديين الروس، الحكومة باتباع سياسة نقدية مربكة وإستراتيجية اقتصادية غير فعالة.

وقال غيرمان غريف وزير الاقتصاد الروسي السابق ورئيس مجلس إدارة سبير بنك الروسي: “قرأت كل وثائق الحكومة ولم أر فيها هدف السياسة الاقتصادية”.

ودعا غريف الذي يتمتع بنفوذ لدى الفريق الليبرالي في السلطة إلى تغيير “جذري” للسياسة من أجل استعادة ثقة رجال الأعمال.

وتقول حكومة ديمتري ميدفيديف إن تراجع عوائد النفط والعقوبات الغربية المتصلة بالأزمة الأوكرانية، سيؤديان إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة قد تبلغ 5 بالمئة وقد يصل معدل التضخم إلى 17 بالمئة.

وكان ميدفيديف قد وعد بمساعدة المتقاعدين والعائلات الكبيرة، مؤكدا أن موسكو لا تنوي العودة إلى الوراء وأنها متمسكة بنظام السوق الحر.

ويرى اقتصاديون روس أن التصريحات الرسمية سواء لميدفيديف أو للرئيس فلاديمير بوتين، ظلت في إطار البروباغادا السياسية، ولم تأت بتدابير ملموسة أو إصلاحات مدروسة، وأن الحكومة تركت للوزراء مهمة استخدام الاحتياطات المتراكمة لمعالجة الأزمة واعتماد سياسات التقشف. ونقلت صحيفة كومرسانت عن غيرمان غريف قوله: “حصل ما كنت أتخوف منه، فقد تمحور النقاش بأكمله حول المبلغ الذي يتعين إنفاقه ولأي فترة، وهذا أسوأ نموذج للسياسة النقدية”.

وقال نيكولاي بيتروف، الأستاذ في المدرسة العليا للاقتصاد في موسكو: “لدينا انطباع بأنه ليست لدى السلطة استراتيجية مضادة للأزمة”. وأضاف أن أساس المشكلة في تركيبة الحكومة “التي تمثل مجموعات ليبرالية وأخرى محافظة تنادي بإدارة موجهة للاقتصاد، وأن بـوتيـن يـراوغ بيـنهما منـذ وصـولـه إلى الحــكم قبـل 15 عــاما”.

وتحدثت صحيفة “فيدوموستي” الاقتصادية المرموقة عن وجود إرباك سياسي في التعامل مع الأزمة الاقتصادية، مشيرة إلى أن الحكومة اتخذت تدابير متناقضة بين دعم رسمي لبعض القطاعات ووعود بخفض النفقات.

نيكولاي بيتروف: "لدينا انطباع بأن السلطة الروسية ليست لديها استراتيجية مضادة للأزمة"

وأشارت الصحيفة إلى تناقض خطة وضعتها الحكومة منذ شهر تقريبا لتعويم المصارف، بالتزامن مع دعمها لشركات الطيران والإفراج عن أرصدة تتعلق بمشاريع البنى التحتية.

ويرى مراقبون أن الأزمة الاقتصادية الخانقة دفعت الحكومة إلى الضغط على البنك المركزي، الذي تدخل بضخ مليارات الدولارات لوقف انهيار الروبل. وتسبب ذلك في تراجع احتياطيات النقد الأجنبي في روسيا.

وقد انتهى المصرف الذي تعرض للانتقاد بسبب تأخره في التحرك لمواجهة انهيار الروبل، إلى اتخاذ قرار في منتصف ديسمبر الماضي، رفع بموجبه نسبة الفائدة بشكل جذري من 10.5 إلى 17 بالمئة، وكانت النتيجة أن كلفة الاقتراض أصبحت غير محتملة، وهو ما أدى إلى تفاقم الصعوبات الاقتصادية.

ولجأ المركزي الروسي إلى استدعاء ديمتري تولين أحد مسؤوليه القدامى لإدارة السياسة النقدية.

ورغم إشادة قطاع واسع من النخبة الاقتصادية بتولين، أقر المستشار الاقتصادي للكرملين اندريه بيلوسوف بأن “شخصا واحدا، حتى لو كان مرموقا، لا يستطيع تغيير عمل البنك، خصوصا أن المشكلة لا تقتصر فقط على البنك المركزي، بل تمتد إلى الحكومة أيضا”.

ويؤكد ذلك الرأي الذي يؤكد عدم وجود إستراتيجية تضع حدا لانحدار الأزمة نحو الأسوأ، وسط مخاوف جدية أخرى من تفجر الاحتجاجات مدفوعة بانسداد أفق معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

10