الارتفاع الشديد لحرارة المحيطات يهدد حياة البشر على الأرض

الخطر يحدق بالشعاب المرجانية والحيوانات البحرية، وارتفاع مستوى مياه البحار يغرق السواحل.
الخميس 2018/04/12
دفء مياه المحيطات يؤدي إلى ذوبان الغطاء الجليدي

باريس - أظهرت دراسة حديثة نشرت نتائجها مجلة “نيتشر كومنيكيشنز” أن المحيطات شهدت موجات ارتفاع شديد في درجات الحرارة لفترات أطول وبوتيرة أكبر خلال القرن الماضي، ما قد تكون له “تبعات مدمرة على المدى الطويل”.

وتشير التقديرات إلى أن المحيطات تغطي 70 في المئة من مساحة الكرة الأرضية، وهي أكثر الموائل إنتاجا، حيث تحتوي على 75 في المئة من جميع أنواع الكائنات المعروفة.

وهذه البيئة الفريدة، تؤدي دورا مهما في تنظيم درجة حرارة الكرة الأرضية وهي المنتج الرئيسي للأكسجين.

وبين 1925 و2016، سجلت وتيرة موجات الحر في البحار ارتفاعا بمعدل 34 بالمئة وازديادا في مدتها بنسبة 17 بالمئة، مع تسارع مسجل منذ 1986، حسبما أشارت إليه هذه الدراسة التي قدمت على أنها الأولى من نوعها على المستوى العالمي.

وسجل ارتفاع حرارة مياه المحيطات العالمية في عام 2017 رقما قياسيا آخر، إذ تجدد الحد الأقصى التاريخي الذي وصلت إليه منذ عامين وفقا لمعطيات أكاديمية العلوم الصينية.

وتوافقا مع استنتاجات خبراء معهد الفيزياء الجوية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، فإن الزيادة في حرارة الطبقة العليا من المياه والتي يبلغ سمكها كيلومترين اثنين، تحتوي على طاقة أكبر بـ700 مرة من استهلاك الكهرباء السنوي في الصين خلال عام 2016.

منسوب مياه البحر ارتفع في القرن العشرين بوتيرة لم يسبق لها مثيل منذ 27 قرنا

والتغير في درجات الحرارة كبير ليس من حيث الكم، وإنما من حيث الامتداد إلى أعماق كبيرة، وقد ينذر بآثار كبيرة على البشر والكوكب.

يقول العلماء الصينيون، إن “النظام البحري معرض للخطر، وإن ارتفاع درجة حرارة المياه يشكل خطرا كبيرا على الشعاب المرجانية والحيوانات البحرية التي تعيش عليها”.

ويشير الخبراء أيضا، إلى أن دفء مياه المحيطات يؤدي إلى ذوبان الغطاء الجليدي، وقد يحدث ذلك تغييرات في نظام التيارات تحت الماء، والتي لها تأثير كبير على تنظيم درجة حرارة الأرض.

وتؤدّي المحيطات دورا رئيسيا في ضبط المناخ على كوكب الأرض، إذ تختزن جزءا من أشعة الشمس على مستوى خط الاستواء، ثم تتحرك المياه في اتجاه المناطق القطبية وتعيد بث الحرارة لتعدّل بالتالي درجات الحرارة.

ويحذر أريك أوليفييه من جامعة دالهوسي الكندية وهو المشرف على الدراسة، قائلا، “قد تروق للبعض السباحة في مياه دافئة أكثر، غير أن موجات الحر هذه لها آثار مهمة على الأنظمة البيئية والتنوع الحيوي والصيد والسياحة والنباتات المائية”.

ويشير، إلى أن “هذه التبعات تترافق في الكثير من الأحيان مع انعكاسات اقتصادية عميقة”.

ولفتت الدراسة إلى أن موجات الحر هذه متصلة بارتفاع عام في معدلات درجات الحرارة على سطح المحيطات.

وفي وقت تستوعب فيه المحيطات أكثر من 90 بالمئة من الحرارة الناجمة عن مفعول الدفيئة، “من المرجح أن تواصل موجات الحر البحري ازديادها”، بحسب الباحث في جامعة تاسمانيا نيل هولبروك وهو أحد معدّي الدراسة.

والمياه تتمدد مع ارتفاع درجة حرارتها ويعدّ هذا إلى جانب ذوبان الأنهار الجليدية والقمم الجليدية للجبال قوة رئيسية وراء ارتفاع منسوب المياه في البحار.

وتوصلت دراسة نُشرت في مارس 2016 إلى أن منسوب مياه البحر ارتفع في القرن العشرين بوتيرة لم يسبق لها مثيل منذ 27 قرنا.

يقول روبرت كيب، عالم مناخ بجامعة روتغرز، “تشير السجلات إلى أنه من المرجح بنسبة 95 في المئة أن منسوب مياه البحار لم يرتفع منذ ألفين و800 عام مضت على الأقل بالسرعة التي ارتفع بها في القرن العشرين”.

ويرتفع مستوى المياه في البحار بمعدل ثلاثة ملّيمترات سنويا في المتوسط، ولكن بعض الدراسات تشير إلى أن البحار سترتفع بمقدار يصل إلى متر بحلول عام 2100، ما يغرق مناطق شاسعة على السواحل.

تقول مورين رايمو، عالمة المناخ في جامعة كولومبيا، إنه على الرغم من أن السبب الرئيسي في ارتفاع منسوب مياه البحار حتى الآن هو التمدد الحراري وذوبان الأنهار الجليدية، فإن ذوبان الجليد في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية في المستقبل سيلعب دورا أكبر، ولكن هذه التغيرات من المحتمل أن تتكشف في غضون قرون.

وتجيب حول سؤال عن المدى الذي سيصل إليه منسوب البحار، “نظريا، إذا ذاب الجليد الموجود على كوكب الأرض بأكمله، سيرتفع منسوب مياه البحر نحو 55 مترا”، ولكنها أضافت أن هذا من غير المتوقع أن يحدث في وقت قريب.

موجات الحر تؤثر على النظام البحري
موجات الحر تؤثر على النظام البحري

ويمكن لموجات الحر هذه أن تؤدّي إلى ابيضاض في الشعاب المرجانية ونفوق كميات كبيرة من اللافقاريات وزوال غابات وطحالب بحرية. كما أن الأنشطة البشرية لا تفلت من هذه التبعات مع تناقص مخزون الأسماك.

واستند الباحثون إلى بيانات جمعتها سفن ومحطات أرضية إضافة إلى بيانات من الأقمار الاصطناعية، مع المقارنة بتبعات متصلة بظواهر استثنائية مثل تيار إل نينيو الساخن، وهي ظاهرة مناخية بين المحيط الهادئ والغلاف الجوي، وقد يكون لها تأثير على درجة الحرارة والمناخ في العالم كله.

تعتبر المحيطات مخزنا رئيسيا للكربون حيث تمتص كمية كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، وهو الغاز الرئيسي المسبب لظاهرة الاحتباس الحراري، بما في ذلك حوالي ربع الغاز المنبعث من الأنشطة البشرية.

وتختزن المحيطات كمية من غاز ثاني أكسيد الكربون تعادل 50 مثلا للكمية التي يتم تخزينها في الغلاف الجوي، ومعظمها يختزن في المستويات الوسيطة إلى العميقة من مياه المحيطات.

تقول برناديت سلويان من وحدة البحوث البحرية وبحوث الغلاف الجوي في هيئة الكومنولث للبحوث العلمية والصناعية بهوبارت، “هناك كميات ضخمة من الكربون المخزّن في هذه المياه على عمق يزيد على ألفي متر”.

وتضيف “وتُخفض درجات الحرارة المتغيرة من قدرة المحيطات على الاحتفاظ بذلك الكربون وتخزينه كاحتياطي”.

ويعادل غاز الكربون المنبعث من الوقود الأحفوري والناجم عن النشاط الإنساني حوالي ستة مليارات طن سنويا، وهذا جزء ضئيل جدا من الكربون المخزن في المحيطات، والذي يتراوح بين 38 و40 تريليون طن من الكربون المخزن في المستويين المتوسط إلى العميق في المحيطات.

وفي الوقت الحالي بينما تطلق المحيطات غاز ثاني أكسيد الكربون في تيارات المياه الصاعدة من القاع إلى السطح قبالة القارة القطبية الجنوبية والمناطق الاستوائية، فإن المحيطات في أنحاء العالم تمتص إجمالا كميات من الكربون أكثر مما تطلقه.

20