الارتهان للماضي والعداء للمستقبل

الخميس 2014/06/12

خلق الله الإنسان وميزه عن بقية مخلوقاته، بميزة خطيرة لم يميز بها غيره من كائنات الأرض، هي العقل، وجعل أهم ميزة لهذا العقل ألا يتجمد في قالب واحد وإلا لما قال جل وعلا «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، وهو هنا وفي هذا الشأن الذي يخص خير الإنسان وصالحه، يعطي الحق للإنسان في أن يقرر لنفسه قرارا يسبق به مشيئة الأقدار، ولاشك أن هذه الآية تنفع تبريرا وتسويغا لبيت الشعر الذي صار شعارا لثورات الربيع العربي، من تأليف أبي القاسم الشابي، الذي يقول «إذا الشعب يوما أراد الحياة، فلابد أن يستجيب القدر».

ومعنى أن يقفل الإنسان عقله عن استيعاب المتغيرات والمستجدات والأفكار التي يطرحها الواقع، بمعطياته المتباينة والمتواترة التي لا تعرف ثباتا ولا جمودا، وإنما هي كالنهر الذي يتدفق من منبعه إلى مصبه، معنى ذلك هو حكم على فكره بالموت جمودا، قبل موته الطبيعي الذي ينتهي به وجوده في عالم الأحياء، وكثيرا ما خضت جدالا مع بعض أهل الموات الفكري، فلا أجد سبيلا إلى التفاهم أو التعاطي مع عقولهم لأنها غالبا ما أصبحت عقولا جامدة جمود الحجر، وأحاول أن أشرح لهم كيف تتغير الأفكار عبر العصور، ويصبح ما كان مقبولا ومشروعا غير مقبول وغير مشروع، وما كان صالحا في زمن الأسلاف، يمكن أن يصبح فسادا مطلقا في هذا الزمان، وأضرب لهم مثلا جارحا صادما مثل نكاح المحارم، وهو عمل كان موجودا في عصور سالفة مثل عصر الفراعنة عندما نقرأ عن زواج بين الأخ وأخته، بل إنه عمل مارسه أنبياء نجلّهم ونقدرهم مثل سيدنا إبراهيم الخليل أبو الأنبياء، وكان عملا مشروعا ومقبولا بدأت به الخليقة بحكم الضرورة، فلم يكن ممكنا لأبناء سيدنا آدم وأمنا حواء إلا أن يتزوج الأخ أخته، لأنه لا بديل عن ذلك من أجل أن تنشأ البشرية، ونعرف أن سيدنا آدم بجوار أنه أب البشر، فهو أول الأنبياء على الأرض.

وبعد هذه الإحالة التاريخية التي استوجبها ضرب المثال بتلك الأحقاب التاريخية، أقول لصاحبي من أهل التطرف الديني الذي يتحدث بتقديس عن محاكاة السلف، إن نكاح الأقارب، عمل أقره أنبياء ومارسه أنبياء، فهل نعتبر ذلك تبريرا لمحاكاته اليوم، ألا نعتبر من يقوم بمثل هذا العمل اليوم مجرما كافرا بكل الملل والعقائد، وليس بالدين الإسلامي فقط، ويستنكف من ارتكابه حتى أهل الإلحاد والوثنية، لأنه يقع في دائرة الجريمة والسقوط الأخلاقي، وقلت له إن هذا مجرد مثل من أمثلة كثيرة على سلوكيات وأخلاقيات سقطت بفعل تقادم الزمن، ومن يقرأ التلمود والتوراة وكتب العهد القديم، سيجد أمورا أقرها أنبياء يعترف لهم القرآن بالمنزلة الرفيعة، ويحمل لهم البشر جميعا الإجلال والاحترام والتوقير، ومع ذلك فإن لهم ممارسات تدخل، بمقاييس هذا الزمان، في دائرة الإجرام والعته، ولذلك فأن يأتي من يريد أن يرتدي ملابس كان يرتديها نبي الإسلام منذ ألف وأربعمئة عام ونيف أو طعاما كان يأكله، ويريد أن يعتمد هذا اللباس لباسا لأهل هذا العصر، وهذا الطعام طعامهم، فسيكون بالتأكيد ظلما للناس والعصر، لأنك لن تستطيع أيضا أن تستخدم وسيلة المواصلات التي كان يركبها وهي الناقة وأدوات الطهي التي كانت في بيته أو أساليب الإنارة والاغتسال والتنظيف وحفظ الأطعمة وغير ذلك مما كان الإنسان يمارسه في حياته اليومية في ذلك العصر، ولاعتبرناه عتها وجنونا إذا أصر إنسان على أن يقول إن تلك سنن يجب اتباعها، وترك كل شيء غيرها.

والحقيقة أن بعض أهل التطرف يفعلون ما يمكن اعتباره انحرافا بالعقل إلى متاهات العبث واللامعقول، ويقودون أحيانا أمة بأكملها إلى أن تعيش هذا العبث والجنون، كما فعل جماعة طالبان عندما حكموا أفغانستان ومنعوا خروج المرأة من البيت أو مشاركتها في العمل، أو ذهابها إلى المدرسة وحطموا التماثيل ومزقوا الصور، وقاموا كما يفعل بعض المتطرفين في بلادنا العربية، وبينها ليبيا، بهدم المآثر التاريخية، وطمس الذاكرة التاريخية والدينية للأمة.

إن مثل هذه الأعمال التي يمارسها أهل التطرف لا تقتصر على السلوكيات وأساليب المعيشة، وإنما هي رؤية إلى الحياة، تسحب الإنسان إلى كهوف الماضي والإقامة في عتمتها وظلامها، وتسدل حجابا بينه وبين العصر، وتجعل حياته ارتهانا للماضي، ومجافاة وابتعادا عن المستقبل، إن لم تكن معاداة لهذا المستقبل وكراهية له، وإجهاضا لكل فرص التقدم والمضي إلى الأمام.

وإذا كان ثمة إنسان يريد أن يعتمد هذا الفكر وهذه الثقافة أسلوبا لحياته، وطرازا من المعيشة والتفكير يحكم حياته داخل بيته، فليفعل ذلك وهو حر في نفسه وبيته، ولكنه إذا أراد أن يفرضه على الآخرين وأن يسوق إليه وطنا كاملا بكل فئاته وشرائحه، فإن عمله هذا يصبح إجراما في حق الآخرين، وطنا وشعبا، ومن حق هؤلاء الناس استنفار كل ما لديهم من قوة لمحاربته لأنه إذا أراد الموات لنفسه فليمت، وإذا أراد الانتحار معنويا ونفسيا فلينتحر، ولكنه لن يستطيع أن يميت كل أبناء الوطن، أو يدفعهم إلى انتحار يفرضه عليهم فرضا، كما يريد أن يفعل بنا أهل التطرف، من أتباع بن لادن وطالبان وقندهار، وبوكو حرام. وعاشت ليبيا حرة مستقلة، تتطلع إلى مستقبل مشرق وغد أفضل، ومستوى معيشي عصري حضاري، لأجيال اليوم والأجيال القادمة بإذن الله، ولا نامت أعين الجبناء.


كاتب ليبي

9