الازدراء يلاحق منصات التواصل الاجتماعي

إننا أمام علاقة ملتبسة بين المسؤولين والسياسيين وبين منصات التواصل الاجتماعي مع أنها أداة العصر التي لا سبيل لتجاهلها أو عدم الاكتراث لها.
الثلاثاء 2019/10/01
علاقة ملتبسة بين المسؤولين وبين منصات التواصل

 كثير من الذين يمتلكون الجاه والسلطة لا يهمهم أمر منصات التواصل الاجتماعي ولا الصحافة. ربما يعدونها كلها مجرد توابع هامشية لطبقة يغلب عليها أنها بلا حول ولا قوة وخاصة عند النظر إلى منصات التواصل الاجتماعي.

كثير من المسؤولين يأنفون من هذه المنصات والغالبية العظمى منهم ينأون بأنفسهم عنها لأنها لا تليق بمستواهم.

أعرف شخصين اثنين على الأقل أحدهما فقد منصبا حكوميا رفيعا وعاد إلى (قاع) المجتمع وبالتزامن مع هذا التحول أوجد لنفسه مكانا في منصات التواصل الاجتماعي ليثأر من الحكومة ومن المسؤولين الذين أقالوه.

النموذج الثاني على العكس من صاحبنا الأول، فقد كان مثابرا في حضوره على منصات التواصل الاجتماعي فلما تسلم منصبا حكوميا ألغى صفحته واختفى.

تتكرر باستمرار بيانات نفي كثير من المسؤولين بأنهم لا يمتلكون صفحة فيسبوك ولا تويتر ولا انستغرام ولا غيرها وأن الصفحات التي تحمل أسماءهم لا تمت لهم بصلة، إنهم يصدرون صكوك براءة وكأن تلك المنصات تهمة تستوجب البراءة.

ذلك دليل آخر على القطيعة شبه الكاملة للمسؤول عن المجتمع بمختلف فئاته التي صارت تجمعها منصات التواصل الاجتماعي.

من النادر في العالم العربي أن تجد صفحة مسؤول أو سياسي وتكتب له فيرد عليك، لأن أغلب تلك الصفحات -إذا وجدت- يديرها موظفون مهمتهم متابعة نشاطات المسؤول ووضع وتلميع صوره.

الحاصل أننا أمام علاقة ملتبسة بين المسؤولين والسياسيين وبين منصات التواصل مع أنها أداة العصر التي لا سبيل لتجاهلها أو عدم الاكتراث لها ولهذا ليس مستغربا أن كبار قادة العالم لا يستطيعون الانقطاع عن منصات التواصل الاجتماعي لأنها أقرب إلى الرأي العام وإلى رجل الشارع البسيط.

أما في أماكن أخرى فإنها تقلل من هيبة المسؤول ويصبح في حالة تشبه المساواة مع ابن الشعب البسيط، بل تبدو منصات التواصل الاجتماعي وكأنها عيب وأن من يكرس بعض وقته لها كمن يريد تضييع الوقت بما لا ينفع.

أما على صعيد الصحافة فإن الإشكالية تكتسب بعدا آخر، البدلة الصفراء تنتظر الصحافي لمجرد اختلافه مع المسؤول، إنها صحافة خبيثة وإنها مدفوعة الأجر ما دامت لا تجامل المسؤول وما دامت تنتقده وتتفش عن زلاته.

بالأمس كان هنالك حدث هز الرأي العام في العراق وغصت منصات التواصل الاجتماعي به ألا وهو إقالة أحد جنرالات الحرب المحنكين والأكثر شعبية وإعفائه من مهامه في الميدان.

واقعيا لم يثبت أن للرجل صفحة في منصات التواصل الاجتماعي تروج له ولا هو لجأ إلى الصحافة لتهتم بأمره، لكن الشعبية الكاسحة التي يتمتع بها جعلت حضوره أمرا واقعا.

كان مفاجئا أن يعلق رئيس الحكومة على الموضوع وهو يعيب على ذلك الجنرال لجوءه إلى منصات التواصل الاجتماعي وإلى الصحافة والإعلام.

ومع أن الرجل لا تثبت عليه تلك التهمة إلا أن السؤال هو: حتى لو صدقت التهمة بلجوء الجنرال لتلك الوسائط، فلماذا صار ذلك عيبا ولماذا صارت منصات التواصل الاجتماعي عيبا والصحافة والإعلام عيبا؟

المقموعون الذين لا صوت لهم والذين ثقلت عليهم الحياة ومصاعبها ومصائبها، يا ترى من لهم غير هذه المنصات يطلقون من خلالها أصواتهم؟

وهذا الجنرال الذي تدرج في الرتب العسكرية وليس من فئة الدمج وخاض أشرس المعارك وقاتل تنظيم داعش الإرهابي بشراسة وجها لوجه في العديد من الساحات وآثار الجراح المتكررة ما تزال تنتشر في جسمه لماذا يصبح عيبا إن تعاطفت معه الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي؟ ولأن الرجل بلا أتباع ولا حزب ولا كتلة سياسية تحميه، يصبح حراما عليه أن يصبح موضوعه هو موضوع الشعب الأول إذ تصدرت عبارة كما دافعت عنا فسوف ندافع عنك.

هو باختصار رد الفعل العفوي والإنساني الذي صار عيبا وفق قاموس عجيب يستنكف من منصات التواصل الاجتماعي ومن الصحافة مادامت تكشف الحقيقة.

18