الازدواجية الكاشفة في العلاقات بين مصر والسودان

يبدو أمر العلاقات بين مصر والسودان محيرا، فمن يراقب القنوات الرسمية ويتابع اللقاءات التي تتم مباشرة بين مسؤولين في البلدين يتصور أنها على ما يرام وخالية من التوترات، وأن التفاهم في التصورات والتوجهات والتصرفات بلغ حدا كبيرا من التفاهم والانسجام، ويعتقد أن جميع المشاكل العالقة جرى تجاوزها بالحوار، بدءا من النزاع حول مثلث حلايب وشلاتين وحتى العلاقة بالإخوان المسلمين، ومرورا بملف المياه وضبط الحدود.
الثلاثاء 2017/02/07
السير في طريق وعرة

القاهرة - كشفت التصريحات التي أدلى بها الرئيس السوداني عمر البشير لإحدى القنوات العربية مؤخرا، عن جزء مهم غاطس في علاقات بلاده مع مصر، وأكد أن ما يعتمل تحت السطح يسير عكس الاتجاه فوقه، لأن البشير بدا للبعض كمن يريد التصعيد، عندما تحدث عن “سودانية مثلث حلايب وشلاتين”، وألمح إلى دور لجهاز المخابرات العامة المصري في دعم معارضيه.

الظاهر من الكلام أن الخرطوم ترغب في التحرش بالقاهرة، لكن التحليل العميق لطبيعة الخطاب السوداني عموما يكشف على الفور جانب المناورة التقليدي، الذي يتمثل في أن البشير نفسه أشار إلى علاقته الوطيدة بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وأنها “متميزة جدا، وهو رجل صادق في علاقاته”، في محاولة لعدم منح القاهرة فرصة لانتقاده وإحراجه، وإرضاء بعض الجهات الإقليمية التي تردد أنها وعدته بتقديم مساعدات مادية، إذا احتفظ بمسافة في علاقته مع مصر.

الحاصل أن اتهام جهاز المخابرات المصري بدعم معارضيه، ينطوي على تكريس لمفهوم تروجه جماعة الإخوان المسلمين المعارضة، يشي بأن هناك خلافا داخل أجهزة الأمن في مصر، وأن ثمة هوة بين بعضها والرئيس عبدالفتاح السيسي، وكل يعمل في مسار بعيد عن الآخر، خاصة أن حديث البشير سبقته منذ فترة تصريحات تركية ذهبت إلى الطريق ذاته، وجاء عقب اتهامات من جانب إثيوبيا بقيام الجهاز بتحريض معارضي النظام الحاكم في أديس أبابا على الثورة ضده، وهو أسلوب مفهوم ضمن الحرب النفسية التي تخوضها كل من أنقرة وأديس أبابا ضد القاهرة، بسبب موقفها من الإخوان، في حالة تركيا، واعتراضها على المواصفات التي يتم بها تشييد سد النهضة، في حالة إثيوبيا.

الرسائل الكامنة خلف فتح الرئيس السوداني عمر البشير جرح حلايب وشلاتين كانت موجهة إلى أنصاره في الداخل

لكن غير المفهوم أن يأتي كلام البشير بعد اتهامات من قبل المعارضة التي يقودها رياك مشار في دولة جنوب السودان لمصر، والترويج لقيامها (مصر) بقصف معسكرات لها، بما يوحي بأن القاهرة تخلت عن ضبط النفس، وتركت سياسة عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، التي اتبعتها تاريخيا، خاصة أن هناك مئات المعارضين من السودان يقيمون في القاهرة منذ سنوات طويلة ولم تتهم مصر بدعمهم أو تسليحهم، في أحلك فترات العلاقات بين القاهرة والخرطوم، أي بعد اتهام النظام السوداني بالتورط في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995.

علامات استفهام محيرة

تظهر علامات استفهام كثيرة ومحيرة بشأن الغرض من توجيه أصابع الاتهام للقاهرة من قبل عمر البشير الآن، لا سيما أنه أُستقبل في مصر بحفاوة بالغة في أكتوبر الماضي وتم تقليده وسام الشرف الرفيع من جانب نظيره المصري عبدالفتاح السيسي، مكافأة لبعض خدماته المستترة، لذلك يمكن القول إن المسألة تنطوي على أغراض سياسية، أراد من ورائها الإيحاء بأن علاقته مع مصر ليست طيبة.

الرسائل الكامنة خلف فتح البشير جرح حلايب وشلاتين، كانت موجهة إلى أنصاره ومؤيديه في الداخل، وبأنه لن يتخلى عن هذا المثلث، مهما كانت علاقته مع السيسي.

والغريب أن أحدا في السودان لم يتحدث عن مصرية المثلث في أوج العلاقات بين القاهرة والخرطوم دفئا. وفي أحسن الأحوال كان يتم تجاهله وغض الطرف عن التطرق إليه، وحتى الإجراء الذي اتخذه السودان منذ سنوات بعرض الملف على مجلس الأمن الدولي يتم تجديده تلقائيا دون العمل على مناقشته بجدية.

النقطة المهمة في هذا السياق تكمن في نكء ملف حلايب وشلاتين، في محاولة لإحراج القاهرة والرد عليها عقب التلميح في بعض وسائل الإعلام المصرية قبل أيام بأن السودان لا يزال يدعم جماعة الإخوان المسلمين، ويوفر لها ملاذا آمنا، ويقيم معسكرات تدريب للعشرات من شبابها في أراضيه، وقام بإيواء عدد منهم وإلحاق بعضهم بجامعات سودانية، وكأن البشير يريد القول إن لديه أوراقا فتحها في هذا التوقيت يمكن أن تزعج القاهرة.

أما كلامه عن دعم المخابرات المصرية لمعارضيه، فهو يريد منه تشويه قياداتها، في مقدمتهم الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي، الذي عاد إلى الخرطوم مؤخرا، وينوي ممارسة أنشطة متعددة ضد البشير. بالتالي أراد أن يفقده جانبا من مصداقيته، باعتباره جاء “متآمرا” وبالتنسيق والتعاون مع الأمن المصري، ليقوم بمناكفة نظام البشير.

الواقع أن الرئيس السوداني بدأ يشعر بالتضخم السياسي منذ لقي موقفه السلبي من إيران ردود فعل خليجية، وتلقيه وعودا بالمزيد من الدعم الاقتصادي، وبعد أن أعلنت الإدارة الأميركية السابقة، وقبل أيام قليلة من رحيلها عن البيت الأبيض، عزمها رفع العقوبات عن بلاده في غضون ستة أشهر، بعد نحو عشرين عاما من فرضها.

أصبح النظام في الخرطوم يعتقد أنه سوف يكون “رأس حربة جديدة”، وربما تتم تهيئته للقيام بدور إقليمي، والاعتماد عليه خلال المرحلة المقبلة، وسوف يكون قادرا على إزعاج بعض القوى التقليدية، ولديه من الشراسة ما يؤهله للتعاون في ملف الإرهاب للوثوق فيه، عندما قام بطرد زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن من السودان، وسلم “الإرهابي” المطلوب كارلوس لفرنسا.

لكن فات البشير أن بلاده على فوهة بركان طائفي وعرقي واقتصادي، ويواجه حروبا في عدد من الأقاليم، ووحدة بلاده التاريخية على المحك؛ فانفصال جنوب السودان لم يجلب لنظامه الاستقرار، بل فتح عليه أبوابا كانت موصدة. وجعل الكثير من قوى المعارضة المسلحة تطمح في تكرار تجربة جنوب السودان.

كما أن المعارضة السياسية لم تتوقف عن مواجهته، وتستغل الانتهاكات التي يقوم بها في مجال الحريات وحقوق الإنسان لتثبيت إدانته دوليا. وأصبح مطلوبا من قبل المحكمة الجنائية الدولية، التي تتلكأ في القبض عليه لاعتبارات تتعلق بتوازنات القوى الدولية وحساباتها المعقدة.

العقوبات الأميركية على السودان خدمت النظام وأفقرت المجتمع
وزير سوداني: لا تراجع في عملية رفع العقوبات
الخرطوم - يتطلع السودان إلى تفعيل القرار الذي وقعه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، قبيل انتهاء ولايته الثانية بأيام قليلة، والقاضي برفع العقوبات الاقتصادية الأميركية التي فرضت على الخرطوم قبل حوالي عشرين عاما بتهمة رعاية الإرهاب.

ويعتبر ملف السودان من الملفات القليلة التي وقع عليها أوباما ويوافقه عليها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، حيث يعتزم أن يمضي قدما في تفعيل هذا القرار. وأكّد ذلك بدرالدين محمود، وزير المالية السوداني، مشيرا إلى عدم وجود تراجع في عملية رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان.

وأضاف محمود، في بيان صحافي، أن رفع العقوبات الاقتصادية تم بطريقة مؤسسية “وارتباط السودان بالولايات المتحدة ارتباط مؤسسي عبر لجان مؤثرة بين الجهات العليا بطريقة مؤسسية عبر خارطة طريق”.

ويعاني السودان من أزمة اقتصادية بعد انفصال جنوب السودان في 2011، وفقدان ثلاثة أرباع موارده النفطية. ويتطلع السودانيون إلى رفع العقوبات على أمل أن تقلل من ضغط الأزمة الاقتصادية التي قصمت ظهرهم وعقدت عليهم الحياة في ظل نظام يحكم البلاد بقبضة من حديد.

تضخم سياسي

الازدواجية لا تتوقف عند ممارسات البشير، لكن أيضا تمس وترا حساسا في بعض التحركات المصرية، حيث يؤكد الخطاب الرسمي الظاهر للقاهرة أن العلاقات مع الخرطوم جيدة، والتفاهمات كبيرة في ملفات متعددة، في حين تظهر الغصة من وقت إلى آخر في ممارسات وإشارات وتلميحات معينة، فهناك غضب مكتوم من العزف أو التوظيف المفتعل من قبل البشير وعدد من قيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، لمثلث حلايب وشلاتين، كلما حاولوا دغدغة مشاعر المواطنين، وإقناعهم بأن الخرطوم لن تفرط في أراضيها، حتى لو لم تكن لها سيطرة فعلية عليه.

وتسببت بورصة المزايدات التي يتعمد دخولها بعض المسؤولين في توتير العلاقات مع القاهرة، والخاصة بملف التيار الإسلامي، وفي عدم الثقة تماما في توجهات الخرطوم، وهناك قيادات في الحكم لا تزال محسوبة عليه، وأن محاولات التهميش أو ما يوصف بـ“الإقصاء” نحّت جانبا بعض الوجوه لكنها حافظت على وجوه أخرى متشددة، كما أن الممارسات على أرض الواقع لم تقترب من هذا التيار، وربما أفسحت له مجالات مواربة للحركة، لأنه الجهة الوحيدة التي تمثل الثقل الشعبي للنظام الحاكم، ودونها سيكون مكشوفا أمام المعارضة.

علاوة على أن ملف سد النهضة، لم ترض القاهرة حتى الآن عن الخطوات التي اتخذتها الخرطوم بشأنه، سواء في اتجاه التنسيق المشترك، أو التكاتف للوقوف في وجه إثيوبيا، التي تستند في تصرفاتها أحيانا إلى المؤازرة السودانية، وبلغت أن الخرطوم تُعتبر واحدة من الدوائر الداعمة لها في هذا المشروع، بذريعة أنه لن يسبب ضررا فادحا للسودان، وربما يجلب له مكاسب في المستقبل.

اللافت أن الموقف المصري الحقيقي (الرسمي) لا يثق في نوايا السودان، لكن صناع القرار أمام خيار صعب، إما الاحتواء قدر الإمكان، وإما المواجهة الحاسمة. وتم اللجوء إلى الخيار الأول، بحسبانه يؤدي إلى تخفيف الخسائر، لأن الدبلوماسية الناعمة الأفضل في هذه الحالة، فخيار المواجهة الصريحة والمفتوحة (الثاني) يفضي إلى المزيد من الخصومة والعداء، ويجعل السودان يتخلى عن حذره النسبي ويجعل ظهره للحائط دون أن يملك ما يغريه على ضبط تهوره، وبالتالي من السهل أن ينجرف وراء من يقفون خلفه.

وخطورة هذا الخيار أن هناك جهات تضغط على السودان سياسيا وتغريه ماديا، للابتعاد عن مصر، والعمل على مضايقتها، وهو ما تدركه القاهرة بوضوح، وتلقت إشارات بشأنه. وتزداد سياسة التريث المصري أهمية، في ظل امتلاك السودان ملفات حيوية يستطيع التأثير فيها، قد تمثل منغصات قوية لمصر، في حال توظيفها سياسيا بطريقة شرسة، فهناك حدود طويلة بين البلدين يمكن أن تكون مدخلا لتسلل أعداد كبيرة من الإرهابيين، في وقت تخوض فيه أجهزة الدولة مواجهات أمنية ضارية.

ناهيك عن العلاقة التي تربط الخرطوم ببعض الجماعات الإسلامية في ليبيا، والتي يتردد أن السودان يمكن أن يلعب دورا في احتمال احتوائها خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي قد يكون على حساب مصر، سواء من ناحية دورها السياسي في الأزمة الليبية أو من زاوية تعرضها لمضايقات من جانب حركات جهادية عبر الحدود الليبية والسودانية، بالإضافة إلى ملف المياه الإستراتيجي الذي يمس عصب الأمن القومي المصري، وتسعى القاهرة للحد من الخسائر المتوقعة، في وقت تعاني البلاد من نقص المياه وأزمات اقتصادية ومشكلات اجتماعية وعرة.

من المتوقع ألا تستمر العلاقات بين البلدين على هذه الوتيرة المتذبذبة، التي تعتمد على الازدواجية كوسيلة وحيدة لعدم تفجير الأزمات المعلقة، لأن القضايا الخلافية غاية في الأهمية، وتصعب مواصلة ضبط النفس معها، ولأن كل طرف يفضل المراوغة وعدم المصارحة والمكاشفة في هذا التوقيت، منتظر أن تنفجر الملفات المؤلمة في أي لحظة، وقتها يتحتم على كل دولة مواجهة الحسابات المؤجلة والمصير المحتوم للقضايا المعلقة.

كاتب مصري

7