الاستبداد والتلوّن.. النظام السوري نموذجا

الخميس 2014/01/09

استطاع الاستبداد العربي عبر مسيرة طويلة أن يخلق الذرائع لتبرير ديمومة سيطرته وهيمنته على مقدرات الدولة والمجتمع. لنأخذ الحالة السورية كنموذج من استبداد لا زال الشعب يعاني استمراره عبر ما نشهده من كارثة إنسانية قلّ نظيرها في العالم وهي الأكثر فظاعة والأكثر تجاهلا وتغاضيا على الإطلاق من المجتمع الدولي.

النظام السوري، الذي تستر خلف يافطة الوحدة العربية عبر واجهة حزب البعث العربي الاشتراكي، حاول أن يبرر وجوده بالدعوة إلى الوحدة العربية. فمن مشروع الاتحاد الثلاثي بين مصر وسوريا وليبيا في بداية السبعينات، إلى مشروع الوحدة مع الأردن، ثم إلى مشروع الوحدة مع العراق في نهايتها، إلى خوض حرب عام 1973 مع ما رافقها من بروباغندا الانتصار، إلى طرح مشروع جبهة الصمود والتصدي مع ليبيا القذافي واليمن الجنوبي والجزائر في أواخر حقبة السبعينات، مع ما رافقها من شعارات صمت آذان الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج وقوامها النضال ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية، وصولا إلى طرح شعار المقاومة والممانعة في التسعينات الذي مازال ساريا إلى يومنا الراهن مع خفوت بريقه وغياب رصيده المعنوي والجماهيري.

إلا أن الثورة السورية المباركة قد أسقطت كل أوراق التوت التي كان يتستر بها النظام، فلجأ إلى نعت الثوار بالمندسين ثم بالجراثيم ثم بعملاء الامبريالية والصهيونية، وتسويق مقولة أن هناك مؤامرة كونية على سوريا- النظام. ولكن الآن تكشفت كل أوراق النظام، إذ بات يركز على الإرهاب ومكافحته في سوريا، وكأن الإرهاب شيء خرافي سقط من السماء على الأرض السورية وعاث قتلا وفسادا وتشريدا في الشعب وخلق أزمة خانقة للنظام. هكذا يريد أن يصور المشهد بعد أن أمن عدم قيام الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بضربه عسكريا (وخاصة بعد استخدامه الأسلحة الكيميائية بموجب خطوط أوباما الحمراء التي تحولت إلى ما دون الخضراء) وأمن أيضا عدم اشتداد عود المعارضة بتوقف أميركا عن دعمها بالسلاح، ولا حتى التحرك الدبلوماسي الضاغط والقوي. وهو نفس النظام الذي وافق ومن ثم دمر ترسانته الكيماوية بموجب الاتفاق الروسي- الأميركي بعد أن صدع رؤوسنا بموضوع التوازن الإستراتيجي مع إسرائيل عبر عصر جيوب المواطنين السوريين، وذلك حفاظا على كرسي الحكم.

ومن المستغرب حقا عدم تركيز الكتاب العرب وباحثيهم ومفكريهم على هذه النقلات الشعارية التي كانت تراعي كل مرحلة يمر بها النظام، متجاهلا ومستغبيا كل جموع الشعب السوري، إلى درجة أن عنصر المفاجأة للعامة من الناس كبير جدا وصاعق بسبب عدم قيام المفكرين والكتاب العرب بتناول النظام السوري، وتحليل انتقالاته الانتهازية ومتاجرته بقضية فلسطين ولبنان والعراق، والوصول أخيرا إلى حافة الهاوية وكسب ود الغرب وإظهار نفسه ضحية إرهاب هو الذي صنعه بنفسه ليعيث فسادا وخرابا في لبنان والعراق وغيرها من الدول.

بات النظام اليوم عاريا بصورة فاقعة من المبرر الإقناعي للشعب السوري ولكل المتابعين وبخاصة العرب منهم، ذلك أنه هو نفسه النظام الذي أضاع القضية الفلسطينية، وترك الفلسطينيين يواجهون آلة قتل الاحتلال الفتاكة بعد كل الشعارات الطنانة الرنانة ولعبه بمصيرهم، وهو الذي انتصر على الإسرائيليين بجدارة في حجم القتل والتدمير لشعبه بحيث وصل إلى درجة من القمع والقسوة تفوق العقل والخيال.


كاتب سوري

9