الاستبداد والعنصرية وإنتاج التطرف

الأربعاء 2015/01/14

شكلت أحداث شارلي إيبدو، إضافة نوعية في رفع وتيرة العنف والإرهاب الذي تعيشه المنطقة المتوسطية، من حيث دلالتها وأبعادها، معيدة إلى الأذهان صورة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتداعياتها. وما بدأ يتمخض عن أحداث باريس الإرهابية من اتجاهات أمنية وسياسية واجتماعية، سوف تترك بصمتها الخاصة، ليس فرنسياً فحسب، وإنما على صعيد المنطقة الأورو متوسطية بشكل رئيس وكامل. وفي مقدمة ذلك استنهاض واسع لبذور العنصرية التي كانت تتململ في تربة صالحة.

يمكن النظر إلى تكاملية مشهد الإرهاب من حيث أدواته، ووسائله وغاياته، في قوس الدم والنار الممتد من سوريا والعراق واليمن، إلى ليبيا، وصولا إلى باريس، والذي يشكل فيه القتل بقطع الرؤوس أو بالرصاص، وسيلة للرد على الأفكار بشكل أساسي. وقاعدة لا استثناء فيها من حيث تكوين الذهنية التي يمكن وصفها بالمنغلقة، لا ترى سوى ما تريده هي، ووفقاً لرؤيتها المتقاطعة مع تطور الذهنية المعاصرة، سياسيا واجتماعيا، بما يعد إنجازا ثقافيا، تتقدم قيمته الإنسانية، في الحوار، على أي قيم أخرى، على عمق الاختلاف، وشدة الاعتراض الذي ينشأ فيها.

فكرة العنف والتطرف، مرتبطة بالإسلام اليوم، هذه حقيقة أساسية لا يمكن نكرانها أو تجاوزها، ذلك أن مجموعات وتنظيمات الإرهاب، أين تكن نشأتها وظروف تطرفها، تستخدم أساليب العنف الأشد وحشية باسم الإسلام، دفاعاً عنه، أو جهاداً من أجل نشره وفقاً لرؤية معيّنة موجودة ومتأصلة في الفكر الإسلامي. ثمة عنف وتطرف وإرهاب في كل المجتمعات دون استثناء، لكن عوامل النمو والانتشار، يجب ألا تكون غائبة عن التفكير لدى طرح الأسئلة، كمقدمة للفهم.

كل استخدام لوسائل العنف، هو غير مشروع، هو عمل إرهابي بالمعنى المتداول، ويكشف عن أنماط أخلاقية ومعرفية، ترفض ما يغايرها. وهو جزء من حالة الاستبداد التي طبعت المجتمعات الإنسانية، الإسلامية وغيرها. والتي ارتبطت فيما بعد بالاستبداد الديني، وكانت منتجة له، بشكل خاص في المنطقة العربية، في مواجهة التنوير والتمدن، كما في إستراتيجية تدعيم سيطرة السلطة على المجتمع. وبذلك مارست الدولة، كما التنظيمات والأفراد، العنف كوسيلة إرهابية من أجل فرض قيم وأفكار محددة. ولا يمكننا القيام بأي جهد موضوعي في مواجهة تنامي التطرف والإرهاب دون معالجة مسبّباته الأساسية، بما فيها العمل على ومع البيئات المنتجة له ثقافيا واجتماعياً.

مجموعات وتنظيمات الإرهاب، تستخدم أساليب العنف الأشد وحشية باسم الإسلام، دفاعا عنه، أو جهادا من أجل نشره وفقا لرؤية معينة متأصلة في الفكر الإسلامي

ليس ثمة أي مبرر للجوء إلى ممارسة العنف، والعنف الدامي بأي حال، وفي مقدمة ذلك في مواجهة حرية التعبير بمختلف أشكالها. وهو مدان لأنه يتناقض مع القيمة الأساسية في الحياة وهي الإنسان، وهي تتقاطع مع التفكير المنتج للحوار خاصة في القضايا التي يقود فيها الاختلاف إلى العنف. لكن الممارسات المنبثقة عن الإيمان بأفكار محددة ومنتقاة من المدونة التاريخية، سواء الإسلامية أم غيرها، ساقت إلى تأصيل رفض الآخر، وبالتالي رفض أفكاره وقيمه وثقافته، وبالتالي نمط معيشته ومعتقداته.

الإرهاب حاضنته الطبيعية بيئتين؛ هما الاستبداد والعنصرية. ذلك أن القمع وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات السياسية والاجتماعية، وممارسات القهر دونما أي حدود رادعة، جعلت من رد الفعل ممكناً فقط بالعنف الذي يتولّد من تلك السياسات التي انتشرت في المنطقة منذ أكثر من نصف قرن، في الدول الوطنية المستقلة حديثاً. يمكننا العودة إلى الإرث الاستعماري، والاستفاضة كثيراً في مسببات نشوء العنف والإرهاب، كظاهرة متوالدة في التاريخ المعاصر، فالمجتمعات المنتجة للحداثة، هي منتجة أيضاً للعنف.

في سياق آخر، تغاضي الغرب الأوروبي والأميركي عن سياسات الاستبداد، في المنطقة المتوسطية الشرق أوسطية، بذريعة مواجهة التطرف، قاد إلى نمو منظّم للمجموعات والتنظيمات الإرهابية، وفي معظمها تنظيمات عالمية، شأن نظرتها للإسلام (عالميته). واتخذت من ذلك أسباباً للتعاون مع حكومات الاستبداد، كما يحدث في إستراتيجية التعامل مع نظام بشار الأسد، الذي ارتبط بتعاون أمني وثيق فيما يتصل بالإرهاب، فكانت النتيجة، أن يترك للأسد ممارسة أشد حالات العنف المفرط، بحق السوريين، أي ممارسة كل أنواع الإرهاب وارتكاب المجازر الوحشية، مستظلاً بمحاربة ما أسماه الجماعات الإرهابية في سوريا، والتي كان منتجاً لبعض حالاتها ومشاهدها، وقدم الكثير مع أطراف إقليمية ودولية، ما مكن تلك الجماعات والتنظيمات من النشوء والانتشار، إلى أن ضرب الإرهاب قلب باريس.

ولكن هل يختلف ما حدث في باريس، عما يرتكبه نظام الأسد يومياً، أو ما ترتكبه سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، أو ما تقوم به كل سلطة استبدادية، بمصادرة حرية الرأي والتعبير والمعاقبة عليها بالتعذيب والقتل؟

من الأهمية الإيمان بحق الآخرين في الاختلاف، في الدين والعقيدة، في الثقافة والتفكير وأسلوب الحياة، والإقرار بحق الاختلاف ليس مدعاة أيضاً للنيل من قيم وأفكار تؤمن بها مجموعات بشرية أخرى. ومن حق الجميع انتقاد كل الأفكار والقيم بما فيها الديانات، دون أن يكون الهدف الحطّ منها، أو النيل من قيمها وحتى من رموزها.

أبرز ضحايا الإرهاب، هو المجتمع المنتج له، وتلعب العنصرية المتفشية في كثير من المجتمعات الغربية، دوراً في ذلك، طالما أنها تتمدد مع ارتفاع وتيرة القوانين التي يتم الاحتكام إليها لمنع ذلك، دون أثر يذكر، نتيجة للفهم المغاير للمبادئ العامة لدى كل دولة ومجتمع.

وبغض النظر عن الحالة الفرنسية اليوم، نستشهد بما قاله، رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومينيك دوفيلبان: “الإرهاب الإسلامي هو من ابتكار الغربيين وأن الدولة الإسلامية (داعش) كما يسمّيها الأنغلوساكسون الوليد المسخ لتقلب وغطرسة السياسات الغربية”. ونضيف إلى ذلك مجرد الإشارة إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام فضلاً عن سياسة الغرب، وحكومات الاستبداد، في المساهمة في انتشار الإرهاب أكثر.

بالنسبة إلينا كسوريين، نعاني منذ أربع سنوات الإرهاب المنظم، الذي ينتهجه بشار الأسد بتغاضٍ غربي. وحل مشكلتنا تتم عبر إستراتيجية تجتث أسباب الإرهاب: نظام الأسد. وهو الطريق إلى بناء المواطنة والمساواة، في مواجهة التطرف والاستبداد.


كاتب سوري

8