الاستثمارات سلاح روسيا الناعم لبسط نفوذها في أفريقيا

التعاون العسكري يثبت أقدام موسكو في القارة السمراء، وتراجع الحضور الأميركي في أفريقيا يفتح شهية خصومها.
الأربعاء 2018/08/15
أفريقيا ترقص على أنغام المساعدات

موسكو - تعود روسيا إلى أفريقيا بعد سنوات من الغياب، عبر بوابة التعاون العسكري والتدريب وصفقات السلاح والاستثمارات، حيث تسعى إلى منافسة الدول الأوروبية وحتى الصين على النفوذ في المنطقة الجيواستراتيجية، بحسب محللين.

ويشير المحللون في هذا السياق إلى أن موسكو عملت جاهدة خلال السنوات الثلاث الماضية على تعزيز موقعها في أفريقيا بوتيرة يبدو أنها تسارعت خلال الأشهر الأخيرة.

وتعد جهودها أكثر وضوحا في جمهورية أفريقيا الوسطى، البلد شديد الفقر وغير المستقر الذي لطالما سعى للحصول على مساعدة فرنسا، القوة المستعمرة له سابقا.

ومنذ مطلع العام، قدمت روسيا أسلحة للجيش في جمهورية أفريقيا الوسطى بعدما حصلت على تخويل من الأمم المتحدة للقيام بذلك فيما توفر الحماية الأمنية للرئيس فوستان-أرشانج تواديرا الذي يعتمد على مستشار أمني روسي.

وأرسلت كذلك خمسة ضباط عسكريين و170 مدنيا بصفتهم مدربين للقوات المسلحة في أفريقيا الوسطى رغم أن هذه القوات تتلقى تدريبا من قبل الاتحاد الأوروبي.

ويعتقد الخبراء أن المدربين قد يكونون من مجموعة غير معروفة من المرتزقة يطلق عليها “فاغنر” والتي تتحدث تقارير عن دورها القتالي في سوريا، فيما قتل ثلاثة صحافيين روس في أفريقيا الوسطى الشهر الماضي أثناء إجرائهم تحقيقات عن أنشطة المجموعة.

وفي مناطق أخرى، ترسل روسيا أسلحة إلى الكاميرون لدعمها في حربها ضد جماعة بوكو حرام المتطرفة في حين عقدت شراكات عسكرية مع جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوركينا فاسو وأوغندا وأنغولا وتعاونت مع السودان في مجال الطاقة النووية.

وتعمل كذلك مع زيمبابوي وغينيا في صناعات التعدين، وهي قطاعات تبرز الصين عبرها كقوة صاعدة في أفريقيا.

روسيا قدمت أسلحة للجيش في جمهورية أفريقيا الوسطى بعدما حصلت على تخويل من الأمم المتحدة فيما توفر الحماية الأمنية للرئيس فوستان-أرشانج تواديرا

ويؤكد ديمتري بوندارينكو من الأكاديمية الروسية للعلوم أن أفريقيا لا تزال في “أسفل القائمة” عندما يتعلق الأمر بأولويات السياسة الخارجية الروسية، إلا أنها “بدأت تكسب المزيد من الأهمية”.

وقال بوندارينكو “منذ العام 2014 وبعد ضم شبه جزيرة القرم، تنخرط روسيا في مواجهة مع الغرب وتظهر بوضوح رغبتها في أن تستعيد مكانتها كقوة عالمية، ولذلك لا يمكنها تجاهل هذا الجزء من العالم”، لكنه أشار إلى أن موسكو مهتمة بتحقيق “تقدم سياسي” أكثر من اهتمامها بالمكاسب الاقتصادية.

وحافظ الاتحاد السوفييتي على تواجده بشكل قوي في أفريقيا كجزء من حربه الفكرية ضد الغرب، حيث دعم حركات تحررية أفريقية وأرسل عشرات الآلاف من المستشارين إلى الدول التي انتهى الحكم الاستعماري فيها، لكن انهيار الاتحاد السوفييتي والمشكلات الاقتصادية والنزاعات الداخلية التي شهدتها روسيا خلال التسعينات دفعت موسكو إلى التخلي عن مشاريعها الأفريقية.

وقبل نحو عقد، بدأ الكرملين في إعادة بناء شبكاته القديمة والعودة بشكل تدريجي إلى القارة باحثا عن شركاء جدد في وقت أفسحت المخاوف الأيديولوجية المجال أمام إبرام عقود وصفقات سلاح.

وبدأ الرئيس فلاديمير بوتين العملية عبر زيارة إلى الجزائر وجنوب أفريقيا والمغرب، وهي دول أقامت إلى جانب مصر علاقات جيّدة تقليديا مع روسيا.

وزار ديمتري ميدفيديف، الذي خلفه لولاية واحدة، كلا من أنغولا وناميبيا ونيجيريا عارضا مشاريع تجارية برفقة وفد من 400 شخص. وهذا العام، أجرى وزير الخارجية سيرجي لافروف جولة شملت خمس دول أفريقية في حين زار بوتين جوهانسبرغ لحضور قمة دول “بريكس” التي حضرتها كذلك أنغولا ورواندا والسنغال وأوغندا.

سيرجي لافروف: القارة الأفريقية في صلب السياسة الخارجية لروسيا ومحل اهتمامنا
سيرجي لافروف: القارة الأفريقية في صلب السياسة الخارجية لروسيا ومحل اهتمامنا

وشهدت السنوات الأخيرة حضورا قويا للدور الروسي في بعض القضايا الدولية في ظل تعددية النظام الدولي، واتضح هذا الدور في التواجد في قارة أفريقيا، لذلك كانت هناك حاجة ملحة لدى القادة الروس للعودة من جديد إلى أفريقيا لاستعادة مجد السوفييت من جديد، وهو ما ترجمه لافروف بقوله “أفريقيا في صلب السياسة الخارجية لروسيا”.

وبالنسبة إلى بعض الدول الأفريقية، يعد تحسين العلاقات مع روسيا أمرا جذابا حيث يساعدها في استغلال ورقة المنافسة مع أوروبا والصين، وفق ما يشير بعض المعلقين.

ويقول الخبير السياسي يفغيني كوريندياسوف، الذي شغل منصب سفير الاتحاد السوفييتي وروسيا في عدة دول أفريقية، إن ذلك يعني “الحصول على شريك آخر، أي قناة استثمار وتنمية أخرى ودعم بلد قوي في الساحة السياسية”.

وإضافة إلى ذلك، لا تمثل روسيا العبء الذي شكله الاستعمار الأوروبي في أفريقيا، وهو أمر قد يعد عامل جذب بالنسبة للدول الأفريقية التي تلقى العديد من كبار مسؤوليها تعليمهم في الاتحاد السوفييتي. وتبدو جمهورية أفريقيا الوسطى المثال الأبرز للفوائد النابعة عن التحول الذي قاده بوتين، فخلال الحرب الباردة، لم يكن البلد مقربا من الكرملين على الإطلاق لكنه الآن يضع عينيه على روسيا لمساعدة قواته في مواجهة الميليشيات التي تسيطر على معظم أراضيه.

وقال بوندارينكو “في السابق، لم تكن أمام الدول التي لم يرغب الاتحاد الأوروبي في التعاون معها على غرار السودان وزيمبابوي خيارات سوى الالتفات إلى الصين” لكن “روسيا تقدم نفسها الآن كبديل واضح”، مضيفا “وبالتالي، بإمكان هذا الوضع الجديد أن يغير المنظومة الجيوسياسية في القارة بشكل ملموس”.

5