الاستثمار التركي الأخير في هيئة تحرير الشام

التوافق مع واشنطن يبقى أمرا أساسيا في ترتيب الوضع السوري، وهو مرهون بما سيؤول إليه القرار الأميركي المترنح بين الانسحاب من سوريا أو البقاء. وإلى حينه سيظل مستقبل إدلب غير محسوم.
الأحد 2019/01/13
تشكيلة متشددة

اتفق الروس والأتراك على استمرار التعاون والمحافظة على آليات التنسيق التي أقرّها الجانبان سابقا؛ هذا ما أكّده بيان وزارة الدفاع الروسية عقب اتصال هاتفي بين وزيري دفاع البلدين، بعد أيام من لقاء وزراء الخارجية والدفاع في موسكو، في الأيام الأخيرة من العام الماضي.

توصّل الروس والأتراك إلى تفاهمات بدأت تظهر ملامحها على الأرض، مع نشر قوّات من الشرطة العسكرية الروسية داخل منبج وفي محيطها، في خطوة لا يبدو أنها بعيدة عن التنسيق الأميركي الروسي غير المعلن. كما أن هناك حديثا عن موافقة الروس على أن يقيم الأتراك شريطا حدوديا بعمق ثلاثين إلى أربعين كيلومترا، داخل الأراضي السورية، إذا ما تم الانسحاب الأميركي، لتبديد هواجسهم الأمنية.

وما يزال اتفاق المنطقة منزوعة السلاح في سوتشي محترما من قبل الطرفين الروسي والتركي، رغم ما عُمّم عن تقدّم هيئة تحرير الشام، وسيطرتها على كامل مناطق المعارضة في محافظة إدلب وريف حلب واللاذقية وحماة.

وتدلّل على استمرار التزام موسكو بالاتفاق، التحركات العسكرية الأخيرة التي قامت بها في ريف حماة الشمالي، بالقرب من نقاط مراقبتها، حيث تراجعت القوات الروسية 10 كيلومترات عن مناطق سيطرة المعارضة، بعد أن أمرت النظام بسحب قوات الفرقة الرابعة، المقربة من إيران، والمتواجدة في ريف حماة الغربي والشرقي، واستبدالها بقوات من الفرقة الأولى والثامنة والحادية عشرة والتاسعة، لحماية القوات الروسية، في سعي  روسي لتخفيف تواجد القوات السورية المقرّبة من إيران، لمنع خرق اتفاق سوتشي.

ظلّت عقدة حل التنظيمات الجهادية معضلة أمام تركيا، رغم اتفاقها مع روسيا على تولي المهمّة، كخطوة تالية لاتفاق سوتشي، تدعمها موسكو. هذه المعضلة مركّبة من عدّة جوانب، أوّلها وجود تنظيمات متشددة غير سورية، كالحزب التركستاني في ريف إدلب الغربي وفي بعض مناطق سهل الغاب شمال غربي حماة، وتنظيم حراس الدين بـ2500 عنصر في ريف إدلب وريف اللاذقية في جبلي الأكراد والتركمان.

وثانيا، إجبار هيئة تحرير الشام على طرد الأجانب وحلّ نفسها والتخلي عن المنطق الجهادي، وعزل المتشدّدين، واندماج عناصرها ضمن التنظيمات المعتدلة.

وثالثا، مشكلة الحالة الفصائلية المتعددة والمتنازعة على مناطق النفوذ، والتي ترغب كل من تركيا وروسيا بإنهائها، واستبدالها بتشكيل موحد، يعمل تحت إمرة أنقرة، كما هي حالة مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات التابعة لتركيا، وكما هي حالة مناطق المصالحة في درعا التابعة لروسيا.

كانت كتائب نورالدين الزنكي، أقوى الفصائل العاملة في ريف حلب الشرقي، الضحيّة الأولى أمام تحرير الشام، إذ اضطرت إلى حلّ نفسها في الخامس من الشهر الجاري، بعد أيام دامية من المعارك، بسبب امتناع فصائل الجيش الوطني والجبهة الوطنية للتحرير عن دعمها. يبدو أنّ هناك رغبة تركية روسية للخلاص من الزنكي، بسبب استقلاليته، ولأنه كان أحد فصائل الموم التي تتلقى دعما أميركيا. وقد تكرر الأمر في الأتارب، حيث حيّدت الهيئة فصيلي بيارق الشام وثوار الشام.

في إدلب حاولت بعض الفصائل الأكثر عداء لهيئة تحرير الشام، كأحرار الشام وصقور الشام، البالغ تعدادها قرابة 1500 عنصر لكلّ منهما، شن حرب ضدّها لطردها من كل إدلب، واعتقد الفصيلان أنّ بقية الفصائل ستدعمهما، وكذلك تركيا. حصل العكس، حيث أُجبِر الفصيلان على توقيع اتفاق حلّ نفسيهما، بعد معارك خاطفة الأربعاء الماضي في سهل الغاب بريف حماة الغربي، وفي معرة النعمان وريفها دون قتال، وسيطرت حكومة الإنقاذ أمنيا وإداريا، مع بقاء المقاتلين في مناطقهم بسلاح فردي وتسليم السلاح الثقيل.

في مدينة أريحا أصدر وجهاؤها ومجلسها المحلي بيانا يرحب بدخول الهيئة، درءا لمخاطر الاقتتال؛ فيما امتنعت غالبية الفصائل في الجبهة الوطنية للتحرير عن القتال، وأكبرها فصيل “فيلق الشام” البالغ تعداده بين 14 و16 ألف مقاتل، والمدعوم من الإخوان المسلمين، وبالتالي يدين بولائه لتركيا، بل وكان وسيطا في اتفاق الهيئة مع المشاركين من فصائل “الوطنية للتحرير”.

النتيجة سيطرة حكومة الإنقاذ على 80 بالمئة من مساحة المنطقة في الشمال، دون قتال، وبموافقة، وربما تنسيق مع تركيا، لإنهاء استقلالية بعض الفصائل، وإخضاع أخرى؛ في الوقت الذي بدأت فيه تركيا بإعادة هيكلة وتمويل الجبهة الوطنية للتحرير، حيث يبدو أنها ستعطي دورا كبيرا فيها لفيلق الشام.

ربما تخطط تركيا أيضا، لدفع تحرير الشام باتجاه القضاء على جيوب التنظيمات غير السورية، كالحزب التركستاني وحراس الدين، بتصفيتها أو طردها. إذا يبدو أن أنقرة تستثمر، بالاتفاق مع موسكو، في تنظيم هيئة تحرير الشام، بتمكينه أكثر مقابل القيام ببعض الخدمات الضرورية للمضي في إكمال الاتفاق مع الروس حول إدلب. وهي تمارس الضغوط على هيئة تحرير الشام بثقل الحشود العسكرية التركية المتزايدة يوميا على حدودها مع سوريا؛ فيما تستغل هيئة تحرير الشام هذه الفرصة لفرض نفسها وشروطها، عبر استمرار قدرتها على الحشد عبر خطابها الديني المتطرف، وعبر ما تقدّمه من رواتب وميزات لمقاتليها، وعبر محاولة الظهور بمظهرٍ مقبول إداريا، حيث تمكنت من فرض شرطها على الفصائل الأخرى بتمكين سيطرة حكومة الإنقاذ التابعة لها، فيما أجّلت شروطا أخرى، كنزع السلاح الثقيل من بعض المناطق، ودعت الجبهة الوطنية للمشاركة في حكومة الإنقاذ، وإعطائها بعض الحقائب الوزارية.

سعت هيئة تحرير الشام، منذ إعلان انشقاقها عن تنظيم القاعدة وتغيير اسمها، إلى تجاوز عقدة وضعها على قوائم الإرهاب، وتحاول تقديم نفسها كفصيل معتدل، وإن كان من حيث الشكل دون المضمون. لكن ما تقوم به غير كاف لجعلها طرفا مقبولا؛ عليها التخلص من العقلية الجهادية، وهذا يتطلب منها تصفية العناصر المتشددة، وطرد الأجانب، ما يعني أن تحلّ نفسها لصالح تشكيلات أكثر طواعية بالنسبة للأتراك والروس.

يبقى التوافق مع واشنطن أمرا أساسيا في ترتيب الوضع السوري، وهو مرهون بما سيؤول إليه القرار الأميركي المترنح بين الانسحاب من سوريا أو البقاء. وإلى حينه سيظل مستقبل إدلب غير محسوم؛ هل ستكون منطقة نفوذ تركيّة، أم سيجري تسليمها للروس والنظام، مقابل دخول أنقرة شرق الفرات؟

3