الاستثمار الرياضي التونسي كنز ينتظر المستكشفين

غياب الرؤية الواقعية لتطوير القطاع وانعدام العمل الجدّي من طرف المؤسسات الرياضية يجعلان من الرياضة مجالا استثماريا بعيدا عن دائرة تفكير رجال الأعمال.
الاثنين 2020/02/24
فرص مبددة

تتنامى الحاجة في تونس اليوم إلى تنمية القطاع الرياضي، الذي يمرّ بصعوبات تمويلية لا حصر لها جعلته يغرق في الأزمات بسبب النظرة الضيقة للمسؤولين، وتراخي الدولة في تطوير الفرص الاستثمارية في هذا المجال.

ورغم التغييرات الكبيرة، التي طرأت على أسلوب تعامل الحكومات المتعاقبة منذ 2011 مع القطاع وتعزيز دوره في الاقتصاد، فإن تونس لا تزال تنظر إلى الاستثمار الرياضي بعقلية تقليدية.

لحد اليوم، هناك ميزانية تصرفها الدولة للأندية سنويا من أجل النهوض بالرياضة، رغم أنها باتت أقلّ عمّا كانت عليه في السابق، ومع ذلك لم يتغيّر أيّ شيء منذ سنوات، بل على العكس فإن الأندية تزداد يوما بعد يوم غرقا في الديون وكثرة المصاريف.

وفي بلد يشهد تراجعا واضحا في مؤشرات النمو، يشتد الخناق كذلك على أغلب الاتحادات الرياضية نتيجة تقلّص مواردها المالية. ورغم محاولات المرصد الوطني للرياضة، الذي يضم في عضويته 8 وزارات منها المالية خلال السنوات الخمس الأخيرة لمعالجة المشكلة مع الأندية في جميع الدرجات وبقية الهياكل المتداخلة، فإن الوضع ازداد سوءا.

تحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تونس منذ 9 سنوات، فإن مظاهر غياب الصيانة عن المنشآت الرياضية القائمة بسبب شح السيولة النقدية، بات أمرا مألوفا، كما أنه لا توجد برامج فعلية لتعزيزها، ولعلّ إغلاق المدينة الرياضية في المنزه في الضاحية الشمالية للعاصمة منذ سنوات دليل على ذلك.

المتاهات السياسية وغياب التشريعات تعطي صورة سلبية عن واقع الرياضة وتمنع المستثمرين من المغامرة دون ضمانات واضحة

وفق البيانات المنشورة في الموقع الإلكتروني لوزارة الشباب والرياضة، فإن الميزانية المرصودة لها خلال العام الماضي، تناهز بقليل مبلغ 645 مليون دينار (202 مليون دولار) وهي أقلّ من الميزانية السابقة بنحو 186 ألف دينار (65 ألف دولار).

وبمقارنة بسيطة، فإن هذه الميزانية السنوية تساوي أربعة أضعاف قيمة الأندية الثلاثة الكبار في الدوري التونسي للمحترفين، باستثناء النادي الأفريقي، الذي يعاني من أزمة مالية خانقة تسبّب فيها رئيسه السابق سليم الرياحي، أحد الوجوه السياسية، التي ظهرت على الساحة بعد 2011.

التقديرات التي تم جمعها من مصادر مختلفة تشير إلى أن نادي النجم الساحلي هو الأعلى قيمة سوقية محليا بنحو 21 مليون دولار، ثم يأتي نادي الترجي بنحو 19.3 مليون دولار، يليه النادي الصفاقسي بنحو 7.4 مليون دولار.

وبسبب المشكلات المتراكمة في القطاع، فإن التساؤل الأكثر إلحاحا تتعلق بما إذا كانت السلطات قد فكرت في تحويل الأندية الرياضية إلى شركات مساهمة تعيل نفسها بنفسها للتخلّص من هذا الحمل الثقيل، وتعطي دافعا لتطوير القطاع بشكل عام.

إن الاستثمار الرياضي شأنه شأن أيّ قطاع آخر، إن لم يكن الأفضل إن تم استغلاله بعناية، في مجال الاستثمارات والعقود في العالم، كونه يحقق الأرباح المستدامة، كما أنه يساهم في إحداث نقلة نوعية في المنشآت والألعاب وفي تبنّي المواهب الرياضية، فضلا عن تعزيز الإيرادات من خلال حقوق البث المحتكرة من قبل التلفزيون الحكومي، الذي يمر بدوره بأزمة مالية.

عند تسليط الضوء على القطاع، يلاحظ أن معظم أندية الرياضة تعاني من مشاكل مزمنة باستثناء البعض منها، كما أن القيود الضريبية المجحفة وتراجع المداخيل دفعت البعض من الشركات الكبرى إلى صرف النظر عن رعاية تلك الأندية كما كان معمولا به في السابق.

معظم الأندية تفتقد إلى ملاعب خاصة بها
معظم الأندية تفتقد إلى ملاعب خاصة بها

الفرق الشهيرة مثل الترجي والنجم والصفاقسي ابتعدت بفضل مسؤوليها عن فلك الأزمات المادية. أما بقية أندية رابطة المحترفين وحتى أندية الدرجات الأخرى تعاني من فقر شديد في التمويل وهي تعتمد بشكل كبير على دعم ضئيل من بعض الشركات وأيضا من الجامعة التونسية لكرة القدم. وهذه معضلة مزمنة انعكست بشكل بالغ على الدوري المحلي.

ومن حيث المنشآت، فإن معظم الأندية تفتقد إلى ملاعب خاصة بها لأن التشريعات الحالية تجعل من تلك الكيانات رهينة للبلديات التابعة للدولة، حيث تقوم بدفع مبالغ معيّنة عن كل مباراة تجريها في تلك الملاعب.

وعلى سبيل المثال، تتكبّد أندية العاصمة ذات المداخيل القوية مصاريف تبلغ قرابة 20 ألف دينار (نحو 7 آلاف دولار) لخوض مباراة واحدة في الملعب الأولمبي برداس. في المقابل، تتعرّض باقي الأندية ذات المداخيل الضعيفة إلى صعوبات لتوفير الأموال من أجل تأمين حصتها السنوية لتأجير الملاعب البلدية.

إن غياب الرؤية الواقعية لتطوير القطاع وانعدام العمل الجدّي من طرف المؤسسات الرياضية في ظل متاهات وصراعات الوسط الرياضي وكذلك المسؤولين السياسيين يجعلان من الرياضة مجالا استثماريا بعيدا عن دائرة تفكير رجال الأعمال.

الخلاصة أن هذه المتاهة فضلا عن غياب التشريعات تعطي صورة سلبية عن واقع تلك المؤسسات الرياضية خاصة لأصحاب رؤوس الأموال، الذين يتجنّبون الخوض في التجربة دون ضمانات للعمل الاستثماري واضحة المعالم.

11