الاستثمار الرياضي يفتح أبواب مصر أمام أموال عربية جديدة

تجربة نادي الأسيوطي سبورتس تتواءم مع توجهات القاهرة الاقتصادية ومصيرها يتوقف على الالتزام بضوابط الاحتراف.
الثلاثاء 2018/07/03
استثمار مضمون المكسب

تحولت كرة القدم من لعبة رياضة إلى صناعة يتداخل فيها الرياضي بالمالي وحتى السياسي. وتعد تجربة الاستثمار في الأندية الكروية صناعة رائدة في أوروبا، وقد بدأت في الفترة الأخيرة تخطو بخطوات خجولة على المستوى العربي، من ذلك التجربة مع نادي الأسيوطي سبورتس، والتي يتطلع المصريون إلى أن تكون محفزا لتوسيع النطاق أكثر وفتح الباب أمام دعم صناعة الاستثمار في الأندية الرياضية وتسهيل الأرضية لذلك من خلال القوانين وتوفير كل الوسائل المشجعة لذلك.

القاهرة - باتت مصر على أعتاب مرحلة جديدة في تطبيق مفهوم الاحتراف في كرة القدم، بعد دخول مستثمرين خليجيين مجال الاستثمار الرياضي. وكانت البداية مع نادي الأسيوطي سبورتس، الذي يلعب في الدوري المحلي الممتاز، واشترته مجموعة من المستثمرين العرب، في مقدمتهم تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الرياضة السعودية، وهو ما يفتح الباب للمزيد من تدفق رؤوس الأموال العربية في هذا المجال، الذي يبدو جديدا على الاستثمار في مصر.

ولا يعد الاستثمار العربي مجال كرة القدم، أمرا جديدا، فهناك عدد من رجال الأعمال لهم تجارب في دول مثل إنكلترا وفرنسا وإسبانيا، بعضها حقق نجاحات اقتصادية. ويعني دخول مصر هذا الفضاء وتقنينه أنها راغبة في الانفتاح الاقتصادي، وجذب رؤوس أموال خارجية كبيرة، لأن غالبية تجارب رجال الأعمال العرب مع النماذج العالمية حققت نجاحات، وأبرزها مانشستر سيتي وباريس سان جرمان.

وتعني صفقة نادي الأسيوطي المملوك لرجل الأعمال المصري محمود الأسيوطي أن هناك تغيرا كبيرا ستشهده الساحة الرياضية في مصر، لأن أصحاب النادي الجدد لديهم طموحات كبيرة لتطويره، بدءا من تغيير اسمه إلى “بيراميدز إف سي” أو الأهرام، وحتى ضخ أموال كثيرة لتدعيم صفوف الفريق بصفقات من الطراز الأول، أملا في مضاهاة الأندية الكبيرة في الدوري المصري، والتطلع إلى الدخول في المنافسات القارية.

استثمار متنوع

يعتمد الاستثمار في الرياضة بمصر على أشكال عدة؛ إما من خلال شركات راعية، مثل شركة صلة السعودية، الراعي الرسمي لفريق نادي الأهلي المصري وإما غبر شركات ملابس وأدوات رياضية أو شركات لتسويق اللاعبين للاحتراف الخارجي، لكن الاستثمار في الأندية يظل هو الأكثر جاذبية الآن، ويفكر أصحاب هذا النوع في خطة بعيدة المدى تحقق طموحاتهم.

وبدأت مصر منذ سنوات فتح باب الاستثمار في الرياضة من خلال تشجيع بعض رجال الأعمال على تشييد أندية خاصة، بعد أن كانت جميعها أندية اجتماعية مملوكة للدولة. وحققت تجارب أندية وادي دجلة والجونة نجاحا لافتا في الآونة الأخيرة وأصبحت رسوم العضوية السنوية مصدرا أساسيا للدخل.

وبعد الإعلان عن بيع نادي الأسيوطي المصري، تم الإعلان عن صفقات بالملايين من الدولارات لبيع وشراء لاعبين، يتخطى أقلها حاجز المليون دولار في الموسم الواحد للاعب، فضلا عن تقديم عروض مادية مغرية لاستقطاب نجوم من فريقي الأهلي والزمالك.

ليتمكن المستثمرون الجدد من تحقيق نجاح سريع، تمت الاستعانة بثلاثة من أبرز من ارتدوا قميص النادي الأهلي لتولي مناصب قيادية وهم، حسام البدري وأسند له منصب رئيس النادي، وهادي خشبة وأصبح رئيسا لقطاع الكرة، وأحمد حسن وتم تعيينه كمتحدث رسمي باسم النادي.

ونفى حسن في تصريحات لـ”العرب” ما يتردد عن تعمد نادي بيراميدز إسقاط النادي الأهلي، لأن الأخير كبير بشعبيته، ومن حق فريقه مثل أي ناد آخر أن يسعى للمنافسة على المربع الذهبي، وتمتد طموحاته لحصد الألقاب، بدلا من اقتصارها على ناديين اثنين فقط، هما الأهلي والزمالك، وتساءل قائد منتخب مصر السابق قائلا “النادي الأهلي نفسه ترعاه شركة سعودية، فلماذا كل هذا الهجوم على بيع النادي لمستثمرين سعوديين؟”.

وأيد مدرب الزمالك الأسبق أحمد حسام (ميدو) تلك الخطوة من خلال تغريدات عبر صفحته على تويتر قال فيها إن “دخول مستثمرين عرب مجال الرياضة المصرية يعمل على تطويرها وينعكس ذلك على قوة التنافس، ومن يتحدثون عن المكائد أصحاب نظرة ضيقة، وأتمنى دخول مستثمرين جدد في هذا المجال”.

خبراء يتمنون أن تصبح الأندية المصرية واجهة جديدة للمستثمرين العرب على غرار أندية أوروبا، وهو ما لن يحدث دون توفير الأجواء المناسبة لنمو الاستثمار في هذا المجال

يؤكد الكثير من النقاد أن هذه الخطوة حدثت بمباركة القيادة السياسية في مصر، في ظل الرغبة في جذب استثمارات عربية في مجالات مختلفة، فضلا عن العلاقات القوية بين القاهرة والرياض، والشراكة في مجالات سياسية واقتصادية وعسكرية، وهو ما يشير إلى أن دخول مستثمرين آخرين من دول تتمتع بنفس قوة العلاقات ليس بعيدا. ورشحت معلومات تفيد بنية مستثمرين من دولة الإمارات الإقدام على خطوة شراء أندية مصرية أخرى.

وأدت حداثة التجربة في مصر إلى تنامي الجدل الذي وصل درجة توجيه الاتهامات برغبة الحكومة في بيع بعض الممتلكات العامة، لكن المؤكد أن ما تم بيعه أو الإعلان عن الاستثمار فيه هو ملك للقطاع الخاص. وأدى صمت الحكومة على صفقة بيع الأسيوطي إلى زيادة بورصة الشائعات، ما يؤثر على سمعة الاستثمار الحقيقي.

وقال محمد فضل الله، الخبير الدولي في اللوائح والقوانين الرياضية، لـ”العرب” إن الضوابط القانونية التي تم وضعها في الإمارات والسعودية نصت على أن أجور اللاعبين لا تتخطى 60 بالمئة من الموازنة المالية للأندية، كما أنها تفوق النفقات، للحد من الارتفاع الجنوني في أسعار اللاعبين.

وشدد على ضرورة فتح الأبواب أمام المستثمرين، لأن ذلك يعود بالنفع على الرياضة المصرية، ويساهم في تطبيق دوري المحترفين بتحويل الأندية إلى شركات مساهمة.

وتختلف الأندية المصرية عن مثيلتها المحترفة، فالنادي الأهلي، وهو الأكبر والأكثر جماهيرية، مشهر تحت مسمى “ناد اجتماعي ترفيهي رياضي”، وهذا ليس معمولا به في عالم الاحتراف، وذلك ما التفت إليه الملاك الجدد لنادي “بيراميدز إف سي”، فهذا الاسم يعني “نادي الأهرام لكرة القدم”.

واجهة جديدة

Thumbnail

يتمنى خبراء في اللعبة أن تكون هذه البداية لأن تصبح الأندية المصرية واجهة جديدة للمستثمرين العرب على غرار أندية أوروبا، وهو ما لن يحدث دون توفير الأجواء المناسبة لنمو الاستثمار في هذا المجال.

وأوضح فضل الله أن “أي مستثمر يكفيه أن يضع شعارات الشركات التي يمتلكها على قمصان لاعبي فريق الكرة الذي يمتلكه أو يرعاه أو حتى الذي يكون شريكا فيه، فنادي بيراميدز عندما يلاقي أحد الأندية الجماهيرية في مسابقة الدوري مثل الأهلي أو الزمالك أو الإسماعيلي، يشاهده الملايين ومن ثم يلتفتون إلى الشعارات على قمصان اللاعبين.

وفي نظرة بعيدة الأمد يتخذ المستثمرون من الأندية خطوة للانفتاح على ما هو أهم بالنسبة لأموالهم، فالأمر بالنسبة لمصر لم يتوقف فقط عند الاستفادة من شعبية اللعبة الأولى، بل إن الدوري المصري بالنسبة لهم جواز مرور على قارة بأكملها.

وشرح فضل الله ذلك، قائلا “الدوري المصري من الدوريات القوية في القارة الأفريقية، ويخرج منه ثلاثة أندية للمشاركة في بطولتي دوري الأبطال والكونفدرالية في كل موسم، ووفقا للفكر الاستثماري، إذا تمكن نادي بيراميدز من الوصول إلى هذه البطولات، فإنه فتح لأصحابه سوقا جديدا لإقامة مشروعات في القارة الأفريقية”.

ويذكر في هذا السياق تجربة نادي المقاولون العرب المملوك لأكبر وأشهر شركة مقاولات مصرية، وتحمل الاسم نفسه، بعد مشاركة فريق الكرة في دوري الأبطال في ثمانينات القرن الماضي، وقد حصدت الشركة مشروعات عدة داخل القارة السمراء، وتوسعت في أعمال المقاولات.

وإذا كان البعض يتخوف من تحكم رأس المال في اللعبة وتحول موسم الانتقالات إلى مزاد لمن يدفع أكثر، فإن هناك حكومات عربية (السعودية مثلا) أعلنت تعديل بعض مواد لائحة الاحتراف وأوضاع اللاعبين وانتقالاتهم الخاصة بعقود المحترفين ومقدمات العقود والأجور الشهرية، وتم فرض رسوم بمقدار 50 بالمئة من إجمالي الدخل السنوي للاعبين المحترفين السارية عقودهم حاليا وتحصيلها من قبل النادي لتطوير كرة القدم في النادي نفسه.

وينصح خبراء بضرورة أن تضع الحكومة المصرية جميع الضوابط اللازمة لنجاح هذه الخطوة، التي سيكون لها مردود إيجابي على نواح مختلفة.

7