الاستثمار في التعليم ومحاربة الفساد مستقبل العدالة الاجتماعية في مصر

الأربعاء 2016/09/07
التعليم هو الحل لتحقيق العدالة الاجتماعية

الإسكندرية (مصر) – يرى ماجد عثمان، وزير الاتصالات المصري الأسبق ومدير مركز “بصيرة”، أن نظرية “تساقط عوائد النمو” التي سادت قبل ثورة 25 يناير سقطت حيث تساقطت عوائد النمو بشكل كبير على الطبقة الغنية دون الطبقات المتوسطة والفقيرة، مشيرا إلى أن ما حدث في عام 2013 من إقصاء للشرائح الفقيرة يتعارض مع مفهوم العدالة الاجتماعية، الذي وصفه عثمان بأنه مصطلح “فضفاض” لا يوجد توافق على مضمونه أو معناه أو مراحل تطبيقه.

وأوضح عثمان، في محاضرته “مستقبل العدالة الاجتماعية في مصر”، ألقاها خلال مؤتمر “مستقبل المجتمعات العربية”، الذي تنظمه وحدة الدراسات المستقبلة بمكتبة الإسكندرية، في الفترة من 5 إلى 8 سبتمبر، أن العدالة الاجتماعية تعاني من عدة فجوات، أهمها الفجوات الجغرافية، والثروة والدخل والفجوات الجسمانية وفجوات النوع الاجتماعي والفجوة الجيلية، وأن بعض هذه الفجوات قد تكون مبررة من الناحية الأخلاقية، ما يتطلب دعم الأطراف الأقل حظا، مشيرا إلى أن العدالة الاجتماعية لابد ألا تعتمد على المسكنات بل على تمكين ذوي القدرات الأقل الذين يمكنهم إضافة الكثير إلى الدولة.

وقال عثمان “إن العدالة الاجتماعية تتحقق عندما تسود المجتمع فرص متكافئة، يتمكن بمقتضاها أي فرد من أفراد المجتمع من الارتقاء إلى مرتبة اقتصادية أو اجتماعية أعلى بناء على معايير الجدارة، ويتلاشى التمييز ضد أي من أفراد المجتمع بسبب الثروة أو النوع الاجتماعي أو الدين أو العرق أو الطبقة أو العمر أو المهنة أو لون البشرة، وتصل العدالة الاجتماعية إلى أقصاها عندما يرتبط الحراك الاجتماعي بدرجة كاملة بالجدارة والاستحقاق”، لافتا إلى أن درجة الحراك الاجتماعي انخفضت في مصر خلال الخمسين عاما الماضية بعد انهيار التعليم الجيد الذي كان يصل إلى أبناء الأسر الفقيرة، إلى جانب ارتفاع معدلات الزيادة السكانية.

ماجد عثمان: أيهما أفضل وأولى، صرف حوالي 500 مليون جنيه سنويا لاستيراد الياميش أم بناء 2500 مدرسة تستوعب 100 ألف تلميذ

وأشار إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإجمالي الخاص بالتنمية البشرية لعام 2014 أوضح أن مصر تخسر نسبة 24 بالمئة من معدل التنمية البشرية الخاص بها بسبب تأثير عدم المساواة، في مقابل تخسر دول أخرى مثل النرويج 5 بالمئة فقط وأن عدم المساواة يؤثر على المكونات الثلاثة للتنمية البشرية، وهي التعليم والصحة والدخل بشكل متفاوت.

ويؤدي عدم المساواة إلى خفض دليل التنمية البشرية بمقدار 22.8 بالمئة، وقد بلغ تأثير عدم المساواة في مصر على التعليم نسبة 41 بالمئة مقابل 13 بالمئة للصحة و14 بالمئة للدخل، في دليل التنمية البشرية الفرعي، وأن 36 بالمئة من المواطنين غير راضين عن مستوى التعليم في مصر و33 بالمئة غير راضين عن نوعية الرعاية الصحية.

وقال عثمان “إذا كان التعليم هو الحل لتحقيق العدالة الاجتماعية، فإلى أين تتجه الأولويات؟”. وأشار إلى أن عدد الفصول الدراسية حاليا في التعليم الحكومي حوالي 400 ألف فصل، وأن تكلفة بناء فصل دراسي جديد حوالي 250 ألف جنيه، أي أن تكلفة مضاعفة عدد الفصول في كل مراحل التعليم الحكومي تساوي 100 مليار جنيه، وهو ما يؤدي إلى تخفيف كثافة الفصول إلى النصف. هل هذا الرقم كبير؟ بند المرتبات في الموازنة للعام 2015/2016 يساوي 218 مليار جنيه، بند المرتبات كان عام 2011/2012 نحو 86 مليار جنيه، أي أن المجتمع المصري أضاف سنويا لبند المرتبات ما يفوق تكلفة مضاعفة عدد الفصول الدراسية في جميع مراحل التعليم قبل الجامعي.

وطرح ماجد عثمان تمويلا إضافيا للتعليم، موضحا “أيهما أفضل وأولى 500 مليون جنيه دعم إضافي في شهر رمضان لمساعدة الأسر الفقيرة، أم مصروفات دراسية لثلث مليون طفل فقير في الحضانة؟ 500 مليون جنيه سنويا لاستيراد الياميش بالعملة الصعبة أم بناء 2500 مدرسة تستوعب 100 ألف تلميذ لا يحصلون على حقهم في التعليم؟”.

وأكد أن مستقبل العدالة الاجتماعية في مصر لا يتحقق إلا بتفعيل الحراك الاجتماعي الذي يتسم بالحيوية ويعتمد على الجدارة والتمكين المعرفي، والحماية الاجتماعية والاقتصادية للفئات المستضعفة والمعرضة للخطر، والتمكين القانوني والسياسي للفئات الأضعف في المجتمع، وتخفيف حدة التفاوت في الثروات والدخول، والقضاء على الأعراف الاجتماعية والثقافية التي ترسخ التمييز.

وشدد عثمان في نهاية المحاضرة على أنه لا يمكن اختزال العدالة الاجتماعية في مفهوم العدالة الاقتصادية، وأن القيم السائدة تكرس الطبقية، لذا فإن الجانب الثقافي شديد الأهمية دون إغفال العدالة القانونية والسياسية، وغياب العدالة مرتبط بالتنمية غير المتوازنة جغرافيا، والنوع الاجتماعي يعكس غيابا واضحا للعدالة بين الجنسين، وأوضاع ذوي الاحتياجات الخاصة تشير إلى حرمان يمكن الحد منه بشكل كبير، ولا يمكن تحقيق أي إنجاز في مجال العدالة الاجتماعية دون محاربة حقيقية للفساد، والمدخل الفاعل لتحقيق تقدم في ملف العدالة يتمثل في التمكين المعرفي الذي يمكن من خلاله استعادة الحراك الاجتماعي.

7