الاستثمار في الثقافة

شتم العولمة والحديث المستمر عن أخطارها على الهوية الثقافية، لا يمكن أن ينقذنا من تأثيراتها بعد أن استطاعت اختراق الحدود، خصوصا مع التطور الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي.
الثلاثاء 2018/10/09
غياب التنمية الثقافية رغم الحاجة المتزايدة إليها (لوحة: علاء شرابي)

لا يبدو حتى الآن أن التنمية الثقافية التي تزداد الحاجة إليها في بلداننا الساعية لمواجهة تحديات الداخل والخارج يأخذ القائمون عليها في اعتباراتهم معنى أن تواكب التنمية الثقافية مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكي يتم استيعاب التحولات الجديدة التي تفرضها عملية التنمية المستدامة من جهة، والتعاطي الإيجابي مع التحولات الثقافية الإنسانية وتأثيرات العولمة والتطور التكنولوجي السريع على واقعنا وحياتنا من جهة أخرى.

وكمقدمة لتحقيق هذا الهدف يأتي الاستثمار في الثقافة في طليعة الأهداف التي لا بد منها، لكن استمرار الرؤية التقليدية إلى التنمية الثقافية بعيدا عن علاقتها بمجالات التنمية الأخرى، جعل التنمية الثقافية تتحرك في الهامش، إن لم نقل إنها تشهد غيابا، على الرغم من الحاجة المتزايدة إليها. والغريب أن هذا التهميش للثقافة يأتي في وقت تشهد فيه الثقافة العالمية تطورا واهتماما متزايدا، يعكس أهمية الدور الذي أصبحت تلعبه في عصرنا الراهن.

إن نظرة جديدة تتماشى مع معطيات العصر وأهمية المكانة التي أصبحت تحتلها الثقافة في سياسات الدول المتقدمة تستدعي إعادة تجديد رؤيتنا إلى الثقافة كقيمة اقتصادية، وعلاقتها بقطاعات التنمية الأخرى في مجتمعاتنا، لأنه من غير الممكن أن تتحقق التنمية في مجتمعات لا تزال الثقافة عاجزة فيها عن مواكبة عمليات التغيير والتطور في المجتمع، خصوصا في عصر التحولات الكبرى والعولمة، التي باتت تشكل تهديدا للخصوصية الثقافية والقيم الثقافية المحلية.

من هنا فإن تحقيق التنمية الثقافية يتطلب قبل أي شيء آخر بلورة رؤية جديدة وعصرية للثقافة تقوم على الاستثمار فيها، وذلك من خلال الاستفادة من النظريات والتجارب العالمية في هذا المجال، بغية تطوير هذه الرؤية وتسريع وتيرة الاستثمار في الثقافة بنوعيها المادي واللامادي بصورة تدعم فيها عملية التنمية في المجالات الأخرى من خلال المردود الاقتصادي الذي يمكن أن تحققه، لا سيما وأننا نمتلك تراثا ماديا يمكن أن يساعدنا في تحقيق هذا الهدف.

إن شتم العولمة والحديث المستمر عن أخطارها على الهوية الثقافية، لا يمكن أن ينقذنا من تأثيراتها الكبيرة بعد أن استطاعت اختراق الحدود، خصوصا مع التطور الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا المعلومات.

كل هذا يفترض سياسة عصرية جديدة تأخذ في اعتباراتها كل هذه التحولات والتحديات، ويدفعها لإيلاء التنمية الثقافية المستدامة أهميتها الخاصة من خلال الاستثمار فيها بما ينعكس إيجابا على هذه التنمية ويوفر المستلزمات المادية لتطورها. في الماضي كانت الثقافة والعمل الثقافي يشكلان عبئا على الاقتصاد وعملية التنمية في المجتمع والآن حان الوقت لكي يشكلا داعما ماديا حقيقيا لهما.

15