الاستثمار في الثقافة.. دور الاقتصاد الثقافي في تحقيق التنمية المجتمعية

العولمة الثقافية التي هي أصل العولمة، تجعل الناس ينخرطون في الثقافات والنظم وقبول نظم الحياة الجديدة.
الأحد 2018/11/25
إضافة مهمة لعلاقة الثقافة بالتنمية المجتمعية (اللوحة للفنان وليد المصري)

على ندرة الكتب التي تبحث بصورة علمية، في موضوع الاستثمار في الثقافة، يأتي الكتاب الصادر هذا العام عن النادي الثقافي في عمان بعنوان “الاستثمار في الثقافة: بحوث علمية محكمة لمجموعة من الباحثين والباحثات العرب والعمانيين”، إضافة مهمة للبحث في طرق ووسائل تعزيز موقع الثقافة في عملية التنمية المستدامة.

وتنبع أهمية هذا الكتاب الذي جاء في 575 صفحة من القطع الكبير من كونه، يتناول هذا الموضوع في سياق رؤية شمولية، تدرس علاقة الاستثمار الثقافي بجوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بهدف تحقيق التكامل بين عناصر هذه العملية المستدامة، من خلال ما يمكن أن تضيفه الثقافة من تعزيز للاقتصاد الوطني من خلال هذا الدور.

 إن أهمية هذا الدور الذي تلعبه الثقافة جعل منها محورا أساسا في أجندة القرن الحالي، وفي توجهات منظمة اليونسكو لتعزيز التنوع الثقافي في العالم. وانسجاما مع هذا الدور جاءت هذه المبادرة من النادي الثقافي، لاستقطاب مجموعة كبيرة من الباحثين والمختصين العمانيين والعرب في هذا المجال.

وقد ظهر ذلك واضحا في مجموعة البحوث العلمية المحكّمة الكثيرة، في مسعى لتقديم الثقافة بوجوهها المتعددة، كمواد اقتصادية يمكنها المساهمة، في الدخل الاقتصادي للدولة، باعتبارها مواد ذات أبعاد تنموية قابلة للتشكل بأشكال وصور أخرى عند توفر الظروف المطلوبة لذلك.

رأس المال الثقافي

في هذا الكتاب الذي قاربت عدد صفحاته الستمئة صفحة، ثمة بحوث متنوعة حاول القائمون على هذا المشروع تغطية جوانبها المختلفة، وكان موضوع الاستثمار الحكومي لرأس المال الثقافي، في المجتمع العماني وكيفية تفعيله من وجهة نظر الشباب، هو فاتحة البحوث التي شاركت في إنجازها الباحثتان جليلة بنت راشد الغافرية، وزيانة بني عبدالله أمبو سعيدية.

 تنطلق الباحثتان من اعتبار الثقافة ذات قيمة اقتصادية عالية، تتجلى في إحياء مهن ترتبط بالثقافة المادية وغير المادية، وفي توفير فرص العمل، كما هو ظاهر في التوجه العالمي نحو توظيف الثقافة المحلية وتطويرها من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية، خاصة في منطقتنا التي تحفل بتراث عريق، يمكن استثماره في استقطاب المزيد من الراغبين في التعرف إليه.

الدور الكبير الذي لعبته الثقافة في جلب المستثمرين دفع مدن المركز إلى مضاعفة الاهتمام بدور الثقافة في سياسات التنمية

وترى الباحثتان أن العولمة الثقافية التي هي أصل العولمة، تجعل الناس ينخرطون في الثقافات والنظم وقبول نظم الحياة الجديدة. لذلك ولتفادي التأثير الكبير للعولمة تجد الكاتبتان ضرورة الاهتمام برأس المال الثقافي، وتفعيل دور الثقافة بشتى أشكالها، وفي مقدمته التراث المادي واللامادي، وفي هذا السياق تتناولان التجربة العمانية وما تتطلبه من دراسة وتخطيط في ضوء النظريات العالمية لدراسة رأس المال الثقافي وكيفية استثماره وتوظيفه.

ويطرح الدكتور مسعود بن سعيد الحضرمي مفهوما أشمل لعملية التنمية الشاملة، يكون فيها دور العامل الثقافي ليس أقل أهمية من العامل الاقتصادي، ومن أجل تحقيق هذه الأهداف يطالب بدمج البعد الاجتماعي للتنمية مع البعد الاقتصادي، في عملية التنمية الشاملة. وهو ما يتطلب كما يرى الباحث ضرورة إحياء التراث العربي، وتشجيع الابتكار وتعزيز التفاعل بين المجتمعين الحضري والريفي، والعمل على إدخال تدريس مادة التنمية الثقافية في مناهج التعليم العالي، ليكون خريجو الجامعات على معرفة بمعنى وأهمية هذه التنمية.

ومن جانب آخر يطالب الدكتور ياسر عماد الهياجي السعودية بأن تجعل الأسس الاستراتيجية للاستثمار الثقافي في التنمية السياحية تقوم على تنمية التراث الثقافي والاستفادة من قيمته الاقتصادية سواء من حيث توفير فرص العمل، أو إحياء المهن والحرف التقليدية أو جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال. وفي هذا السياق يشرح مفهوم اقتصاديات التراث بوصفه مفهوما شاملا يختص بحياة المورد التراثي وإدارته. كما يتحدث عن دور التنمية السياحية في استدامة الموارد التراثية وتحقيق تنمية المجتمعات المحلية.

ومن زاوية التنمية الحديثة يتناول الدكتور محمد بن حميد السلمان من البحرين مسألة الاستثمار الثقافي للمبدعين في المجال الثقافي، مركزا على ضرورة ربطها بالمعايير الثقافية والإنسانية لأن المعايير الاقتصادية وحدها لا تكفي لتحسين أوضاع البشر الحضارية والتنموية. وهنا يستعيد الباحث ما جاء في القمة العالمية للحكومات التي عقدت في دبي عام 2017 من أن العالم العربي ينتج سنويا في مجال دعم الاستثمار في ثقافة الكتاب 20 ألف كتاب أي أقل مما تفعله دولة مثل رومانيا. لذلك يركز في بحثه على أسس الاستثمار الثقافي الحقيقي بعد أن ظهر أن مؤسسات الإعلام متعددة الجنسيات باتت تمتلك شركات النشر الورقي والإلكتروني وتسجيل الموسيقا وإنتاج الأفلام وتطوير البرمجيات، وتسعى لامتلاك الإبداع ومواهب المبدعين، وصولا إلى التراث الشعبي لشعوب العالم الثالث.

ويطالب الباحث بأن يكون الاستثمار الثقافي ذا مردود ربحي من أجل خدمة الإنسان وتسويق عطائه وإبداعه الفكري وخلق الكوادر المتعلمة والمتدربة لتعزيز الاستثمار الثقافي. لذلك يركز على مسألة إعداد الموارد الإنسانية، وسبل تنميتها وتأهيل البنية الثقافية التحتية عبر تأهيل مؤسسات المجتمع المدني الثقافية، لكي تصبح منتجة، مع الأخذ في الحسبان أن تحقيق الأرباح في مجال الاستثمار الثقافي غير ممكن على المدى القصير. لذلك يدعو إلى وضع سياسة لصناعات ثقافية حديثة تراعي التنوع الثقافي في البيئات العربية المختلفة.

علاقة الاستثمار الثقافي بجوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية
علاقة الاستثمار الثقافي بجوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

تمويل الثقافة

ويفتتح الدكتور رشيد بن مالك من الجزائر دراسته حول قضايا الثقافة وبعدها التنموي واحتياجات الصناعة الثقافية بمقاربة تاريخية للصناعات الثقافية، نظرا للدور الذي لعبته في مراحل لاحقة في استيعاب المفاهيم الجديدة التي بنيت على أساسها.

وفي هذا الإطار يتحدث عن موقع الثقافة بين مفهومي التنمية والتنمية المستدامة، على صعيد تلبية تطلعات الفرد وتأمين حقه في الوصول إلى المعرفة وتحقيق الإدماج الحضري. واستكمالا لهذه الأهداف يعرض لقضايا الاستثمار الثقافي وعلاقته بالممارسة الإبداعية والابتكارية بعد أن يقوم بتعريف كل من المفهومين. ويرى الباحث أن التكفل بهذه المنتوجات في بعديها الثقافي والإبداعي لم يكن ممكنا تحقيقه لو لم يحتل البعد الثقافي مكانته في الاستراتيجيات، التي اتبعتها الدول في سياساتها الثقافية.

إن الدور الكبير الذي لعبته الثقافة في جلب المستثمرين دفع مدن المركز إلى مضاعفة الاهتمام بدور الثقافة في سياسات التنمية، لكنه يميز بين نوعين من الخطابات المتعلقة بهذه السياسات، نوع يشيد بالتداعيات الاقتصادية الناجمة عنها، بينما يعارض النوع الثاني الاستثمارات العمومية في الثقافة متذرعا بمحدودية الميزانية وتبذير المال العام، إضافة إلى عدم أهمية المشاريع الثقافية في عملية التنمية. لكن الباحث على الرغم من تأكيده على بطء التنمية الثقافية، يلح على دورها في التنمية المستدامة وعلى دور الابتكار من خلال التشجيع، وهذا ما يمكنه أن يحدث قفزة ثقافية نوعية وتنمية اجتماعية واقتصادية أيضا.

ويناقش الباحث يوسف سباعي من المغرب الأبعاد الاقتصادية للصناعات الإبداعية في ضوء تجارب مغربية، ومن خلال الاهتمام الذي أخذت تحظى به قطاعات الفنون والثقافة في زمننا الراهن، كاشفا عن الأبعاد الاقتصادية للصناعات الإبداعية، من خلال بعدين اثنين هما البعد الاستثماري، كما ظهر في المخصصات المتنامية التي أخذت تحظى بها في المغرب. أما البعد التجاري فهو يتطلب من وجهة نظره تكثيف الجهود وتكييفها مع أولويات الفئات المستهدفة الكائنة والممكنة. ويحاول الباحث هنا توضيح ذلك من خلال الدور الذي تلعبه المهرجانات الفنية والعلامات التجارية ودور الصناعات الإبداعية كوسيط، في تسويق المنتجات.

12