الاستثمار في المواهب والحلم بالمستقبل: ميدالية ذهبية كبرى لميجور

الأحد 2016/08/28
خطة ميجور

بعد الحرب العالمية الثانية كان على اليابان الخروج من بؤرة اضطرابات كادت تعصف بما تبقى من البلد. كانت المناطقية هي وقود الصراع الذي اشتعل بعد رفض حاكم محافظة ناغا أوكا الانصياع لسلطة الإمبراطور، الذي اضطر إلى إرسال جحافل عسكرية جرفت المنطقة من كل شيء، حتى عمت المجاعة المحافظة المتمردة ومناطق أخرى.

سارعت السلطات المركزية إلى إرسال المواد الإغاثية إلى المنطقة التي عمت رائحة الحريق كل جنباتها. كانت المعونة العاجلة هي مئة كيس أرز فقط.

بدلا من استخدام ثمنها في إطعام الجائعين ومن ثم خسارة أكياس الأرز وانتظار المعونة القادمة، قرر كوباياشي حاكم المحافظة بناء مدرسة. المئة كيس أرز صارت ألفا وعشرة آلاف ومليونا.

هذه هي ببساطة قصة انطلاق اليابان، التي خرجت للتو من حرب ساحقة، لم تترك شيئا من الموارد النادرة أصلا. بلد مدمر فعليا يخضع لحكم الخصم المنتصر ويفقد كل معنى لأي دور كان يلعبه في محيطه قبل الحرب.

اتبع اليابانيون معادلة بسيطة تتلخص في أنه يتعين استثمار البلد في شبابه اليوم، حتى يستثمر الشباب في بلده غدا.هناك من فهم هذه المعادلة مبكرا في بريطانيا التي كان الناس فيها يشعرون بالخجل كل أربعة أعوام خلال الثمانينات والتسعينات في كل مرة يرسلون فيها فرقهم “العاجزة” من أجل المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية.

الاستثمار في البشر، الذي بدأ بمدرسة “كابو غوكان” في محافظة ناغا أوكا، والآلاف من المدارس الأخرى التي عاد شباب المبتعثين للخارج من أجل بنائها لاحقا، هو ما نهض باليابان سريعا

كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جون ميجور (1990-1997) يعتبر أن إخفاق بلاده المتكرر في الأولمبياد هو إخفاق حكومي قبل أي شيء.

لم يكن سهلا في بريطانيا تخصيص أموال ذات استثمار طويل الأجل من دون الدخول في حروب شاقة مع المعارضة، كي تقتنع بأن البلد سيذوق ثمرة هذه الأموال خلال عشر سنوات. ليس هكذا تدار الأمور هنا.

كان على ميجور الولوج إلى “عش دبابير” يقوده حزب العمال والكنيسة وقطاعات واسعة من المثقفين. لجأ ميجور إلى اللوتري. واللوتري في عالمنا العربي هو لعبة اليانصيب، وهي مراهنات يشتري فيها الناس تذاكر مرقمة من باعة معتمدين أو ماكينات بيع التذاكر، ثم يجرى سحب عام يتم خلاله اختيار رقم التذكرة الفائز بشكل عشوائي.

لم يفهم الكثيرون في التسعينات تشريع ميجور بتخصيص 20 بالمئة من أموال اليانصيب الوطني البريطاني لصالح دعم الرياضة، وفي مقدمتها الألعاب الأولمبية. كان ميجور قد استوعب درس اليابان.

اليوم يذهب 40 بالمئة من ثمن تذاكر اليانصيب لدعم الصحة والتعليم والبيئة والأعمال الخيرية، و20 بالمئة للرياضة و20 بالمئة للفنون و20 بالمئة أخرى للتراث. نهض ميجور بكل هذه القطاعات دفعة واحدة وبتشريع واحد.

قبل أولمبياد أطلنطا، التي احتلت فيها بريطانيا المركز الـ36 في عدد الميداليات منها ذهبية واحدة، كانت ميزانية الأولمبياد لا تتعدى 4 ملايين جنيه إسترليني في العام. كانت هذه آخر دورة قبل اعتماد خطة ميجور.

في سيدني، بعد مرور أربعة أعوام، كانت الميزانية قد قفزت إلى 69 مليون جنيه إسترليني بفضل اللوتري. بالتزامن مع ذلك قفزت بريطانيا إلى المركز العاشر بـ11 ميدالية ذهبية.

اليوم تحتفل بريطانيا باقتناصها لأول مرة المركز الثاني في الأولمبياد التي انتهت فعالياتها للتو في ريو دي جانيرو بـ67 ميدالية، منها 27 ميدالية ذهبية.

اليوم تحتفل بريطانيا باقتناصها لأول مرة المركز الثاني في الأولمبياد التي انتهت فعالياتها للتو في ريو دي جانيرو بـ67 ميدالية، منها 27 ميدالية ذهبية. لم يكن البريطانيون ليحلموا باجتياز دول كبرى اعتادت في السابق التربع على قمة التصنيف.

لم يكن البريطانيون ليحلموا باجتياز دول كبرى اعتادت في السابق التربع على قمة التصنيف. ظلت الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا بالنسبة إلى الإنكليز حواجز شاهقة تحتاج إلى معجزة كي تتمكن من القفز فوقها.

بعد انتهاء أولمبياد لندن 2012، كتب تيم مونتغومري في موقع حزب المحافظين أن ميجور “هو البطل المجهول الذي يستحق الميدالية الذهبية”. كلام مونتغومري صحيح أقله عند المقارنة بالإنجازات التي حققتها بريطانيا مقارنة بعدد السكان. الأمة التي لا يتخطى تعدادها 64 مليون نسمة وجدت نفسها في مواجهة مليار و600 مليون، هي مجمل سكان الدول الأربع الكبرى مجتمعة.

من المنطقي جدا مقارنة عدد السكان بعدد الميداليات التي يحصدها كل بلد على حدة. كلما اتسعت قاعدة اختيار الرياضيين من بين أعداد كبيرة يمارسون أي لعبة في المدن والقرى والضواحي النائية، زاد احتمال الحصول على أفضل المواهب التي قد تتمكن من حصد الميداليات.

ثمة عوامل أخرى حاسمة في تحديد اتجاهات قوة البلد الناعمة، ومنها الرياضة بالطبع؛ رقي التعليم وقاعدة البلد الثقافية وإمكاناته الاقتصادية والوعي بالاستثمار طويل المدى في قدرات البشر، وبنية تحتية قادرة على أن تشكل منصة صلبة لإطلاق كل ذلك.

تخطت بريطانيا في الأولمبياد الأخيرة كل منطق، وتمكنت من قفز الحواجز من دون الحاجة لأي معجزة.

كل ما فعله ميجور، بالتوازي مع استراتيجية أميركية مقابلة، هو بناء رؤية يدعمها قرار تأسيسي، ثم الانتظار. إلى جانب الرياضة استعادت بريطانيا المسرح مرة أخرى، بعدما اقتصرت العروض المسرحية في البلد لسنوات على المسرح الموسيقي.

هذا النوع من المسرحيات كاف لإشباع رغبات السائحين في مشاهدة مسرحية غنائية قصيرة وممتعة، لكنه لا يعبر عن المسرح الإنكليزي المتجذر في ثقافة هذا البلد لقرون.

اليوم عادت مسرحيات وليم شكسبير وتي اس إليوت وهارولد بنتر، بل وتعكف مسارح، كمسرح “غاليون” الشهير، على إنقاذ أعمال لكتاب من دول أوروبية أخرى قبل أن تغرق في دائرة النسيان.

عادت طباعة كتب التراث للازدهار أيضا. أعاد ميجور ببساطة إحياء مفهوم الهوية البريطانية لأجيال لم تعد تهتم كثيرا بالإجابة مثلا عن سؤال: لماذا تتشكل بريطانيا من الإنكليز والاسكتلنديين والويلزيين والأيرلنديين الشماليين؟

عاد النقاش مرة أخرى حول علاقة بريطانيا بمحيطها الأوروبي، لا انطلاقا من مفهوم الحدود فقط، لكن أيضا توغلا في أبعادها الثقافية والتاريخية.

في العالم العربي لا ينظر إلى الأمور هكذا. هذه منطقة يعيش فيها 350 مليون شخص، وتملك ثروات طبيعية هائلة وبنية تحتية حديثة نسبيا. مع ذلك لم تنجح خطط تنمية البشر أو الابتعاث الخارجي أو توظيف رؤى الشباب لبناء المجتمع في الإقلاع إلى الآن.

اليوم عادت مسرحيات وليم شكسبير وتي اس إليوت وهارولد بنتر، بل وتعكف مسارح، كمسرح “غاليون” الشهير، على إنقاذ أعمال لكتاب من دول أوروبية أخرى قبل أن تغرق في دائرة النسيان

العنصر الغائب في المعادلة هو أن ثمة حاجة لبناء الشباب أولا قبل توظيفه في البناء. انظر إلى مصر مثلا. هذا أكبر بلد عربي وأكثر البلدان العربية حصدا للميداليات الأولمبية؛ ومع ذلك لا رؤية ولا بنية تحتية ولا برامج معقولة لرعاية الشباب، وفساد يعصف بالمنظومة الرياضية رأسيا وأفقيا. في النهاية سيكون من السهل استنتاج أن البلد لا يحصل على ميداليات، بل من يحصل حقا عليها هم رياضيون متفرقون ومجتهدون يحملون عَلمه بينما لم يقدم هو لهم الكثير.

الأمر يختلف قليلا في الخليج الذي يضم عددا أقل من السكان، وإمكانيات هائلة، ونهجا يمكن التعويل عليه، لكنه مازال بحاجة إلى وقت.

المشكلة هي أن المسؤولين الخليجيين غير مستعدين للانتظار. في نهاية المطاف لجأ البعض منهم إلى الحل السهل عبر تجنيس الأبطال الأولمبيين، بدلا من استثمار الموارد المتاحة وتحمل تكلفة الوقت والاعتماد على أبناء البلد.

لا ينفي ذلك أن هناك في الخليج من فهم دروس اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة، ويعمل الآن بهدوء من أجل المستقبل.

أخيرا تعلم بعض القادة الشباب في المنطقة أن هذه الدول تمكنت من اكتشاف الطريق الصحيحة عندما انتشلت الناس من وسط الركام وألقت خلفهم بثقلها.

الاستثمار في البشر، الذي بدأ بمدرسة “كابو غوكان” في محافظة ناغا أوكا، والآلاف من المدارس الأخرى التي عاد شباب المبتعثين للخارج من أجل بنائها لاحقا، هو ما نهض باليابان سريعا. استوعب جون ميجور في بريطانيا هذا الدرس جيدا، واستحق على ذلك ميدالية ذهبية منحها إياه الشعب كبطل أولمبي مجهول.

كاتب مصري مقيم في لندن

13