الاستثمار في الموتى

الأربعاء 2017/02/15

المعارف بمعنى ما، حفظٌ للمعنى المجدي من التلاشي، بتدوينه وتأهيله للبقاء بوصفه لبنة في تشييد مسترسل البناء، الكتابة هنا اشتغال على الحقيقة في ذاتها وتجلياتها، لهذا فهي الشاهد الأصدق، بخلاف الكلام الذي يقال في سياقات شتى وينقل على ألسنة عدة، لهذا تمتلك المعارف صدقيتها وجدواها من اتصالها بالمتون المخطوطة والمطبوعة والمنشورة بين الناس، والمشهود بصلتها بأصحابها. بينما يتحول الرأي المأثور شفاها إلى احتمال قابل للتجريح.

لهذا تجد أن عددا كبيرا من التحاليل المتصلة بالأدب والتاريخ والفلسفة والاجتماع والسياسة والشريعة تتخذ منحى التزيّد الخيالي حين تتداعى في محاضرات مرتجلة، دونما تحفظ، أذكر هنا أن المرحوم عبدالهادي التازي، وهو العلامة المحقق والمؤرخ البارع، كان لا يتورع، أحيانا، عن اختلاق أضاليل شتى بصدد مخطوطات ووقائع لا وجود لها في حياة أعلام مشهورين كابن رشد وابن خلدون وابن الخطيب وغيرهم، عندما يكون بصدد حديث مسترسل لا تحفه محاذير؛ بيد أنك حين تلجأ إليه بعد انتهاء محاضرته للتحقق من مصدر المخطوطة أو المعلومة يغرقك في تفاصيل مدهشة لا تخرج منها بطائل.

ويبدو أن خاصية “الاختلاق” سمة عدد كبير ممن يشتغلون بالمخطوطات والأرشيف القديم، ذلك أنهم ببراءة تامة أحيانا، لا يجدون حرجا في المبالغة والتخيّل، لفتنة المستمعين، وهو ما يمكن تسميته بـ”الاستثمار في الموتى”، بيد أنها في النهاية سمة لا تطعن في عمق معارفهم ودقتها، ما داموا يفصلون فصلا تاما بين الغواية اللفظية التي تبدو من لوازم هالة العالم الكبير، وبين الشاهد المكتوب الذي لا تتسرب إليه الزوائد والخيالات، والقيم المضافة المتصلة بأحوال الفضفضة، فأنت في النهاية لا يمكن إلا أن تعجب بالتحقيقات الدقيقة والعارفة لعبدالهادي التازي مثل ما تعجب بتحقيقات محمود شاكر أو إحسان عباس.

تداعت إلى ذهني هذه الأفكار، عزيزي القارئ، بعد أن تسارع في الآونة الأخيرة إيقاع المغادرة لمن ملأ السمع والبصر يوما من فنانين وشعراء وروائيين ونقاد وباحثين، من شتى أصقاع الأرض، من محمود عبدالعزيز إلى مروان قصاب باشي، ومن نبيلة إبراهيم إلى تزفيطان تودوروف، مغادرات شكلت أحيانا فرصة لاستذكار منجزاتهم الفنية والفكرية والأدبية بقدر جمّ من الإجلال والحسرة، لكنها شكلت أحيانا اخرى وبقدر كبير من الحماس، فرصة استثنائية لما أسميته بالاستثمار في الموتى، ذلك أن الموت بات فرصة لاصطناع الحكمة، والتحاذق في تأويل الفناء، وتأثيث تراث الصداقة بأمجاد وهمية، تحس وأنت تتابع تلك الثرثرة الناعمة، أن من يموت يرحل وحده، يغادر في سكينة وصمت، فيصير مقام الحداد، فرصة لاجترار الكلام الفاقد للمعنى، ولحظة لسرد خيالات ووقائع سطحية، يحسبها أصحابها فقها جليلا للحياة.

كاتب من المغرب

14