الاستثمار في ضمير الفرد

الخميس 2018/01/25

أطالع في الصحف والمواقع الهولندية باستمرار أخبارا عن قيام لاجئين من جنسيات مختلفة، أو ما يطلق عليهم اسم “القادمون الجدد” بأعمال سرقة بسيطة من محلات ومتاجر مختلفة، وهي سرقات صغيرة لا تتجاوز، في الغالب، قطعة ملابس أو علبة سجائر أو زجاجة بيرة أو أي شيء آخر يكاد يكون بلا قيمة.

وكثيرا ما تساءلت بيني وبين نفسي عن سبب إقدام هؤلاء الأشخاص على مثل هذه السرقات التي لا تعود عليهم بمنفعة كبيرة، ويتجاوز، في المقابل ضررها، من يقف خلفها، إلى فئة بأكملها تمر مسبقا بظروف وضغوط مفروضة عليها من كل الجهات. أستغرب أيضا أن بعضهم يقبل على هذه الممارسات للمرة الأولى في حياته. وظني أن المشكلة ليست في الحاجة أو قلة ذات اليد، أو انعدام الأخلاق، لكن المشكلة في الضمير.

استثمار أوروبا في ضمير الفرد وفي الوازع الذاتي على مدى عقود طويلة أوصلها إلى حد إتاحة البضائع والمقتنيات في المحلات دون رقيب أو محاسب ما عدا بعض الكاميرات المعلقة في الأركان والزوايا والتي لا يدري أحد بوجودها.

يمكنك اليوم أن تدخل إلى سوبر ماركت في هولندا وتقتني كل ما تريده، تضعه في سلة وتتجه إلى الآلة الحاسبة، حيث لا يوجد موظف هناك، وإنما فقط جهاز نسخ أو شاشة صغيرة، تمرر عليها بمفردك الأغراض التي اقتنيتها الواحد تلو الآخر، تدفع الحساب بالكارت، ثم تمر.

في محطات البنزين أيضا، لا أحد يراقبك: تمول، تضع الكارت، تدفع، وتواصل السير. الشيء نفسه يتكرر في محلات الملابس، والمطاعم، والأجهزة الإلكترونية والمحلات الغذائية.

هذا لا يعني إطلاقا أن الأمر لا يخلو من مخاطر ومجازفات في بعض الأحيان، لكن التجربة بينت أن ضمير الفرد قادر على تحمل هذا التحدي رغم كل الإغراءات، وأنه وصل بالفعل إلى مرحلة مراقبة نفسه بنفسه دون الحاجة إلى من يراقبه، وأن فكرة المواطنة ترسخت داخله، بحيث أصبحت مصلحة الوطن تأتي فوق مصلحته وتتساوى معها، ما عدا بعض الاستثناءات.

جاءت هذه القناعات بعد تجارب وسياسات وأنظمة تعليمية واقتصادية وتطبيقات سوسيولوجية كثيرة، وبعد المرور بأكثر من مرحلة تنموية وتوعوية، وإصلاحية داخل مؤسسة الفرد والمجموعة.

لكن الوافدين الجدد لم يمروا من هذه المراحل مجتمعة التي أوصلت الغرب اليوم إلى تكوين ضمير الفرد والاستثمار في الوازع الذاتي وحس المواطنة، استثمار خرج من النظري إلى التطبيقي، وأصبح مصطلح “ضمير الفرد” مصطلحا اقتصاديا تبنى عليه السياسات الاقتصادية وتوضع وفقه الموازنات.

التحدي، لهذه الأسباب كلها، أمام الأجنبي أكبر بكثير، والإغراء أكبر، والقدرة على المقاومة أضعف. وجود هذه البضائع والمقتنيات متاحة بتلك الطريقة السهلة يجعل الكثيرين يعتقدون أن أخذها دون دفع مقابلها لا يعد سرقة بما تحمله الكلمة من معنى وبعد أخلاقي، فالسرقة كما هو متعارف عليها هي السطو على ما ليس لك، بينما هذه البضائع، كما يبدو ظاهريا، بلا صاحب، وهي متاحة للجميع.

يقع الكثير من الأجانب في هذا الفخ، غير مدركين أن الحضارة الغربية لئن وصلت إلى مرحلة جعل المواطن يراقب نفسه بنفسه، إلا أنها أدركت أيضا أن نزع الشر من قلوب البشر جميعهم أمر يكاد يكون مستحيلا، لذلك وضعت أعينا إلكترونية، تراقب من شذ عن المجموعة.

تسبق عملية الاستثمار في ضمير الفرد سلسلة طويلة من الإصلاحات والسياسات التي تجعله مكتفيا راضيا، سعيدا، قانعا، لا يشعر بالظلم أو بالتهميش، ولا يحقد على سلطة أو نظام مسلط عليه، وتسبقها أيضا، القدرة على الإيمان بالفرد وقدراته، وإمكانية تحويله إلى مكسب وطني وعامل من عوامل النهضة والرقي.

كاتبة تونسية

21