الاستثمار في مجال البحث العلمي لم يعد ترفا حضاريا

الثلاثاء 2015/04/28
خفض الإنفاق على البحث العلمي يعطل التقدم

نيويورك – حذّر تقرير صدر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من أن تقليص الإنفاق على البحث العلمي يهدد مجال الابتكار الأميركي بالعجز، في الوقت الذي يشهد فيه العالم تطورا ملحوظا في علاقة الاتصال بين المعرفة العلمية والقوة الاقتصادية والسياسية.

يستشعر علماء أميركيون، بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، خطرا كبيرا قد يهدّد ريادة بلادهم في مجال التقدّم العلمي، وستكون انعكاساته سلبية على الاقتصاد والأمن القومي للولايات المتّحدة.

ودقّ الباحثون ناقوس الخطر من خلال تقرير صدر مؤخّرا بعنوان “مستقبل مؤجل: تراجع الاستثمار في مجال البحث العلمي يهدد الابتكار الأميركي بالعجز"، قائلين إن تقليص الإنفاق على مجالات البحث الأساسية يؤدي إلى تعطيل التقدّم في 15 ميدانا تتعلق بإنقاذ حياة البشرية بدءا من الإنسان الآلي وطاقة الاندماج النووي وانتهاء بمرض الزهايمر وقطاع الزراعة.

وقال مارك كاستنر، عالم الفيزياء بالمعهد الذي يرأس اللجنة، التي وضعت التقرير، إن تمويل العلوم “بلغ أدنى حد له منذ الحرب العالمية الثانية ضمن الميزانية الاتحادية. وهذا يهدد بالفعل مستقبل أميركا”.

وقد قامت الحكومة الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية بالاستثمار على نطاق غير مسبوق في أبحاث العلوم والهندسة. واستمر الاستثمار في الأبحاث العلمية والتقنية حتى بعد انتهاء الحرب. ويحصل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) على نحو 70 بالمئة من التمويل اللازم لأنشطته البحثية من المنح الحكومية.

وتقود أميركا ثورتها بالتقدم العلمي وبهذا التقدم تحافظ على سيادتها الاقتصادية وسلطتها العسكرية ونفوذها العالمي، فبالتقدم التكنولوجي والعلمي تتطوّر الأسلحة، وتتقدّم الصناعة، ويتحسّن مستوى المعيشة، ويتقدّم الطب، وتتطوّر الفنون ومختلف مظاهر الحياة الأخرى… وعلى حدّ تعبير المسؤول البيئي في إدارة أوباما، كيري آن جونز «إن العلم في كل مكان»، وهو يظهر في مواضيع الطاقة والزراعة، وجميع المواضيع الأساسية حتى في العلاقات السياسية بين الدول.

وفي ظلّ المتغيّرات الجديدة التي بدأت تطرأ على العالم وظهور قوى منافسة، حوّلت الولايات المتحدة العلماء والخبراء في التكنولوجيا إلى سلاح دبلوماسي فعّال يضمن لها السيادة إذا ما تراجع نفوذها السياسي وهيمنتها الاقتصادية.

لكن تسبب خفض ناجم عن إخفاق البيت الأبيض والكونغرس في التوصل لاتفاق بشأن تقليص العجز في الموازنة إلى تراجع ميزانيات المعاهد القومية للصحة ووكالات علمية أخرى فيما يرتبط إصدار تشريع بشأن الإنفاق على البحوث بالجدل الدائر حول تغير المناخ وأمور أخرى، مما يهدد مكانة أميركا في صدارة الدول المتقدّمة في مجال البحث العلمي.

تقليص الإنفاق على مجالات البحث الأساسية يؤدي إلى تعطيل التقدّم في 15 ميدانا تتعلق بإنقاذ حياة البشر

تراجع أميركي

مع ثورة التكنولوجيا والمعلومات ووسائل الاتصال الحديثة التي أحدثت تحولات جذرية في أساليب معيشة الناس وأدائهم لأعمالهم، أصبح الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والتطوير حاجة ملحة، وليس ترفا، لأولئك الذين يودون الالتحاق بركب التقدم الحضاري.

ونتيجة لذلك نشأ مفهوم سياسة العلم ومفهوم سياسة البحث العلمي. وبنشأة هذا المفهوم سعت معظم دول العالم إلى إعلان سياساتها الخاصة بالبحث العلمي لتكون إطارا قانونيا لما تتخذه من قرارات مبنية على معلومات دقيقة من أجل تحقيق أهدافها.

ويصدر تقرير معهد “ماساتشوستس للتكنولوجيا” في وقت يكتسب فيه الإنفاق على مجال البحوث صبغة سياسية غير معهودة، حيث بزغت خلال العقود الأخيرة أقطاب عالمية جديدة أعادت تعريف خارطة الاقتصاد العالمي من خلال معدلات النمو العالية التي حققتها، ومن أبرزها الاقتصادات الناشئة في الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.

وقد استشعرت هذه الدول أهمية الاتجاه نحو الاستثمار في مجالات البحث العلمي والتطوير والابتكار كأداة استراتيجية من شأنها المساهمة في تحقيق استدامة النمو الاقتصادي والمحافظة على تنافسيتها أمام مراكز القوى العالمية التقليدية.

في المقابل، تراجعت نسبة الإنفاق الاتحادي (الأميركي) على الأبحاث من إجمالي الإنفاق الحكومي من حوالي 10 بالمئة في 1968 إبان برنامج الفضاء، التنافس مع الاتحاد السوفييتي، إلى أقل من 4 بالمئة في 2015 وتراجعت كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 0.6 عام 1976 إلى ما دون 0.4 بالمئة.

يأتي هذا التراجع فيما زادت دول أخرى من الإنفاق على مجالات البحث العلمي وحققت إنجازات جعلت الولايات المتحدة تسير خلفها. وفي عام 2014 نجحت وكالة الفضاء الأوروبية في إنزال مركبة فضائية على مذنب وابتكرت الصين أسرع كمبيوتر فائق في العالم.

مارك كاستنر: تراجع الإنفاق في مجالات البحث الأساسية يهدد مستقبل أميركا

وتعكس أراء الخبراء والباحثين في التقرير الأميركي أهمية هذا القطاع في بناء عظمة الدول واستمرار قوّتها، حيث يؤكّد التقرير أن الولايات المتحدة لديها فرصة للقيام بدور قيادي عالمي في عدة مجالات من بينها أبحاث توليد الطاقة بالاندماج، وتكنولوجيا الروبوتات، وغيرها، وهي فرصة متاحة لكلّ الدول التي ترى في الاستثمار في هذا المجال طريقها نحو التقدّم.

ويوضّح كاستنر أن التقرير ينظر إلى التحديات التي تواجه الولايات المتحدة والعالم في مجالات متنوعة مرتبطة بالبحوث والدراسات، من الأمن السيبيري والروبوتات وصولا إلى الزراعات العضوية والأمراض المعدية وعلم الأحياء. ويعرض التقرير تفاصيل الفوائد المحتملة، عند زيادة الدعم الحكومي للأبحاث الأساسية. وهذه النظرة ولئن خصّ بها التقرير السياق الأميركي، إلا أنها تعني كلّ حكومات العالم. ويضيف كاستنر “على الرغم من أنه لا يمكن التنبّؤ بالفوائد المتأتية من أي مسعى علمي معين، ليس هناك شك في أن الاستثمار في المجال العلمي يأتي أكله دائما، على مر الزمن”.

ويبدو جليا أن النمو الاقتصادي أصبح يعتمد وبشكل كبير على إنتاج المعرفة الناتجة عن الأفكار الابتكارية والبحوث العلمية، وأن الدول لا ترتقي إلا بفضل استثمارها في البحث العلمي والتكنولوجيا. ويدعم كاستنر هذه الرؤية بآراء رجال الاقتصاد الذي يقولون “إن الاستثمارات السابقة في البحث والتطوير تمثّل جزءا كبيرا من الناتج المحلي الإجمالي الحالي لدينا، وليس هناك شك في أننا سوف نعاني إذا عجزنا عن مواكبة تلك الدول التي تخصص استثمارات أكبر مما نخصصه في مجال البحث العلمي”.

تهديد الأمن القومي

يناقش معدو تقرير “مستقبل مؤجل” مجالات البحث التي تعاني من ضعف الإنفاق وتحتاج إلى الدعم الحكومي، وتسليط الضوء على الفرص المحتملة فيها، من ذلك؛ ابتكار عقاقير لمكافحة البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية، إذ تتقاعس شركات التصنيع الدوائي عن إنتاج مضادات حديثة متوقعة أرباحا ضئيلة ما جعل الحكومات الممول الوحيد لهذه الابتكارات كملاذ أخير.

الاستثمار في البحث العلمي والابتكار أداة استراتيجية من شأنها المساهمة في تحقيق استدامة النمو

ومن بين المجالات الأخرى التي تفتقر للإنجازات الهندسة الوراثية للفيروسات لرصد وقتل الخلايا السرطانية وكمبيوتر الكوانتم -الذي تستثمر فيه الصين على نطاق واسع- للنهوض بسرعة الحاسبات ومجالات الأمن الالكتروني والأجهزة التعويضية ومضاعفة الإنتاج الغذائي. ويشير التقرير إلى الحاجة إلى توسيع البحوث في علم الأعصاب، وكيمياء الدماغ، وعلم الشيخوخة لتطوير علاجات جديدة لمرض الزهايمر.

يتوقع التقرير أن يرتفع عدد سكان العالم من 7 مليار نسمة إلى 9 مليار بحلول عام 2040، وبالتالي فإن قلة الأراضي الصالحة للزراعة ستتطلب زيادة بنسبة 50 بالمئة في كفاءة إنتاج الغذاء. وهذا سيخلق أزمة خطيرة وقاتلة، في حال غياب الابتكارات والبحوث في مجال علوم النبات لتلبية الاحتياجات الغذائية العالمية وتفادي سوء التغذية، وما يمكن أن ينجرّ عن ذلك.

وكتبت ماري غارينغ، الباحثة في مجال البيولوجيا، في التقرير أن الاستثمار الأميركي في مجال البحوث المتعلقة بالزراعة والتنمية أقل بكثير من العديد من التخصصات العلمية الأخرى، على الرغم من أن الزراعة هي المسؤولة عن أكثر من 2 مليون فرصة عمل، وهي المصدر الرئيسي للولايات المتحدة في توفير عائدات التصدير.

الباحث هوورد شروب، المختص في مجال علوم الكومبيوتر والذكاء الاصطناعي، تحدّث عن أهمية الاستثمار في المجالين الأمني والإلكتروني، في ظل التهديدات السيبرية التي تطال الولايات المتحدة والتي دخلت مجال الأسلحة الحربية الاستراتيجية.

ويشير شروب إلى أن الهجمات الاكترونية ليست فقط مصدر إزعاج، ولكنها أخطر من ذلك حيث تشكل تهديدا للأمن القومي. وهناك حاجة أكيدة إلى الاستثمار لدعم إعادة تصميم أنظمة الكمبيوتر للقضاء على ضعف أمني خطير في مجالات مثل هندسة الكمبيوتر وآلية تحديد صلاحيات للوصول إلى موارد معينة متعلقة بالأمن المعلوماتي.

يبدو جليا أن النمو الاقتصادي أصبح يعتمد وبشكل كبير على إنتاج المعرفة الناتجة عن الأفكار الابتكارية والبحوث العلمية

وبيّن التقرير أن الولايات المتحدة أيضا تعاني من هجرة الأدمغة، بسبب انخفاض تمويل الأبحاث العلمية، حيث يشير رون وايس، الأستاذ في الهندسة البيولوجية والهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إلى أن “نقص الاستثمارات في مرافق المختبرات يؤدي إلى هجرة الكفــاءات العليا إلى الخارج”.

يكشف المجلس القومي الأميركي للاستخبارات في تقرير له بعنوان «التوجهات العالمية 2025: عالم جديد» أن النفوذ السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة قد يتراجع خلال العقدين القادمين.

ويذكر التقرير أنه بحلول العام 2025 ستجد أميركا نفسها واحدا من لاعبين رئيسين عدة على الساحة الدولية، وإن ظلت أقوى دولة في العالم، كما يتوقع تنامي الوزن السياسي والاقتصادي النوعي لبعض الدول مثل الصين وروسيا والهند بحلول 2025، وحدوث طفرة تنموية بفضل اعتماد الدول على التكنولوجيا المتقدمة.

وليحثّ مارك كاستنر على دعم الاستثمارات في مجال البحث العلمي خلص في نهاية التقرير، الذي ترأس لجنة، أكّد على أن هذه المساعي البحثية غالبا ما تسفر عن نتائج غير متوقعة، يكون لها تأثير إيجابي على حياة الإنسان، على غرار بعض الأبحاث في العلوم والرياضيات التي أدت إلى تطوير التصوير بالرنين المغناطيسي. وختم كاستنر في هذا السياق قائلا إن “الأبحاث العلمية تفتح أحيانا الطريق نحو اكتشاف تكنولوجيا أخرى جديدة، قد تغير العالم نحو الأفضل”.

7