الاستثمار في مراكز الدراسات.. ضرورة سياسية وتنموية

لمراكز الأبحاث دور ريادي في توجيه السياسات العالمية اليوم، بحكم أنّها أضحت تعد من الوسائل الوطنية الهامة والحيوية التي تعكس في ظاهرها اهتمام الحكومات بالعلم والمعرفة واستشراف آفاق المستقبل، وفي باطنها تعمل على رفد الحكومات بقراءات معمقة تفيدها في سياساتها الداخلية والخارجية.
السبت 2016/04/23
ثقافة مازالت بعيدة عن العالم العربي

الرباط – شكلت مراكز الأبحاث والدراسات محط اهتمام العديد من الدول في العقود الأخيرة، لما تمثله من ضرورة حتمية في التعرف على القضايا والظواهر والمتغيرات داخل المجتمع المحلي والبيئة العالمية، قصد دراستها وتحليلها وترتيب أسبابها ومن ثم بلورة مقترحات أكاديمية تساعد على استنبات الحلول المناسبة وتقديم التوصيات الاستشرافية.

وأصبحت تلك المراكز جزءا من مركز صناعة القرار في الدول الغربية وتساهم في برمجة الكثير من السياسات والاستراتيجيات العالمية على جميع المستويات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والتربوية، لكن ورغم هذه الأهمية لا يزال هذا المجال بعيدا عن الاهتمام العربي رغم أن رصد قضايا المنطقة وتحليلها يعتبران من صلب عمل مراكز الأبحاث الغربية وسبب وجودها.

وأكّد على غياب هذا الوعي خبراء وباحثون، تحدّثت إليهم “العرب”، أشاروا إلى أن المنطقة العربية التي تشهد أزمات بنيوية على جميع المستويات تفتقر إلى مراكز أبحاث تنظّر وتقدم التوصيات والدراسات الاستشرافية لتجاوز مشاكلها، وتعمل أيضا على توضيح الغموض وشرح ملابسات ملفات كثيرة محلّ جدل في المنطقة، وتقدّمها مراكز الأبحاث الغربية وفق أجندتها الخاصة وفي الأغــلب بعيدا عن الحيـادية والموضوعية.

تستمدّ هذه المؤسسات أهميتها من كونها وسيلة مهمة لصياغة المشاريع والقرارات الحيوية وإحدى أهم أذرع بلورة السياسة الخارجية للدول، وأبرز دليل على ذلك العدد الهائل والمتنوع ومتعدد التخصصات لمراكز الأبحاث الأميركية، التي يتبع عدد كبير منها وكالة الاستخبارات. وهذا ما يفسر النسبة الضخمة من الموارد المالية والبشرية التي ترصد لهذه المراكز بالمقارنة مع مثيلتها في العالم العربي.

ويعتبر عدد مراكز الأبحاث والدراسات في العالم العربي ضئيلا كما ونوعا وتمويلا مقارنة مع حجم الحاجة الكبيرة لمثل هذه المراكز. ووصل حجم تمويل هذه المراكز في الدول العربية إلى أدنى مستوى إذ يصل إلى 1 في المئة من ميزانياتها العامة. وأغلب هذه المراكز، على قلّتها، تعاني من مشكلات منها عدم الحياد في تناول القضايا المحلية والإقليمية، وتسلّط العقلية البيروقراطية وعدم المواكبة للمستجد العلمي نظريا وعمليا.

تعدد وتنوع المراكز البحثية المتخصصة بالمغرب لا يعكسان بالضرورة جودة الأبحاث التي تقوم بها

جودة المنتوج

ترتبط جودة وأصالة منتوج مراكز الأبحاث عضويا بالخبراء والأكاديميين والمفكرين الاستراتيجيين الذين يجمعون بين الخبرة العلمية والعملية، التي تؤهلهم للابتكار وهندسة السيناريوهات المستقبلية.

وفي هذا السياق شدد يوسف الكلاخي، مدير المركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية، على أن تعدد وتنوع المراكز البحثية المتخصصة بالمغرب لا يعكسان بالضرورة جودة الأبحاث والدراسات التي تقوم بها، وذلك راجع إما لارتباطها بأجندة خارجية أو داخلية أو عدم وضوح استراتيجية عملها، وهذا ما يطرح العديد من التساؤلات حول طبيعة اشتغال ومهام وأدوار هذه المؤسسات وكذلك في نجاعة النتائج والأبحاث التي تقوم بها.

من جهته اعتبر سعيد الصديقي، أستاذ القانون الدولي بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بأبوظبي، أن مراكز الأبحاث العربية التي تملك خصائص المراكز المهمة، على غرار التجربة المغربية، هي إما مراكز رسمية مثل المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، أو ممولة من قبل أجهزة الدولة ولو بشكل غير معلن، مثل مركز الدراسات الدولية، أو تابعة لمؤسسات إنتاج تملكها الدولة مثل مركز السياسات التابع للمكتب الشريف للفوسفاط.

ويتفق محمد بودن، رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات العامة، على أن تواجد مراكز أبحاث ودراسات في المنطقة العربية قليل، والمراكز المتخصصة ضعيفة. وأضاف بودن أن مراكز الأبحاث هي عبارة عن كراسي خبرة قد تساهم في صناعة القرار ومد الفاعلين في رسم التوجهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، لذا يتطلب من الباحثين تطوير مهاراتهم وخبرتهم للرقي بمضامين منتوجهم وتقديم الرؤى وطـــــرح البدائل ، بما يدعـم عمليات صنع القرارات ورسم السياسات على المدى المتوسط والبعيد عبر تقديم استشرافات مستقبلية تهم الفرد والمجتمع وصانعي القرار. ومن خلال التركيز على التجربة المغربية، أكد عبدالــــفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغـــــربي للدبلوماسيــة المــوازية وحوار الحضارات، أن المراكز البحثية بالمغرب ليست جميعها على نفس الدرجة من الدقة والمصداقية في القيام بواجبها في إنتاج المعرفة وتشخيص الواقع واقتراح الأفكار والمبادرات.

الاستثمار في العقول

وأضاف موضحا أن هناك مراكز ذات بعد معرفي صرف وهي الغالبة، وهناك مراكز تؤسس تحت الطلب بوازع مصلحي أو لامتداد عائلي وتبقى دون أمل اعتبارها فاعلة على مستوى التأثير، سواء في بلورة السياسات أو في التأثير على مستوى الرأي العام.

واعتبر سعيد الصديقي أن ما يزيد من ضعف تلك المراكز صعوبة الوصول إلى المعلومات إما لأسباب موضوعية عندما يتعلق الأمر بالملفات الحساسة التي تتحفظ بشأنها الأجهزة الرسمية، أو لأسباب ذاتية تعود إلى غياب كفاءة جمع المعطيات وتحليلها مما يضعف من قدرتها على التقدير الصحيح والتنبؤ. وقال الخبير المغربي إنه ينبغي التمييز بين عدة أنواع من المراكز على المستوى العربي حتى نقدم تقييما عادلا لها:

*أولا، هناك مراكز دراسات تقنية يديرها في الغالب غربيون وهي أقرب إلى مكاتب دراسات واستشارات، وتتلقى مبالغ خيالية نظير ما تقدمه من اقتراحات ودراسات.

* ثانيا، مراكز شبه رسمية تتبع الدول وتحظى بتمويل سخي، وتشتهر هذه المراكز بأنشطتها الكثيرة، وقد تجمع بين مهام مختلفة مثل التفكير وإنجاز الدراسات والنشر والإعلام وتنظيم مؤتمرات… وهذه مراكز رغم مهامها المعلنة فإنها تبقى مجرد رجع صدى لرأي الحكومات، وحتى الباحثين في هذه المراكز يحرصون بالدرجة الأولى على التماهي مع موقف الحكومات حتى وإن كان خاطئا، وبالتالي فلا تقدم إضافة ذات شأن لا للحكومات ولا للبحث العلمي.

* ثالثا، مراكز بحث مستقلة في التنظيم لكنها ممولة جزئيا أو كليا من الحكومات، وهي أيضا ورغم هامش الحرية الذي يتمتع به الباحثون المشتغلون فيها فإنهم لا يستطيعون أن ينجزوا أو يدلوا بما يناقض مواقف الجهات الداعمة. وبعض مراكز الصنف الثالث يطغى عليها الطابع الأيديولوجي أو السياسي.

* رابعا، مراكز بحث مستقلة ينشئها باحثون مستقلون وهي تفتقد إلى الشروط الدنيا للعمل، وتتميز بالطابع الشخصي، لذلك لم تستطع أن تقدم حتى الآن إضافة مهمة، ويقتصر عملها على بعض المنشورات والأنشطة المتقطعة والظهور في وسائل الإعلام.انعدام الثقة

جل القرارات التي تتخذها أجهزة الدولة بجميع تشكيلاتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن أن تتم دون الاسترشاد بالمعلومات وخلاصات دقيقة من مراكز أبحاث سواء رسمية أو غيرها. ودائما ما توجهت الدول العربية إلى مراكز غربية للاستفادة من أبحاثها، ويتساءل جل المهتمين لماذا لا تثق دوائر الاستخبارات العربية بمراكز الدراسات العربية وتتوجه رأسا نحو مراكز الدراسات الغربية لطلب المشورة.

وقد تصدى سعيد الصديقي أستاذ القانون الدولي بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بأبوظبي، للإجابة مؤكدا أنه رغم ضعف أداء مراكز البحث العربية إلا أن تلك الحكومات تستطيع أن تشجع المراكز القائمة أو تنشأ مراكز جديدة وتدعمها ماليا وتمنحها هامشا واسعا لحرية التفكير حتى تستطيع أن تساعدها في إنجاز الدراسات المطلوبة والتنبؤ بالمستقبل.

وأشار الصديقي إلى أن المشكل لا يكمن في العنصر البشري، حيث توجد في بعض الدول العربية طاقات مهمة، وهناك أيضا خبراء عرب يشتغلون مع مؤسسات بحث أجنبية يمكن استقطابهم، بل في غياب التمويل وهذا ما يشتكي منه المشرفون على مؤسسات البحث المستقلة بما في ذلك المغرب.

وتأسف سعيد الصديقي على أن الكثير من الدراسات التي تنجزها المراكز الغربية حول بعض القضايا العربية تفتقد إلى الدقة والمصداقية، رغم تكلفتها الباهظة جدا. وحول السبل التي تجعلنا نبني مراكز دراسات عربية تساعد أصحاب القرار على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وليس فقط وضع سيناريوهات محتملة، ركز الصديقي على ثلاثة أركان أساسية، وهي:

* عنصر بشري مؤهل ومتكامل يتكون من خبراء ذوي تكوين نظري عميق وأصحاب تجارب طويلة في الميدان.

* تمويل سخي غير مشروط.

* هامش واسع من الحرية.

وأكد سعيد الصديقي، أنه إذا ما توفرت هذه العناصر في أي مؤسسة بحث فلا بد أن تعطي ثمارها حتى وإن تطلب الأمر شيئا من الوقت لتكوين فرق البحث المتخصصة وكسب التجربة.

كاتب مغربي

6