الاستثناء التونسي..الديمقراطية تغير المعادلة

مراقبون يرون أن البلاد التونسية أثبتت خلال كل المحطات الإنتخابية أنها سلكت بعد الثورة المسار الديمقراطي، رغم ترافقها مع أزمات سياسية ومراوحة في مسار الإصلاحات.
الثلاثاء 2020/12/01
إخفاقات تغطي على المكاسب

تونس – تواصل تونس عملية التحول الديمقراطي بعد مضي عشر سنوات على ثورات ما يسمى “الربيع العربي” رغم المطبات الكثيرة، التي لا تزال تعيق تحقيق الهدف متميزة عن الدول الأخرى، التي قامت فيها انتفاضات شعبية لكنها وقعت فريسة القمع أو الحرب أو الفوضى.

لكن الحصيلة الدامية لهذه الثورات، خصوصا في سوريا وليبيا واليمن، وبدرجة أقل في مصر والبحرين، لم تمنع من تردّد صدى شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” حتى اليوم، ومع ذلك تبدو الآمال بتحقيق المطلوب بعيدة المنال حاليا بحسب ما تظهره الأحداث على أرض الواقع.

ومن الواضح بحسب الباحثين والمحللين والمراقبين أنه على الرغم من التجاذبات السياسية العميقة التي طغت على المشهد العام في تونس إلا أن اتخاذها لمسار ديمقراطي بعيدا عن لغة السلاح أنقذها من الدخول في حرب أهلية كما هو حاصل في جارتها ليبيا.

ويبدو أن الإرث القديم، الذي خلفه الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة حول التعاطي مع الأزمات بأن يكون البحث عن الحلول على طاولة المفاوضات للخروج من أي مشكلة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية مهما كانت تعقيداتها كان من بين الأساليب التي جنبت تونس الوقوع في فخ نزاع مسلح.

وفي 17 ديسمبر 2010، أدى إشعال البائع المتجول محمد البوعزيزي الذي كان يعاني من الفقر ومضايقات الشرطة، النار بنفسه إلى قيام انتفاضة شعبية في البلاد، لتصل إلى ذروتها يوم 14 يناير 2011، حينما سقط نظام الرئيس زين العابدين بن علي بعد 23 عاما من الحكم.

وبعد مخاض عسير للخروج من المأزق تم الاستنجاد بالسياسي المحنك الباجي قائد السبسي لتولي رئاسة الحكومة الانتقالية حتى إجراء انتخابات تشريعية أفرزت برلمانا هجينا لأول مرة، حيث بات تيار الإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة، التي جاءت في المركز الأول متحصلة أكثر من 40 في المئة من مقاعد المجلس التأسيسي في أول انتخابات حرة في تاريخ البلاد، ضلعا أساسيا في المشهد السياسي حتى اليوم.

بعض المحللين يُلقون باللوم على النهضة، التي حاولت الاستفراد بالحكم من أجل تحقيق غاياتها منذ ذلك التاريخ، وها هي اليوم تحصد ثمار تعنتها على المسك بالسلطة بطرق ملتوية في الخفاء

ويلقي بعض المحللين باللوم على النهضة، التي حاولت الاستفراد بالحكم من أجل تحقيق غاياتها منذ ذلك التاريخ، وها هي اليوم تحصد ثمار تعنتها على المسك بالسلطة بطرق ملتوية في الخفاء وتبدو في الظاهر أنها وفق ما يمليه الدستور وقوانين البلاد.

وانتخب المجلس التأسيسي منصف المرزوقي، وهو ناشط يساري، رئيسا بفضل تحالفه مع الإسلاميين، وبينما كان يفترض أن يكون في قصر قرطاج لمدة عام فقط، ظل حتى العام 2014 حينما تبنت الدولة دستورا جديدا، وعليه تم تنظيم انتخابات تشريعية فاز بها حزب نداء تونس المناهض للإسلاميين، وانتخب السبسي رئيسا للبلاد عن طريق الاقتراع العام.

وبعد خمس سنوات، من ذلك التاريخ باتت حركة النهضة الإسلامية من جديد الكتلة الأولى في المجلس، لكن مع حصولها على ربع المقاعد فقط، وانتخب الأستاذ الجامعي المتقاعد قيس سعيد رئيسا للبلاد.

وتثبت كل المحطات الانتخابية رغم ترافقها مع أزمات سياسية ومراوحة في مسار الإصلاحات وكذلك التهديدات والهجمات الإرهابية التي تبناها تنظيم داعش في 2015، أن البلاد سلكت بعد الثورة المسار الديمقراطي.

واللافت في كل ذلك أن تونس توجت مسارها الديمقراطي بعد خمس سنوات من الإطاحة ببن علي بحصول الرباعي الاتحاد العام التونسي للشغل، النقابة الأكبر وذات الثقل السياسي والاجتماعي بالبلاد، إلى جانب منظمة الأعراف والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان على جائزة نوبل للسلام لدورها في نزع فتيل الأزمة السياسية التي أرخت بظلها على الدولة في تلك الفترة.

6