الاستحقاق الانتخابي السوداني بين رفض المعارضة وتمسّك السلطة

الثلاثاء 2015/04/07
المعارضة تتهم الرئيس السوداني عمر البشير بأنه من الراعين لنظام الفساد

الخرطوم ـ يتأهب السودان للانتخابات العامة التي من المتوقع تنظيمها في الثالث عشر من شهر أبريل الجاري. وهو استحقاق سياسي تسبقه اختلافات حادة تصل إلى حد التناقض بين الفرقاء السياسيين في الساحة السياسية السودانية.

وقد كان من المتوقع أن تقوم المعارضة السودانية بمختلف جبهاتها بإجراء لقاء حواري مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم وحلفائه في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، وذلك للتحضير لخارطة طريق تمهد لحوار آخر في الداخل السوداني للخروج من الأزمة السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد منذ سنوات، والتي ازدادت حدة بعد انفصال جنوب السودان سنة 2011. لكن غياب حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان عن الحوار في إثيوبيا، أعاد الاتفاقات السابقة بين مختلف الأطراف المعارضة والحاكمة إلى نقطة الصفر نظرا لإصرار حزب عمر البشير على إجراء الانتخابات العامة في أواسط أبريل الجاري، وسط رفض واسع من أغلب القوى السياسية.

وبغياب حزب المؤتمر الوطني الحاكم عن الاجتماع المزمع عقده في أديس أبابا، اعتبرت الأحزاب المعارضة المشاركة في الاجتماع أنه إعلان من الحكومة على عدم الامتثال إلى مطالب الأحزاب للخروج من الأزمة السودانية، ومن أصحاب هذا الموقف المعارض السوداني ياسر عرمان. فيما ترد الحكومة على هذا الموقف مؤكدة أن الحوار بعد الانتخابات العامة سيكون أكثر نجاعة وفعالية، حسب ما جاء على لسان وزير الاستثمار السوداني مصطفى عثمان إسماعيل.

لا اتفاق ولا حوار مع المعارضة قبل الانتخابات

مصطفى عثمان إسماعيل: طبيب أسنان وسياسي سوداني خريج جامعة الخرطوم للطب، عين مستشارا لدى عمر البشير سنة 2005، ثم وزيرا للخارجية ثم وزيرا للاستثمار في الحكومة الحالية

انتقد حزب المؤتمر الوطني الحاكم بالسودان تجاوز الآلية الأفريقية رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأفريقي الحكومة السودانية وآلية “7+7” التي تتولى أمر الحوار الوطني، وعقدت الجلسة الافتتاحية للملتقى التحضيري للحوار السوداني بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

وعقدت الآلية الأفريقية رفيعة المستوى، الملتقى التحضيري للحوار السوداني بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، برغم غياب حزب المؤتمر الوطني الحاكم وقوى الحوار الوطني في الداخل، ووسط حضور مكثف لقوى “نداء السودان” المعارض ممثلة في زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، وقيادات الجبهة الثورية المعارضة يتقدمهم رئيسها مالك عقار، بحسب وكالات الأنباء الإخبارية السودانية.

وقال رئيس القطاع السياسي بالمؤتمر الوطني مصطفى عثمان إسماعيل، وزير الاستثمار بالحكومة السودانية، “إن الحوار سينطلق بعد الانتخابات بأقوى ترتيب ممكن، ولن نتردد في توجيه الدعوة للمعارضة وحملة السلاح ونقبل بأي تفاهمات يمكن أن تقود للإجماع الوطني”.

وتأتي هذه التصريحات الصادرة عن القيادي في حزب المؤتمر الوطني الحاكم عقب اجتماع أطراف من المعارضة السودانية في أديس أبابا، جاء على خلفية دعوة الرئيس السوداني في الفترة السابقة لحوار وطني جامع لكل التشكيلات المعارضة للخروج من المأزق السياسي والأمني الذي يعيشه السودان.

ورأى مصطفى عثمان إسماعيل أن انعقاد اجتماع المعارضة في إثيوبيا هو اجتماع “غير منطقي بعد رفض الحكومة وآلية الحوار الوطني المشاركة فيه قبل الانتخابات”، مضيفا أن الحكومة هي الطرف المعني بتقديم إجابات وتنازلات إذا لزم الأمر، من أجل إلحاق الرافضين بالعملية السياسية والحوار الداخلي.

واتهم إسماعيل الأحزاب المعارضة بعدم الجدية في الحوار، مشيرا إلى تصريحات الصادق المهدي التي قال فيها إن الحوار الوطني قد مات ودفن في مقابر أحمد شرفي، وقال إسماعيل “إن معظم أحزاب المعارضة الموجودة في أديس أبابا هي إما مقاطعة للحوار الوطني أو منسحبة منه”، وهذا ما نفته أغلب القيادات المعارضة المجتمعة في إثيوبيا متهمة النظام بالتسويف والمماطلة والرجوع عن الاتفاقات.
إن الحوار سينطلق بعد الانتخابات بأقوى ترتيب وسوف نسعى لدعوة الجميع، ومن المستحسن أن يكون الحوار داخل السودان وليس خارجه

من جهته أبدى الاتحاد الأفريقي أسفه لعدم مشاركة المؤتمر الوطني الحاكم في الاجتماع، رغم رد الآلية رفيعة المستوى على التحفظات التي أثارها بشأن اللقاء التحضيري. وقال بيان للاتحاد “إنه دون المشاركة الكاملة لجميع الأطراف الرئيسية وخاصة الحزب الحاكم، فإنه سيكون من غير الممكن إجراء تحضيرات شاملة وذات مصداقية للحوار”. وأعلن رئيس الجبهة الثورية مالك عقار، استعدادهم لمناقشة وقف إطلاق النار لضمان وصول المعونات الإنسانية، ووقف القصف الجوي كأولوية، كما أجمع المشاركون على الحاجة إلى طرق جديدة لتسوية الأزمة السودانية.

وقد كان الرئيس السوداني عمر البشير قد أطلق دعوة للحوار الوطني في يناير عام 2014، يشارك فيه كل الأحزاب السياسية والحركات المسلحة.

وفي سياق التعليق عن ردود أفعال أطراف من المعارضة عن غياب الحزب الحاكم لاجتماع أديس أبابا والمتمثلة أساسا في مقاطعة الانتخابات المزمع عقدها في 13 من أبريل الجاري، قال مصطفى عثمان إسماعيل “إن المقاطعة لن تحدث أثرا كما يراد لها، فهذه ليست أول مرة تتجمع فيها المعارضة وسبق أن تجمعت مرات كثيرة لإسقاط النظام بالسلاح ولم تنجح، فالشعب السوداني لن ينساق وراء شعارات الخاسرين وسيمارس حقه كاملا في اختيار من يريده إلى جانب أن هنالك أيادي كثيرة تسعى لتخريب الانتخابات والتي بدأت بإطلاق الشائعات”.

يجب تأجيل الانتخابات واستئناف الحوار الوطني مع الحكومة

ياسر عرمان: سياسي وخريج جامعة القاهرة فرع الخرطوم، انتمى إلى الحزب الشيوعي السوداني في منتصف السبعينات، وهو الآن نائب الأمين العام للحركة الشعبية المعارضة

حمّل المعارض السوداني ياسر عرمان الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) والقيادي في الجبهة الثورية السودانية، حزب المؤتمر الوطني الحاكم مسؤولية إفشال المؤتمر التحضيري للحوار الذي شاركت فيه وفود من المعارضة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وقال عرمان إن الحزب الحاكم “قد قام بعرقلة وإعاقة الاجتماع هو وحلفاؤه ورفض المشاركة فيه”.

وأعلن حزب المؤتمر الوطني الحاكم، في بيان له في الأيام الماضية رفضه المشاركة في الملتقى التحضيري للحوار مع أحزاب المعارضة، بأديس أبابا بدعوة من الوساطة الأفريقية لدفع عملية الحوار الوطني الشامل (كان دعا إليه البشير بنفسه في يناير من العام الماضي).

وأكد القيادي بالجبهة الثورية في تصريح لأحد المواقع الصحفية السودانية أن “قوى نداء السودان باتت الآن في حل من أي التزام أو أي اجتماع آخر بعد أن أوفت بتعهداتها بالاستجابة لحضور الدعوة التي عممتها آلية الوساطة الأفريقية، في أي وقت قبل انتخابات التمديد المعزولة”.

وشدد على أن كل قوى نداء السودان “تتوحد الآن حول خيارها الذي حددته في وثيقة إعادة بناء الدولة عن طريق الانتفاضة”.

وتتركب قوى نداء السودان أساسا من الشيوعيين والقوميين (حزب الأمة القومي) والبعثيين وبعض القوى اليسارية الأخرى، والتي شكلت جبهة فيما بينها لمعارضة حكم حزب المؤتمر الوطني (إسلامي) وزعيمه حسن البشير. وكانت قوى نداء السودان قد أعلنت عن استعدادها للمشاركة في الاجتماع التمهيدي للحوار الوطني، على أن يتم ذلك قبل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع عقدها في 13 أبريل الجاري.

وحصل اتفاق على هذا الشرط مع الترويكا الدولية وهي الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والنرويج، وبموجبه قام نداء السودان بتكليف كل من الجبهة الثورية وحزب الأمة لتمثيله في هذا الاجتماع التحضيري الذي يرمي إلى الاتفاق على مقتضيات الحوار الوطني مع الحزب الحاكم السوداني ومجموعة الأحزاب المتحالفة معه.

وكشف عرمان أنه ورئيس الجبهة الثورية والحركة الشعبية والقيادي بحزب الأمة صلاح مناع أجروا اتصالات مع قوى إقليمية ودولية “لفضح النظام وتحميله مسؤولية إفشال كل المحاولات الرامية إلى الوصول إلى حل شامل” حسب تصريحه.

ويرى مراقبون أن سبب رفض النظام المشاركة في حوار أديس أبابا هو خشيته من الضغوط المتوقع أن تسلط عليه بشأن تأجيل الانتخابات العامة المقررة الشهر الجاري، وهو أحد المطالب الرئيسة للمعارضة.

قوى نداء السودان باتت الآن في حل من أي التزام أو أي اجتماع آخر مع السلطة بعد أن أوفت بتعهداتها بالاستجابة لحوار أديس آبابا

وتتهم المعارضة الرئيس السوداني الحالي عمر البشير بأنه من الراعين لنظام الفساد في الداخل السوداني والمسؤول عن فشل السياسات الخارجية السودانية الساعية لمزيد دعم الاستثمار العربي والأجنبي بشكل عام في الأراضي السودانية، نتيجة اتباعه لسياسة أحلاف إقليمية ودولية تتناقض ومصلحة الشعـب السوداني.

وفي سياق تأكيد المعارضة على مواصلة معارضة نظام البشير وإسقاط نظامه، قال الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال، والقيادي في الجبهة الثورية ياسر عرمان “سنواصل مع شعبنا النضال من أجل إسقاط النظام وحشد مزيد من الطاقات ووحدة الصف المعارض”.

هذا وتشير تقارير إلى عزم قيادات من المعارضة السودانية إعادة القيام ببعض الزيارات إلى دول أوروبية لطلب الدعم الدولي من أجل تحقيق مطلبهم في إسقاط النظام، بعد أن قامت وفود من الحركة الشعبية المعارضة بزيارة فرنسا والنرويج وبريطانيا “لإجبار النظام على السماح بالتظاهر السلمي وإيصال الطعام إلى مناطق معاقبة منها النيل الأزرق وجبال النوبة”.

وقد أكد المعارض الشيوعي ياسر عرمان، أن إسقاط النظام يعني إنهاء الحروب في السودان، وتوظيف موارد البلاد لفائدة أهل السودان في الصحة والتعليم والخدمات وغيرها.

المعارضة تتوجه نحو تدويل الأزمة السياسية

قوى المعارضة ترفض تنظيم الانتخابات وتطالب بإرجائها

انضمت أغلب الأحزاب المعارضة في السودان إلى اتفاق “نداء السودان” الذي تشكل على قاعدة ممارسة الضغط الدولي لإسقاط نظام الرئيس عمر حسن البشير وتكثيف العمل للحيلولة دون إجراء الانتخابات.

وتعتزم تنظيمات المعارضة السودانية في الخارج رفع مذكرة للأمين العام للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و”إيغاد” وزعماء الولايات المتحدة، بريطانيا، النرويج، ألمانيا، فرنسا، الصين، وروسيا، وذلك لممارسة ضغوط على حكومة الخرطوم لإلغاء الانتخابات والانخراط في مفاوضات جدية مع قوى “نداء السودان”.

وترفض قوى المعارضة تنظيم الانتخابات في أبريل الجاري وتطالب بإرجائها إلى حين تشكيل حكومة قومية تشرف على تعديل الدستور والقوانين، بينما يتمسك المؤتمر الوطني الحاكم بإجراء العملية في موعدها باعتبارها استحقاقا دستوريا. وهذا ما جعل من الخلافات بين الفريقين تتعمق أكثر وربما تتجه إلى الأسوأ حسب تقييم بعض المراقبين للشأن السياسي في السودان.

ويرى مراقبون أن تدويل الأزمة في السودان وحث القوى الكبرى على الضغط على النظام الحالي يمثل سندا كبيرا للحراك الداخلي الذي تقوده عدة قوى مناهضة لحكم البشير.

وتطالب مذكرة تنظيمات المعارضة المجتمع الدولي بأن يكون التفاوض وفقا للمبادئ والشروط المنصوص عليها في “إعلان برلين”، لبسط السلام والاستقرار في البلاد والمنطقة.

ووقع على المذكرة أحزاب معارضة وحركات مسلحة ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات قومية بالولايات المتحدة وكندا وأستراليا ودول أوروبية، فضلا عن قوى المعارضة بمصر ولبنان، ووجهت الدعوة لكل تنظيمات المعارضة السودانية بالمهجر والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني السوداني للتوقيع على المذكرة.

وقال الموقعون على المذكرة “نحث مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء في مجلس الأمن وكافة أعضاء الأسرة الدولية وجميع القوى المحبة للسلام حول العالم لاتخاذ موقف واضح وعاجل وفوري ضد الترتيبات الجارية الآن لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بالسودان في أبريل”.

المعارضة السودانية تعتزم رفع مذكرة لأكثر من جهة دولية لممارسة ضغوط على حكومة البشير لإلغاء الانتخابات
ولكن المساعي التي بذلها المعارضون لم تصل إلى نتيجة نظرا لسير اللجان الانتخابية في اتجاه إجراء الانتخابات العامة في السودان في موعدها وهو الثالث عشر من الشهر الجاري.

ودعت المذكرة المجتمع الدولي للتضامن مع الشعب السوداني وأحزابه السياسية ومنظمات المجتمع المدني بإعلان “موقف قوي وصريح بعدم قبول الإجراءات الجارية الآن لقيام الانتخابات وتوصيل رسالة واضحة للحكومة بأن نتائجها لن تجد مباركة واعترافا من الأسرتين الدولية والإقليمية”. واعتبرت القوى الموقعة أن الانتخبات تجرى وسط تصعيد غير مسبوق من قبل الحكومة للحرب في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، إلى جانب مصادرة حرية التنظيم بواسطة جهاز الأمن والمخابرات ما جعل تنظيم الحملات والتظاهرات أمرا مستحيلا بالنسبة للأحزاب السياسية حتى داخل مقارها.

وحذرت المذكرة من أن الانتخابات ستقوض وتفشل كافة الجهود والمحاولات الإيجابية المبذولة من قبل الاتحاد الأفريقي والأسرة الدولية للوصول إلى حل سلمي للأزمة السودانية عبر المفاوضات.

وتابعت “نحن على قناعة بأن إصرار المؤتمر الوطني على إجراء هذه الانتخابات وبتجاهل تام لكل نداءات المجتمعين الدولي والإقليمي والنداءات الداخلية سيدفع الأوضاع في السودان إلى تعقيدات غير مسبوقة لا تحمد عواقبها”.

12