الاستخبارات البريطانية أعطت موافقتها على موظفي بي بي سي.. والجزيرة

تقرير لصحيفة "أوبزرفر" البريطانية يكشف العلاقات التاريخية التي جمعت بين الإخوان المسلمين والاستخبارات البريطانية، التي لطالما استخدمت الإخوان كأداة رئيسية لرسم سياساتها الخارجية.
الأربعاء 2018/05/23
قناة سرية بين بي بي سي والاستخبارات البريطانية

لندن- تعود علاقة هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” بأجهزة الاستخبارات البريطانية إلى عقود طويلة، لكن أحد أبعاد هذه العلاقة تم الكشف عنه مؤخرا، ويشير إلى أن جهاز الاستخبارات الداخلي “أم.آي 5” كان مسؤولا عن التدقيق في الخلفيات السياسية والأيديولوجية للمتقدمين إلى وظائف في خدمات بي.بي.سي المختلفة.

ومن بين الأقسام التي كانت تخضع للتدقيق الأمني خدمة بي.بي.سي عربي. وكان معروفا عن خدمة بي.بي.سي عربي، منذ نشأتها في تسعينات القرن الماضي، قبل أن يعاد إطلاقها مرة أخرى بعد الألفية الجديدة، أنها تستقطب الكثيرين ممن يعتنقون أيديولوجيا الإسلام السياسي، وكان الكثير من الموظفين ينتمون تنظيميا إلى الإخوان المسلمين.

ذاع صيت هيئة الإذاعة البريطانية منذ نشأتها كوسيلة إعلامية تلتزم بالمصداقية ونقل الخبر بكل موضوعية دون الانحياز لطرف سياسي على حساب آخر، لكن الصحافي البريطاني بول رينولدز، وهو مراسل صحافي لسنوات طويلة بالإذاعة البريطانية، يكشف تواطؤ الإذاعة الأشهر في العالم مع أجهزة الاستخبارات البريطانية، حيث يتدخل جهاز “أم.آي 5” في آلية اختيار المتقدمين لوظائف التي تقوم بتدقيق أمني لمعرفة خلفياتهم السياسية في غرفة رقم 105 السرية في “برود كاستينغ هاوس”. وإذا كانت الوقائع التاريخية تقر بإقصاء بي.بي.سي من يحملون أفكارا يسارية عمالية، فإن تقريرا لصحيفة “أوبزرفر” البريطانية، يؤكد العلاقة التاريخية التي جمعت الاستخبارات بالإخوان المسلمين وأنها كانت تفضلهم بهذه الوظائف، وهو ما يكشف عنه استقطاب القسم العربي بالإذاعة على مدى سنوات من يعتنقون أيديولوجيا الإسلام السياسي.

وعلى مدار سنوات تقدمت حكومات في المنطقة بشكاوى عدة إلى إدارة هيئة الإذاعة البريطانية حول تغطيات المحطة التي كانت تتسم بالانحياز أحيانا ضد أنظمة حكم علمانية وتدعم الانفتاح. لكنّ موظفين كثر كانت تحوم حولهم شبهات انتماءاتهم السياسية.

ومع الوقت تحولت بي.بي.سي عربي إلى بؤرة ينشط فيها تنظيم الإخوان المسلمين، في مدينة اتخذ منها التنظيم الدولي مقرا له. وكان إبراهيم منير، أمين التنظيم الدولي ونائب المرشد العام يتمتع بالقدرة على الظهور على بي.بي.سي في أي وقت والدفاع عن الجماعة وخططها وسياساتها، خصوصا في مرحلة ما يعرف بالربيع العربي.

كما كانت القناة متاحة أيضا لمسؤولين آخرين في التنظيم الدولي، على رأسهم مسؤول الإعلام في التنظيم محمد سويدان، الذي تحول إلى ما يشبه المتحدث الرسمي باسم التنظيم من خلال بي.بي.سي خلال فترة اضطرابات شهدتها مصر قبيل صعود الرئيس المنتمي للإخوان المسلمين محمد مرسي.

ويثبت التقرير، الذي كشفت عنه صحيفة “أوبزرفر” البريطانية، العلاقات التاريخية التي جمعت بين الإخوان المسلمين والاستخبارات البريطانية، التي لطالما استخدمت الإخوان كأداة رئيسية لرسم سياساتها الخارجية.

ويقول متخصصون في الإعلام العربي، إن الاستخبارات البريطانية كانت تفضل المتقدمين من خلفيات إسلامية، أو ذات نزعة إسلامية، في وقت لم يكن الإعلام العربي قد تعرف بعد على القنوات الإخبارية العربية واسعة التغطية، ولم تكن قناة الجزيرة قد تأسست بعد.

وفي وقت لاحق ستستقطب الجزيرة كوادر خدمة بي.بي.سي عربي لتأسيس أكبر مدفعية إعلامية ثقيلة ساندت الإخوان المسلمين في التاريخ الحديث. ومثل صحافيو ومذيعو وتقنيو بي.بي.سي نواة الجزيرة ودفة سياساتها التحريرية المنحازة.

لكن نفس الممارسات أيضا انطبقت على خدمات بي.بي.سي حول العالم، بشكل تحولت معه بي بي سي إلى مكتب تابع للاستخبارات بشكل مباشر. واعتقدت أجهزة الاستخبارات أن هيئة الإذاعة البريطانية في حاجة إلى عناصر يمكن الاعتماد عليها من أجل خدمة مصالح الحكومة البريطانية عبر الإعلام، كما أثرت هذه السياسية على سلك بي.بي.سي تاريخيا سياسة تحريرية تنتهج نهجا مؤدلجا في داخل بريطانيا أيضا.

وقائع تاريخية

على مدى عقود مضت، أنكرت هيئة الإذاعة البريطانية بي.بي.سي تعاونها مع جهاز الاستخبارات البريطانية “أم.آي 5” من أجل التقصي حول جميع مقدمي الطلبات للعمل بالإذاعة الأشهر في العالم، ثم اختيارهم أو إقصاؤهم من الوظيفة حسب انتماءاتهم السياسية.

لكن وقائع تقول إن تدخل جهاز الاستخبارات البريطاني في قسم التوظيف بالإذاعة كان منذ بداية نشأتها عام 1922، واستمر حتى تسعينات القرن الماضي. ويروي بول رينولدز، أول صحافي يطلع على جميع ملفات موظفي بي.بي.سي ممن خضعوا للتقصي السياسي، قصة العلاقة الطويلة بين هيئة الإذاعة والاستخبارات البريطانية.

فقد كتب أحد كبار المسؤولين في بي.بي.سي في عام 1985 الكثير من تفاصيل التعاون بينهما الذي كان يتم إنجازه في غرفة 105 في “برود كاستينغ هاوس”، كان شعار تلك الجلسة السرية “ابق رأسك منخفضا، ولا تجب على الأسئلة”، حيث يخضع المتقدم للحصول على فرصة عمل إلى تدقيق وفحص سياسي لكشف انتماءاته السياسية. والملفت أن بي.بي.سي ظلت تخفي علاقتها مع الاستخبارات وتنكر التواطؤ مع أجهزتها على مدى خمسة عقود من الزمن.

وفي أوائل عام 1933، بدأ المدير التنفيذي لبي.بي.سي كول ألان داوناي، بعقد اجتماعات لتبادل المعلومات مع رئيس الاستخبارات البريطانية، السير فيرنون كيل، في شقة دوناي في إيتون تيراس بتشيلسي.

وكانت تلك الفترة الشاهدة على توتر العلاقات الدولية والصاخبة بالأحداث السياسية، وهي فترة فاصلة بين الحرب العالمية الأولى لتمهد إلى الحرب العالمة الثانية عام 1939، تتميز إلى حد كبير بتطرف الخطاب السياسي الذي يجسده صراع بين الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا.

وتفطن الخصوم والحلفاء على حد سواء في تلك الفترة إلى ضرورة التوجه إلى وسائل أخرى لتجييش شعوبها، فبدل الاكتفاء بطائرات مقاتلة ودبابات ومدافع رشاشة وقنابل يدوية كان هناك سلاح لا يقل أهمية وهو الدعاية الإعلامية.

بي.بي.سي منحازة للمتقدمين ممن لهم خلفيات إسلامية
بي.بي.سي منحازة للمتقدمين ممن لهم خلفيات إسلامية

وشهدت الحرب العالمية الثانية واحدة من أكبر المعارك الدعائية في تاريخ الحروب: فطوال ست سنوات استخدمت أطراف الحرب كافة الدعاية على نطاق تتضاءل ـ بالمقارنة ـ معه جميع الصراعات الأخرى، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى.

وبالنسبة إلى بريطانيا بدأت الحرب بالنسبة للغالبية من البريطانيين على الراديو، إذ أنَّ الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء ليعلن فيه بدء الأعمال الحربية ضد ألمانيا النازية، والذي أذاعته هيئة الإذاعة البريطانية صباح يوم 3 سبتمبر عام 1939 أسَّس فيه معالم المنبر المرتفع للمبادئ البريطانية الديمقراطية، من خلال قوله للمستمعين “إن لنا ضميرا نقيّا خالصا، ولقد فعلنا كل ما بوسع أي بلد أن يفعله لترسيخ السلام، ولكن أصبح من المستحيل التساهل في موقف لا يمكن فيه الثقة بكلمة واحدة ينطق بها حاكم ألمانيا”.

وأسس هذا الخطاب التبرير الأخلاقي الرئيس لخوض بريطانيا القتال، وسبب إعلانها مع فرنسا الحرب على ألمانيا بدلا من أن تعلن ألمانيا الحرب عليهما، والسبب الذي يوجب على البريطانيين أن يعدوا أنفسهم لمواجهة هجوم القاذفات الألمانية.

وكانت الأحداث الساخنة مبرز هيئة الإذاعة البريطانية للتعاون مع الاستخبارات، بل زادت الحاجة في التعاون معها خاصة مع بداية ظهور خصم سياسي جديد وهو الاتحاد السوفييتي بعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، لمراقبة الأنشطة الشيوعية في المملكة المتحدة وأمام مخاوف من أن تتسلل داخل الإذاعة، لذلك كان يتم إقصاء كل من يحمل أفكارا يسارية عمالية.

ومن ثم اتخذت هذه الممارسات غير الرسمية طابعا رسميا بعد ذلك بعامين، من خلال عقد اتفاق بينهما لفحص جميع الموظفين الجدد باستثناء الموظفين الذين يعملون بالنظافة، خوفا من قبول أشخاص قد يتسببون في تخريب الشبكة الإعلامية في وقت حرج، أو يكون بعضهم من المتآمرين الذين قد يشوهوا هيئة بي.بي.سي.

نظام الفحص السياسي

هكذا بدأ نظام الفحص والتقصي السياسي لتوجهات الموظفين يأخذ اتجاها روتينيا. ومنذ البداية تعهدت هيئة بي.بي.سي بعدم الكشف عن دور جهاز الاستخبارات البريطانية أو عن حقيقة هذه التحريات. وقد كان هذا منطقيا للغاية بالنظر إلى أن هذه الخدمة السرية، وظلت سرية حتى إصدار قانون الأمن عام 1989.

عندما اقترح جهاز الاستخبارات تقليص عدد الموظفين الخاضعين للفحص، احتجت هيئة الإذاعة البريطانية على مثل هذه الخطوة وعلى الرغم من وجود معارضين إلا أنهم لم يحدثوا أي تأثير يذكر

بمرور السنوات، شعر بعض المديرين التنفيذيين لهيئة بي.بي.سي بالانزعاج بسبب اضطرارهم إلى القيام بتصريحات مخادعة، حتى لأعضاء البرلمان البريطاني الفضوليين. لكن عندما اقترح جهاز الاستخبارات تقليص عدد الموظفين الخاضعين للفحص، احتجت هيئة الإذاعة البريطانية على مثل هذه الخطوة. وعلى الرغم من وجود بعض المعارضين لهذه العملية السرية داخل الهيئة، إلا أنهم لم يُحدثوا أي تأثير يُذكر حتى بدأت الحرب الباردة في الانصهار في ثمانينات القرن الماضي.

أما الطريقة التي كان يعمل بها نظام الفحص بهدف معرفة التوجهات السياسية للمتقدم إلى الوظيفة في بي.بي.سي، فيتم تطبيقها فور اختيار مرشح واحد واثنين آخرين كبديل له ممن تجدهم الهيئة مناسبين للحصول على عمل. وتلعب البدائل هنا دورا مفيدا. حيث إذا تم رفض المرشح الأول كنتيجة للفحص السياسي الذي تعرض له، يقع الاختيار بالتالي على بديله الأول.

ويتم إخبار المرشحين للوظيفة فقط بأنه سيتم تنفيذ بعض الإجراءات الشكلية قبل تحديد موعد القبول النهائي. وهكذا بدا الأمر بريئا بما فيه الكفاية. حيث يعتقد المرشح أن الهيئة تُجري استعلاما عنه فقط من خلال وثائق شخصية. لكن لم يكن المرشحون على دراية بأن هذه الإجراءات الشكلية تعني الفحص والتدقيق للتعرف على خلفياتهم وتوجهاتهم السياسية، وكانت في الحقيقة، كلمة السر لنظام بأكمله.

وفي إحدى المذكرات التي نُشرت عام 1984، تم سرد قائمة بالمنظمات والأحزاب المثيرة للجدل، منها الذي ينتمي للتيار اليساري، مثل “الحزب الشيوعي البريطاني”، و”حزب العمال الاشتراكي”. وبحلول هذه المرحلة، كانت هناك مخاوف أيضا بشأن الحركات اليمينية، مثل حركة “الجبهة الوطنية” والحزب الوطني البريطاني.

لم يكن المتقدم للوظيفة بحاجة إلى أن يكون عضوا في هذه المنظمات، ولكن يكفي أن يكون متعاونا مع أيّ منها. وإذا عثر جهاز الاستخبارات على شيء ما ضد مرشح، فتترتب على ذلك جملة من الإجراءات العقابية، حيث ينصح جهاز المخابرات بعدم توظيف هذا المرشح المحظور خشية أن يؤثر بشكل مباشر على مادة البث لغرض تخريبي.         وفي الصنف الثاني من الإجراءات، وهي الأقل تشددا، تنصح الاستخبارات بعدم قبول المرشح ما لم يؤخذ في الاعتبار بعض الاعتبارات الأخرى وفي صورة التزامه بها قد يفوز بالوظيفة.

ولا تقضي المعلومات التي تحصلت عليها الهيئة بضرورة حظر المتقدم للوظيفة، لكن هيئة الإذاعة البريطانية قد تفضل إجراء ترتيبات أخرى إذا رأت أن الوظيفة نفسها تتيح فرصة استثنائية للنشاط التخريبي.

الموظفون المتقدمون يخضعون لتدقيق أمني استخباراتي
الموظفون المتقدمون يخضعون لتدقيق أمني استخباراتي

وما يثير الانتباه أن بي.بي.سي لم توظف مطلقا أي مرشح انطبق عليه التقييم الأول، على الرغم من أن القليل منهم استطاع اجتياز اختبار التوظيف وأصبح موظفا فعليا في الهيئة. وهنا تتناقض تماما مع موقفها العام، ومع حقيقة أن الهيئة كانت تسيطر على جميع التعيينات، والذي من الممكن أن يكون صحيحا من الناحية النظرية فقط.

ففي الناحية العملية، أعطت بي.بي.سي الخيار لجهاز الاستخبارات حق إصدار قرار القبول بالتوظيف في حالة المرشح الذي ينطبق عليه النوع الأول من التقييمات.

وإذا أصبح الموظف، بعد أن يتم تعيينه، في موضع شك أو أنه تقدم بطلب نقل إلى وظيفة تحتاج إلى الفحص، يتم رسم رمز يشبه “شجرة الكريسماس” على ملفه الشخصي، حيث كان هذا الرمز جزءا مهمّا في عملية التوظيف هذه.

وقد احتفظت هيئة بي.بي.سي بقائمة نقل الموظفين التي حوت أسماء الذين خضعوا للفحص إذا أرادوا الحصول على ترقية. وبمجرد وضع علامة شجرة الكريسماس على ملف أحدهم، فهذا يعني أنها “حالة أمنية”. كما كان يتم كتابة مصطلح “تذكير دائم” على ملفاتهم تحت عبارة “لا يجب ترقيته أو نقله، أو وضعه في عقد مستمر، دون الرجوع إلى مدير شؤون الموظفين”.

ومن ثم حرصت هيئة بي.بي.سي على الحفاظ على سرية العملية من خلال قيامها بإزالة مصطلح “التذكير الدائم” من ملف الموظف إذا تم استدعاؤه إلى محكمة العمل، والتي كان لديها الحق في النظر في الملفات الشخصية للموظفين.

كما تم الاتفاق، بشكل مضلل، على أن يتم تفسير عبارة “تم إنجاز كافة الإجراءات الشكلية” الموجودة على الملفات على أنها تشير إلى بعض “الإجراءات الروتينية، أقرباء الموظف، وإجراءات تقاعده”.

وفي نهاية الأمر، تم إبطال العمل برمز شجرة الكريسماس في عام 1984 لأنه قيل إنه جذب الكثير من الاهتمام وأثار الجدل لدى الرأي العام، بعدما كشفت صحيفة “الأوبزيرفر” حقيقته عام 1985. وفي اليوم التالي لكشف هذه الحقيقة، علق أحدهم بعض زينة عيد الميلاد على مقبض باب غرفة 105 في “برود كاستينغ هاوس”، التي كانت شاهدة على تبادل المعلومات بين بي.بي.سي وهيئة الاستخبارات البريطانية.

12