الاستخفاف بالأسئلة المحرجة للأطفال يشوه تكوينهم النفسي

لماذا لم أتصور معكم في صورة زفافكم؟ كيف دخل أخي إلى بطن أمي ومن أخرجه؟ أريد أن أتزوج أبي؟ أسئلة كثيرة مُحرجة يطرحها أطفال تراوحت أعمارهم بين 3 و6 سنوات، على والديهم لاستطلاع ما يستعصي على مداركهم الصغيرة.
الجمعة 2016/04/29
الطفل يستمتع بتوجيه الأسئلة

الطفل بطبعه فضولي يسعى لمعرفة العالم الخارجي المحيط به، واكتشاف أسراره، وعندما تواجهه مشكلة في تفسير إحدى الظواهر الحياتية يلجأ إلى السؤال عنها.

وإذا تمت إجابة الأسئلة بطريقة غير صحيحة يُقتل الفضول، وربما يتولد لدى الطفل عدم رغبة في تعلم أي شيء جديد.

أطلق المتخصصون على هذه الفترة مرحلة السؤال أو العصر الذهبي في حياة الطفل، حيث يجمع فيها بين التفكير والإنصات ويستمتع بتوجيه الأسئلة ويكون سريع الحفظ للإجابة لقوة ذاكرته.

استكمال الطفل لعامه الثاني بداية لمحاولات عدة لاستقلاله بذاته، ويعبر عن ذلك بإشارات عديدة كأن يصمم على أن يأكل بنفسه ويختار ملابسه، ثم يصل إلى مرحلة التفكير في ما حوله من أشياء، ويظهر ذلك في شكل تساؤلات مستمرة، تخرج غالبا عن المألوف وتبعد عما هو متوقع، خاصة مع التطور التكنولوجي الذي اجتاح العالم.

أجريت دراسة على حب الاستطلاع عند أطفال السنة الثانية جاء فيها “أنّه لا يوجد طفل لا يتمتع بدافع قوي للاستطلاع، وتمثل ذلك في كثرة أسئلته عن الأشياء وأسبابها، وتبدأ في معظم الأحيان بكيف وأين ولماذا؟”.

اختلاف الأسئلة وتطورها من جيل إلى آخر، سببه محفزات دائمة على التفكير يوفرها العالم الافتراضي، لذلك باتت أكثر عمقا وتنوعا وأكثر إحراجا.

تباينت ردود أفعال الآباء تجاه أسئلة أطفالهم الحرجة فهناك من يتعامل معها باستخفاف وسخرية، وآخرون يعطونها اهتماما لافتا. وبين الاستخفاف والإهمال، تتم الإجابة على أسئلة دون أخرى، أو الهروب بإجابات تافهة وكاذبة لأن الرد مُحرج.

ولا يدرك الآباء أن الإجابات بهذا الشكل ربما تخلق طفلا مضطربا ومشوها نفسيا وفي علاقاته الاجتماعية المستقبلية.

وأثبتت دراسات كثيرة أن عدم إجابة الآباء على أسئلة أبنائهم في طفولتهم تركت أثراً سلبيا عليهم في المستقبل، حيث أن 65 بالمئة من الأطفال قبل سن المراهقة يعانون من نقص في المعلومات الجنسية، و3 بالمئة لديهم معلومات مشوهة و2 بالمئة ليست لديهم معلومات على الإطلاق.

بدورها حذرت مي عبدالمنعم، طبيبة تخاطب مصرية، من إسكات الطفل أو إظهار التبرم من أسئلته، أو الكذب عليه بسبب حرج يشعر به الآباء. وأوضحت لـ”العرب” أن هذا يقتل ثقته بنفسه، ويشعره بالذنب ويجعله يتردد في طرح المزيد، لينتهي به الأمر إلى ألّا يسأل، أي أن الآباء يعلمون أبناءهم ألّا يتعلموا. وفقدان الثقة بالنفس يتبعه في المستقبل عدم ثقة بوالديه عند اكتشاف كذبهما عليه، ويصبح أكثر قلقا أو خجلا، ومن الممكن أن يتحول إلى التلعثم وعدم المقدرة على تكوين جمل مفيدة.

وترى الدكتورة مي ضرورة الإجابة على جميع أسئلة الطفل الصغير على الفور بشكل محدد ومبسط وقصير، دون التدقيق والدخول في التفاصيل، وليس من المقبول الإجابة بمعلومة خاطئة لأنه سيدرك عدم صدقها في ما بعد. فالسؤال يلعب دورا كبيرا في مساعدته على اكتشاف ما حوله، وربما تكون كثرة أسئلته نتيجة شعوره بالخوف والقلق فيسأل طلبا للشعور بالأمن والطمأنينة.

الطفل الذي يتم إشباع حب استطلاعه بالنسبة إلى المعلومات الجنسية يركز في شبابه على نواحي المعرفة الأخرى

وأضافت مــي عبدالمنعم أن هناك أسئلة طفولية غرضها جذب انتباه الوالدين لانشغالهما عنه، أو للتباهي ورغبته في محاكاة الكبار. وفي كل الأحوال، إنصات الآباء والتعرف على ما وراء سؤال طفلهم من دوافع حقيقية وإعطائه فرصة ليخرج ما في جعبته، يساعده على تطوير قدراته بشكل عام، خاصة العقلية.

وأوضح باحثون في علم التربية النفسية لـ”العرب” أن الطفل الذي يتم إشباع حب استطلاعه مبكرا بالنسبة إلى المعلومات الجنسية يركز في شبابه على نواحي المعرفة الأخرى ويحقق نجاحا في مستقبله.

أما إذا لم يصل الصغير إلى إجابات مقنعة يظل ذهنه مشدودا نحو هذا النوع من الأسئلة، ويتولد لديه كبت يؤدي إلى تأجيج فضوله الجنسي، ويقوده ذلك إلى حب الاستكشاف دون ضوابط محددة لسلوكه. وتكون النتيجة طفلا لديه عقد نفسية لما يشعر به من ذنب أو نقص، وتصبح شخصيته حاقدة على الآخرين وانفعالية وأحيانا انطوائية.

وقالت أسماء كمال الباحثة بمعهد الدراسات العليا للطفولة، عند الإجابة على الأسئلة الحرجة للأطفال يجب مراعاة مستواهم وأنهم مازالوا أطفالا، وأن هناك بعض الألفاظ والتعبيرات العلمية لا يفهمونها. عقل الطفل ما هو إلا صفحة ناصعة البياض، ولا يجد حرجا في سؤاله، ولا يريد من خلاله تكوين ثقافة جنسية، لأن الطفل جاهل لمبدأ الجنس من الأساس.

وعندما تقول الطفلة لأبيها “أريد أن أتزوجك” فكل ما تريده التعبير عن حبها له، ومن المفضل أن يؤكد الأب للطفلة أنه يحبها كما تحبه، ثم يزيد على ذلك “أنه متزوج من أمها، وأنها عندما تكبر ستجد رجلا بعمرها فتتزوجه”.

كما أوضحت أسماء لـ”العرب” أنه من الضروري تقديم المعلومات الجنسية بشكل تدريجي، أي البدء بالسهل، ثم الانتقال إلى الأصعب كي تتوافق الإجابة مع عمره، فطفل الثالثة يختلف إدراكه عن طفل السادسة أو التاسعة..وهناك اعتقاد خاطئ بأن التربية الجنسية معلومات تُعطى مرة واحدة ودفعة واحدة وينتهي الأمر وهذا خطأ، لأنها تعطى على مراحل وأشكال مختلفة.

واستحسنت الباحثة أن تأخذ التربية الجنسية شكل الحوار لما يخلقه من جو ودي يستطيع الآباء من خلاله التعرف على ما يدور في عقل أطفالهم وما يجهلونه، وأن يحرص الآباء أثناء الكلام على لمس وجوههم والمسح على رؤوسهم لتتوازن شخصيتهم.

إذا سأل الطفل من أين أتى؟ من الأفضل أن تكون إجابة الأم أنه يوجد جزء بجسمها يُسمى الرحم، أقام فيه الطفل بأمان يأكل ويشرب حتى خرج إلى الحياة.

ويتفق المتخصصون في علم الطفولة على ضرورة نزع المحرمات عن الأسئلة الحرجة للطفل، فوضع ستار حديدي من الصمت في وجه أسئلته، يوصله إلى مرحلة “الانهزام النفسي” ومن ثم “الانحراف الأخلاقي”.

21