الاستراتيجية الأميركية تجاه العالم.. الغطرسة وسفور الوجه

ترامب يكشف عن وجه الإمبراطورية الأميركية القبيح في المرحلة الثالثة من استراتيجيتها تجاه العالم، ويقدم لغة غليظة نزع منها ديباجة الديمقراطية والحرية التي ميزت المرحلة السابقة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
الأربعاء 2018/10/03
الاستراتيجية الأميركية أولا

رغم ما صاحب خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، من سخرية وتعليقات كاريكاتيرية من الجرائد والصحف العالمية ردا على بعض ما جاء فيه، إلا أنه يدشن صراحة لمرحلة جديدة في الاستراتيجية الأميركية تجاه العالم، يمكن تسميتها مرحلة غطرسة القوة وسفور الوجه. فيها يتخلى عن خطاب الحرية والديمقراطية وشعاراتهما، كغطاء للهيمنة والتدخل في شؤون الدول الأخرى، ويؤكد خطاب القوة المجردة والهيمنة الواضحة، وكأننا نستمع لأحد قياصرة الإمبراطورية الرومانية القديمة قبل أفول نجمها بلا عودة.

يمكن القول إن الاستراتيجية الأميركية تجاه الوجود العالمي مرت بثلاث مراحل رئيسية حتى الآن. مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي شهدت بزوغ نجمها كقوة كبرى ورثت النفوذ الأوروبي القديم، في مواجهة معادلة عالمية متزنة تقوم على قطبين تقف أميركا على رأس أحدهما، ويقف الاتحاد السوفيتي السابق على رأس الآخر.

وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، بدأت المرحلة الثانية من الاستراتيجية الأميركية تجاه العالم، التي بدأ فيها الترويج لدعاية قلعة الديمقراطية والحرية في العالم الحديث، وكانت تختبئ خلف الذرائع والمبررات لتشن عدوانها على الدول باسم الحفاظ على الديمقراطية والحرية، وهي المرحلة التي شهدت حرب الخليج الأولى والثانية وتفكيك العراق وظهور السلطة الوطنية الفلسطينية واتفاقية أوسلو.

أما المرحلة الثالثة التي يبدو أن خطاب الرئيس دونالد ترامب يؤسس لها، فهي مرحلة غرور القوة ونزع قناع الحكمة والفضيلة وظهور النزعة الإمبراطورية في الحالة الأميركية، التي لا تتستر فيها خلف شعارات بعينها، إنما توجه خطابها للجميع بلهجة الآمر الناهي/ الكاوبوي، ومن يملك القدرة على التصدي لها فليخرج وليظهر لها كيف سيحمي نفسه، ناهيك عن محاولته حماية الآخرين.

في خطاب الأسبوع الماضي خص ترامب العرب بمجموعة من التصريحات لاستعراض استراتيجيته الجديدة، وكأنهم فقير الحي الذي سيمارس عليه عنفوانه دون خوف من عقاب، تحدث بشكل مباشر وغير مباشر عن ملف النفط، وملف القواعد العسكرية وكذلك عن الملف الإيراني.

في ما يخص ملف النفط قال بلهجة سافرة إن أوبك تسرق باقي العالم وتستغله من خلال أسعار عالية للنفط، وطالبها بالتوقف عن رفع سعر النفط والشروع في تخفيضه، وفي تأكيد على أنه يقصد الدول العربية بحديثه عن أوبك، استطرد بأن الولايات المتحدة تدافع عن دول أوبك دون شيء في المقابل، وأنها يجب أن تساهم من الآن فصاعدا بشكل ملحوظ في تكاليف الحماية العسكرية.

وفي الحقيقة يحمل خطاب ترامب مغالطات بالجملة، فالولايات المتحدة لم تقدم حماية مجانية أبدا لدول الخليج، لا الآن ولا سابقا، ولا ستفعل ذلك في المستقبل. معظم القواعد الأميركية الموجودة في الخليج الآن تعود للمرحلة الاستراتيجية السابقة؛ مرحلة شغل الفراغ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكيك العراق، وفي مواجهة إيران. وكان الغرض منها تأمين طرق التجارة والإمدادات من المسارات البحرية القادمة من آسيا إلى وروبا وأميركا، والسيطرة أيضا وبسط النفوذ على منابع البترول وقود الآلة الصناعية الغربية الحديثة، وكذلك ضمان أمن وتفوق دولة الهيمنة الوجودية على العرب وكبح جماحهم؛ إسرائيل.

يبتز ترامب في خطابه الأخير الذي يدشن لمرحلة استراتيجية جديدة، النظام الدولي والأممي بأكمله

وللمفارقة احتوى خطاب ترامب على اللهجة العدائية نفسها تجاه إيران وفرض العقوبات عليها ومحاصرتها؛ مدافعا عن قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي معها، وكأن ترامب يؤكد سياسة “إدارة التناقضات”، فهو يحاصر إيران باعتبارها حليفا لروسيا تقدم خطابا معاديا للكيان الصهيوني في المنطقة، ويصنفها ضمن الأشرار، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يتحمل فاتورة مواجهتها وحده وحصار النفوذ الروسي هناك، فيقدمها كعدو لدول الخليج يطمع في الأرض والنفوذ الديني وآبار النفط؛ عليها أن تدفع لتمويل وجود القواعد الأميركية على أرضها المخصصة لمواجهة إيران.

ترامب يكشف عن وجه الإمبراطورية الأميركية القبيح في المرحلة الثالثة من استراتيجيتها تجاه العالم، ويقدم لغة غليظة نزع منها ديباجة الديمقراطية والحرية التي ميزت المرحلة السابقة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وحمل خطابه لغة تهديد مضمرة للأمم المتحدة كمؤسسة ذكر أن الولايات المتحدة تقدم الجزء الأكبر من تمويلها، بما يستوجب إصلاح مسارها لتواكب ذلك الاستثمار الأميركي فيها، مهاجما عدة كيانات أممية، ومدافعا عن قراره بالانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كما هاجم المحكمة الجنائية الدولية أيضا.

كان ترامب واضحا حين قال “إن الأمر يعود إلينا بشكل كامل، إما أن نرفع العالم إلى آفاق جديدة، وإما ندعه يسقط في واد من العطب”، والحقيقة أن التاريخ أخبرنا العديد من القصص عن الرجال الذين اعتلوا إمبراطوريات كبرى وظنوا أنهم قد أصبحوا آلهة الأوليمب الجدد، قبل أن يسقطوا ويطويهم سجل الإنسانية.

يبتز ترامب في خطابه الأخير الذي يدشن لمرحلة استراتيجية جديدة، النظام الدولي والأممي بأكمله ويقول له إما أن تنصاع إلى مخططاتي وأهدافي، وإما يمكنني التوقف عن اللعب وتفكيك قواعد النظام الدولي المستقر منذ الحرب العالمية الثانية برمته، ويبدو أن العالم بحاجة إلى بروتوكول أخلاقي جديد يمثل دستورا وفلسفة قيمية عليا، تضبط النشاط الأممي المؤسسي.

إذا أراد العالم تحقيق نوع من التوازن وتخفيف الضغوط الأميركية على المؤسسات الأممية، فسيكون على مفكريه البحث عن مجموعة مبادئ حاكمة جديدة، يكون هدفها إعادة هيكلة كافة أنشطة النظام الأممي وتجاوز إدارة التناقضات فيه، تلك التي قد تسمح بنشوب حرب أهلية ما في وسط أفريقيا السمراء، تدخل عوائد بيع أسلحتها في جيوب الخزانة الأميركية، التي تعيد تدويرها وغسيلها في أنشطة الأمم المتحدة، عبر منظمات إغاثة وبعثات سلام.

سيكون على العالم مواجهة العديد من القضايا الشائكة، مثل تمويل الأونروا الذي قطعته الولايات المتحدة، سببه العدوان والتهجير اللذان قامت بهما العصابات الصهيونية في فلسطين، ويجب أن يمول عبر التعويضات وجرائم الحرب التي ارتكبتها الصهيونية والموثقة في كل الدنيا.

الفقر والمساعدات الأميركية لدول العالم النامية التي يتبجح بها ترامب، يرجعان لبنية تناقضات الهوية التي تركها الاستعمار في آسيا وأفريقيا، وما تركه من نزاعات محلية أفرزت بنية سياسية تقوم على الاستبداد وتبرير القمع بالحفاظ على المتاح من الضياع.

والأمر يتطلب الدعوة إلى مؤتمرات عالمية، تبحث تفكيك هذه البنى التي تقف عائقا أمام التحديث والنهضة داخل تلك البلدان، بدلا من تضييع الوقت في البحث عن ميزانيات لعلاج الفقر، وميزانيات لعلاج الجوع، وميزانيات لتمكين المرأة، وميزانيات لنشر ثقافة السلام.

ما بدأه ترامب وهو يظن أنه تهديد للعالم، قد يتحول لفرصة عظيمة للبحث عن نظام بديل، أكثر عدالة ووضوحا وجذرية، إذا توفرت الإرادة والعقول المفكرة واجتهدت في الآليات ووضع حجر الأساس، ووثيقة للمبادئ الحاكمة.

9