الاستراتيجية الأميركية لاعتراض الأسلحة الإيرانية تحتاج إلى مراجعة

تحتاج التطمينات الشفوية والوعود التي يقطعها الأميركيون لتطمين حلفائهم في الشرق الأوسط الذين يتوجسون من تبعات الاتفاق النووي الإيراني وإمكانية إطلاقه ليد طهران في المنطقة، إلى العديد من الخطوات العملية الجادة على الأرض، من أبرزها إعادة النظر في الاستراتيجية الأميركية القائمة لاعتراض عمليات نقل الأسلحة الإيرانية، والتي لم تثبت جدواها إلى غاية الآن، وفق دراسة للباحث نداف بولاك صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
الاثنين 2015/08/24
الأسلحة القادمة من إيران تعمق الأزمات وتؤجج الصراع أينما حلت

واشنطن - يشعر حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط بالقلق من أنّ خطة العمل المشتركة الشاملة التي تمّ إقرارها على خلفية الاتفاق النووي الإيراني سوف تشجّع سلوك طهران العدواني، لا سيما في ما يتعلّق بتسليح الميليشيات والمنظمات الإرهابية الناشطة في المنطقة مثل حزب الله في لبنان والجماعات الموالية لإيران الناشطة في كلّ من سوريا والعراق وكذلك الحوثيين في اليمن.

وقد سعت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما طوال الفترة السابقة إلى طمأنة هؤلاء الحلفاء، بالتأكيد على أنّ الولايات المتحدة ستردع هذا السلوك. وقد قال أوباما، في مؤتمر صحفي في 15 يوليو الماضي، أي بعد يوم من توقيع خطة العمل المشتركة الشاملة “إنّ مسألة الحظر المفروض على الأسلحة والصواريخ البالستية تشكّل مصدر قلق حقيقي لنا، ومن مصلحة الأمن القومي للولايات المتحدة منع إيران من إرسال الأسلحة إلى حزب الله، على سبيل المثال، أو إلى الحوثيين في اليمن، الأمر الذي يُؤجّج الحرب الأهلية هناك”. وأضاف أنّه لا يزال بحوزة واشنطن “عددٌ من الآليات المنصوص عليها في القانون الدولي، التي تعطينا صلاحية اعتراض شحنات الأسلحة الإيرانية”.

ومن جملة الآليات التي ألمح الرئيس الأميركي إلى استخدامها مجموعةٌ من قرارات مجلس الأمن الدولي وعقوباتها التي لا تزال سارية المفعول في هذه المرحلة من تنفيذ خطة العمل المشتركة الشاملة. لكنّ هذه التصريحات تثير تساؤلا محوريا لدى عدد من المُحلّلين مفاده؛ هل ساعدت تلك الآليات القائمة منذ سنوات حقا الولايات المتحدة على اعتراض عمليات نقل الأسلحة من إيران؟

وتتدفّق الأسلحة من إيران إلى لبنان وسوريا واليمن وقطاع غزة وإلى مناطق أبعد منذ سنوات عديدة. ويتم تنفيذ معظم تلك الجهود الخاصة بعمليات التهريب من قبل الوحدة 190، وهي فرع خاصّ من قوة القدس التابعة لفيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني. وتستخدم تلك الوحدة مجموعة متنوّعة من الطرق لنقل الأسلحة المتطورة بحرا وجوا وبرا، وعادة ما تُخبّأ الأسلحة داخل حاويات إلى جانب غيرها من المنتجات الشائعة كمواد البناء. ثمّ توضع الحاويات على الخطوط الجوية التجارية أو السفن (التي ترفع أحيانا أعلاما أجنبية) وتُرسل إلى المتلقّين بوصفها سلعا غير مؤذية. وفي بعض الحالات، تمرّ هذه السفن عبر ميناءين أو ثلاثة قبل أن تصل إلى وجهتها النهائية.

وعلى مر السنين، ثبت أنّ نطاق عمليات النقل موضع البحث قد اتسع وأصبح ضخما، حيث يستخدم حزب الله وحماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين والحوثيون والميليشيات الشيعية هذه الأسلحة والمتفجّرات الإيرانية بكميات كبيرة. كما تم استخدامها من قبل خلايا مختلفة كانت تخطط لاستهداف أهداف إسرائيلية وأميركية في الخارج. وأبرز هذه الخلايا تكونت من شخصين اشتُبه بهما كأفراد من قوة القدس، وألقي القبض عليهما في كينيا في يونيو 2012 لتورّطهما في مخطّطات لمهاجمة أهداف غربية هناك، بعد أن كانا قد هرّبا أكثر من مئة كيلوغرام من المتفجرات القوية في البلاد لهذا الغرض.

التاريخ الحديث حول جهود الاعتراض الأميركية لا يحفل بالعديد من الأمثلة على منع عمليات نقل الأسلحة الإيرانية

صعوبة في الاعتراض

لا يحفل التاريخ الحديث حول جهود الاعتراض الأميركية بالعديد من الأمثلة على منع عمليات نقل الأسلحة الإيرانية، ففي يناير 2009، اعترضت المدمرة الأميركية “سان أنطونيو” سفينة “أم في مونتشيغورسك”، وهي سفينة شحن تملكها روسيا كانت تُبحر رافعة علم قبرص. وبعد توقيف السفينة في البحر الأحمر، صعد أفراد البحرية الأميركية على متنها بإذن من القبطان، غير أنّ السبب الوحيد الذي سمح لهم بالقيام بذلك هو وجود اتفاق ثنائي بين الولايات المتحدة وقبرص يجيز الصعود على متن السّفن. وعلى الرغم من أنّ الأميركيين عثروا على أسلحة، إلّا أنّهم افتقروا إلى الصلاحية القانونية لمصادرتها، مما اضطرّ واشنطن إلى الضغط على السلطات القبرصية لجلب السفينة إلى أحد مرافئها وقيامها بتفتيش الأسلحة بنفسها. واكتشف المحققون أنّ السفينة كانت قد استأجرتها شركة “خطوط الشحن لجمهورية إيران الإسلامية”، التي تدرجها وزارة الخزانة الأميركية على لائحتها السوداء، ولكن سيتمّ شطبها كجزء من خطة العمل المشتركة الشاملة.

وجرى اعتراض آخر في يناير 2013، عندما أوقفت السلطات اليمنية سفينة “جيهان 1″ بالتنسيق مع البحرية الأميركية. وكانت السفينة في طريقها إلى اليمن حاملة صواريخ كاتيوشا وأنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف ومتفجّرات مختلفة صُنّعت كلّها في منشآت الحرس الثوري الإسلامي. وقد أصرّ طاقم السفينة المؤلّف من إيرانيين ويمنيين أوّلا على أنّ السفينة كانت ترفع علم بنما وتحمل الوقود، لكن سرعان ما تمّ العثور على الأسلحة. ووفقا للمسؤولين اليمنيين، احتُجز طاقم “جيهان 1” فضلا عن السفينة. وتمت مصادرة الأسلحة، لكنّ مصير أفراد طاقمها اليمنيين المكون من ثمانية أشخاص والسفينة نفسها غير مُحدّد في تقارير المصادر المفتوحة حول الحادثة. وفي أبريل 2015، أُرسلت “المجموعة الضاربة بقيادة حاملة الطائرات ثيودور روزفلت” إلى خليج عدن لاعتراض مجموعة من السفن الإيرانية التي زُعم أنّها تحمل أسلحة للحوثيين.

ومع ذلك، لم تكن هذه الاعتراضات في المخطّط الأكبر إلّا غيضا من فيض، فلا تزال الخطوط الجوية والسفن التجارية تصل إلى وجهاتها في سوريا ولبنان وغزة واليمن، محمّلة بأطنان من الأسلحة، مما يُعزّز القدرة القتالية لنظام الأسد ومختلف المنظّمات المتشددة والإرهابية.

العنصر الأساسي في الردع الأميركي يكمن في مضاعفة رهانها على اعتراض عمليات نقل الأسلحة الإيرانية

ولا يزال نظام الأسد وحليفه حزب الله يستخدمان الأسلحة الإيرانية لمحاربة الثوّار في سوريا بشكل مكشوف. ونظرا إلى الأدلّة المُصوَّرة التي صدرت من اليمن حتى الآن، يمكن الافتراض بشيء من اليقين أنّه بمجرّد أن ينقشع الغبار هناك، سيتمّ اكتشاف استخدام الحوثيين للأسلحة الإيرانية بشكل كبير.

ويوحي تواصل هذه العمليات بأنّ الاعتراضات تفقد الكثير من نجاعتها لأنّها تخضع للعديد من القيود القانونية واللوجستية، كما ثبت في حالة سفينة “أم في مونتشيغورسك”، مما يجعل من الصعب جدا على الولايات المتحدة وغيرها من الدول وقف شحنات الأسلحة. وكانت السلطات الأميركية قد قدّمت المساعدة في عمليات اعتراض أخرى، وفي الدرجة الأولى من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية مع دول المنطقة، غير أنّ بعض هذه الدول يفتقر إلى الموارد أو الإرادة السياسية للمساهمة في جهود مكافحة تهريب الأسلحة.

تطوير الخطة مطلوب

تستخدم إيران بشكل أساسي الطريق الجوي إلى سوريا، بإرسالها الأسلحة عبر الخطوط الجوية التجارية مثل “يـاس إير” و”الخطوط الجوية الإيرانية” و”ماهان إير”. وبعد هبوط طائرات هذه الشركات في دمشق، تُنقل هذه الشحنات إلى المخازن السورية أو مباشرة إلى الوحدة 108 في حزب الله، المسؤولة عن نقل الأسلحة من سوريا إلى لبنان.

ومن أجل اعتراض هذه العمليات المتعلقة بالنقل والتهريب، ينبغي على الولايات المتحدة إجبار الطائرات على الهبوط (افتراضا أثناء عبورها فوق الأراضي العراقية) أو منعها من الوصول إلى المطارات السورية. وفي الماضي، حثّت واشنطن العراق على إجبار الطائرات الإيرانية التي تحمل الأسلحة على الهبوط عندما تعبر مجالها الجوي، لكنّ بغداد رفضت بحجة أنّها مقيّدة بفعل المزاعم الإيرانية بأنّ الطائرات كانت تحمل مساعدات إنسانية فقط. ولا تتمتّع الولايات المتحدة حاليا بنفوذ كبير على العراقيين في هذه المسألة، ذلك أنّ طهران توفّر مساعدة كبيرة لبغداد في قتالها ضدّ تنظيم “الدولة الإسلامية”، بل يمكن القول إنّ نفوذها في بغداد يفوق نفوذ واشنطن.

وصحيحٌ أنّ التاريخ الحديث يظهر أنّ الاستخبارات الأميركية اكتشفت عددا أكبر من عمليات نقل الأسلحة (كما هو الحال عندما حثّت الإدارة الأميركية بغداد على اعتراض الطائرات الإيرانية)، لكن رغم ذلك، وصلت تلك الأسلحة إلى وجهتها في سوريا. وهذا يدلّ على أنّ الاعتراض ليس بالمهمة السهلة، وأنّ الكشف الاستخباراتي لا يكفي، بل يُشترط وجود إرادة سياسية في بعض الأحيان.

خلاصة القول، يُحاول المسؤولون الأميركيون إقناع حلفائهم بأنّ الولايات المتحدة ستردع الأذيّة التي تُسبّبها إيران في الشرق الأوسط بعد تنفيذ الاتفاق النووي. ووفقا لكيري، يكمن العنصر الأساسي في هذا الردع في “مضاعفة رهانها” على اعتراض عمليات نقل الأسلحة الإيرانية. ومع ذلك، فإنّ الواقع على الأرض يشي بأنّ الآليات القائمة لاعتراض هذه الأسلحة ليست كافية، ففي السنوات الأخيرة، نجحت كلّ من الوحدة 190 وقوة القدس إلى حد كبير في تسليح وكلاء إيران في جميع أنحاء المنطقة في الوقت الذي كانت فيه الآليات نفسها قيد التطبيق.

وإذا أرادت الحكومة الأميركية تحقيق وعود الردع التي قطعها الرئيس أوباما ووزير الخارجية كيري وتظهر لحلفائها أنّها تشاركهم اهتمامهم بمراقبة السلوك الإيراني في المنطقة، سيتعيّن عليها اعتماد آليات أفضل. وعلاوة على ذلك، ونظرا إلى أنّ معظم الشحنات الإيرانية متّجهة هذه الأيام على ما يبدو إلى سوريا وحزب الله، سوف تتطلّع دول المنطقة إلى الردّ الأميركي في وجه هذا التحدّي. وإذا ما علّمنا التاريخ الحديث شيئا ما، فهو أنّ الردع الحقيقي سيكون مستحيلا دون تقييد وصول الطائرات الإيرانية إلى دمشق.

6