الاستراتيجية السعودية لمكافحة الإرهاب خيار لا محيد عنه

الأربعاء 2014/08/27
لا خيار أمام واشنطن سوى دعم الاستراتيجية السعودية لمكافحة الإرهاب

واشنطن- الطفرة الإرهابية المتنامية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد إعلان تنظيم “داعش” عن قيام “دولة الخلافة” في كلّ من العراق وسوريا، وما تُشكّله من خطر إقليمي وعالمي يمكن أن يطال جميع البلدان المجاورة وحتى تلك البعيدة التي يتراءى لها أنّها بمعزل عنه، أسهمت في دفع الرياض نحو تصعيد استراتيجي مُتعدّد الجوانب يتعلق بمكافحة الإرهاب. تصعيدٌ يُنبئ بنسبة نجاح كبيرة مُحتملة إذا ما وجد تعاونا من طرف القوى العظمى التي تدّعي انخراطها في هذا المسار وعلى رأسها واشنطن، حسب دراسة للباحثة لوري بلوتكين بوغارت صادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

تبرّعت المملكة العربية السعودية، مؤخّرا، بـ100 مليون دولار إلى “مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب” في نيويورك. وتعكس هذه الهبة قلق الرياض من التهديد الإرهابي “السني” المتأتي عن وجود عدد من المتشددين داخل المملكة، وعلى حدودها الشمالية والجنوبية. ولمواجهة هذا التهديد، عمدت حكومة المملكة، ومازالت، إلى توسيع جهودها للحد من الدعم الشعبي للمتشددين “السنة” داخل البلاد وخارجها.

كان سجل الرياض في مكافحة الإرهاب متفاوتاً منذ قيام “خمسة عشر سعودياً وأربعة عناصر أخرى من تنظيم القاعدة باختطاف طائرات واستعمالها لشن هجوم على الولايات المتحدة في شهر سبتمبر من عام 2001″. وبدءاً من سنة 2003 وحتى سنة 2006، أدت سلسلة من الهجمات المريعة لـ “تنظيم القاعدة”، إلى مقتل المئات داخل المملكة، ممّا دفع بالحكومة إلى بذل المزيد من الجهود لملاحقة الإرهابيين داخل البلاد ومنع المزيد من المؤامرات التي تستهدف المسّ بأمن المملكة واستقرارها.

يجب على الولايات المتحدة أن تدعم خطط السعودية وأن تساهم معها قولا وفعلا في دحر هذا الخطر الإرهابي

وفي هذا الإطار، كانت الرياض قد اتّخذت تدابير هامة للحد من تمويل الإرهاب في الخارج، كما سعت إلى تضييق الخناق على الخطابات المحرّضة للقادة الدينيّين، وتمّ إلقاء القبض على العديد من المتشددين الذين تمّت إعادة تأهيلهم في وقت لاحق. ومع ذلك، فمع مرور السنين مازال الخطر الإرهابي قائما، بل هو اليوم يتوسّع أكثر من أيّ وقت مضى، مع إعلان “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف إعلاميا باسم “داعش”، عن تأسيس “دولة الخلافة”، وهو ما دفع المملكة العربية السعودية إلى الترفيع من درجة التأهّب وتصعيد الحرب على الإرهاب


استراتيجية صارمة


في سياق الاستراتيجية التي اتبعتها المملكة لضرب معاقل الإرهاب وقطع الإمدادات عليه، أشارت لوري بلوتكين بوغارت في دراستها، إلى أنّ الرياض كانت قد أطلقت في وقت سابق من هذا العام، حملة بارزة لثني المواطنين عن دعم المنظمات الإرهابية والجماعات الأخرى التي تمثّل خطرا على أمن المنطقة ككل. ويُذكر أنّ قانوناً جديداً أصدره العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في فبراير الماضي، يجرّم مختلف أشكال الدعم للجماعات الإرهابية، يعدّ العمود الفقري لهذه الحملة.

وفي مارس من نفس السنة، نُشرت لائحة بأسماء هذه الجماعات، وقد تضمّنت اثنين من المنظمات الجهادية المعروفة، وهما؛ تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف باسم “داعش” (الذي بدأ مؤخّرا يسمّي نفسه بـ “الدولة الإسلامية”) و”جبهة النصرة”، التي تُعدّ الذراع السوري لـ “تنظيم القاعدة”. وتُعزى هذه الحملة إلى كشف الرياض لمؤامرات إرهابية تستهدف المملكة كان يخطط لها سعوديون في الداخل بتواطؤ مع عناصر من “داعش” في الخارج.

وقد استمرت هذه الحملة في تكثيف جهودها، بالتزامن مع تحقيق “الدولة الإسلامية” لمكاسب إقليمية كبيرة في البلدان التي تقع شمالي السعودية وتهدد المملكة نفسها.

ومنذ ذلك الحين، تمّ العمل بصرامة أكبر على إحباط الدعم المالي والأيديولوجي للإرهاب. فخلال شهر رمضان الماضي وحده، والذي كان يوم 28 يوليو هو آخر أيّامه، أعلنت الرياض أنّها تُجري تحقيقات حول سبعة عشر عنصرا من رجال الدين الذين لم يستنكروا في خطبهم الهجوم الذي شنه تنظيم “القاعدة” في الـ 4 من يوليو الماضي في جنوب المملكة على الحدود مع اليمن.

كما حذرت من التصدّق (تقديم الهبات المالية وغيرها بغاية الصدقة) عبر أدوات التواصل الاجتماعي، لأن التبرعات قد تقع في أيدي الإرهابيين، وأعلنت أحكاماً بالسجن على أربعة مواطنين سعوديين خططوا للانضمام إلى القتال في العراق.

إلى جانب ذلك، أعلنت الحكومة عن تغييرات مؤسساتية جديدة هذا الصيف. ففي شهر يوليو، أبلغ رئيس “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، الموظفين التابعين للهيئة أنّ القضاء على الأفكار المتطرفة ومواجهة أولئك الذين يروّجون للمبادئ الإرهابية بات الآن من بين مهامهم الرئيسية. حيث قال: “لم تعد مهمتكم تقتصر على مراقبة المتاجر التي تفتح أبوابها في أوقات الصلوات أو توجيه التعليمات للنساء حول الالتزام باللباس المتواضع".

100 مليون دولار تبرعت بها الرياض مؤخرا إلى مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب

ومن جهة أخرى، فقد أعلنت وزارة الداخلية، في وقت سابق من هذا الشهر، أنّ هذه المرحلة ستتطلب تحريات أمنية جديدة حول الأئمة، ومن المفترض أن تهدف هذه التحريات إلى معرفة ما إذا كانوا يدعمون الأيديولوجية المتطرفة أم لا. وفي الوقت نفسه، أعلنت “هيئة كبار العلماء”، وهي أعلى هيئة دينية في المملكة، أنّها بصدد إنشاء منصة تفاعلية يقوم القادة الدينيون من خلالها بإشراك المواطنين في مكافحة الخطاب الإرهابي الذي يهدف إلى جذب الشباب إلى القتال في الخارج. وقد جاء هذا الإعلان بعد أيام من إصدار العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز “خطاب تأنيب علني نادر” إلى الهيئة، لعدم بذلها الجهود الكافية لمكافحة التطرّف.

وفي إطار إكمال هذه المبادرات المحددة، كان التركيز الكبير على مخاطر دعم الإرهابيين، وذلك في الخطابات الأخيرة التي ألقاها الملك والزعماء الدينيين، وكذلك أعمدة الرأي في “الصحف الحكوميّة”، والبرامج التلفزيونية على القنوات التي تدعمها الدولة. وفي الآونة الأخيرة، تم تسليط الضوء على التهديد الذي تشكله “الدولة الإسلامية” على وجه التحديد، في خطوة يرى العديد من المراقبين أنّها ضرورية للحدّ من هذا الخطر المحدق بالجميع.


التهديدات الأمنية


هذه التغييرات السياسة الطارئة، وهذا التصعيد على مستوى استراتيجية مكافحة الفكر المتطرف والمد الإرهابي الغاشم، يبدو أنّهما قد نتجا عن مخاوف جديدة حول العواقب الأمنية لـ”دعم المواطن للجماعات الإرهابية في الخارج”، وعن ضرورة المحافظة على الأمن الحدودي الأساسي.

ففي شهر مايو المنصرم، أعلنت الرياض أنّها كشفت مؤامرات إرهابية لاغتيال مسؤولين حكوميين ومهاجمة المصالح الوطنية والأجنبية في البلاد. وقد تمّ اعتقال اثنين وستين مشتبهاً بهم، جميعهم مواطنون سعوديون تقريباً. ووفقاً لوزارة الداخلية؛ كان قد تم تشجيع البعض منهم من قبل عناصر “داعش”، من السعوديين الذين يقاتلون في سوريا لتنفيذ عدد من الاغتيالات.

ويُعتقد أنّ آخرين من بين المشتبه بهم يدعمون ذراع تنظيم “القاعدة في جزيرة العرب”، الذي يتّخذ من اليمن مقرّا له، من خلال جمع التبرعات والخدمات اللّوجستية. وعلى إثر ذلك، أعلنت الرياض أنّها اعتباراً من ذلك الشهر، ما زالت تبحث عن أربعة وأربعين من المشتبه بتورّطهم في مؤامرات تستهدف الاخلال بأمن المملكة.

ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان تجربة المملكة المروّعة مع الإرهاب الداخلي، في منتصف العقد الأول من الألفية الحالية، عندما أدخل السعوديون، الذين انضموا إلى تنظيم “القاعدة” في أفغانستان، “الجهاد” إلى المملكة بعد هروبهم من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة في تلك البلاد. وفي الآونة الأخيرة، انضم السعوديون بأعداد كبيرة إلى تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة”، ويُعتقد أن المئات منهم قد توافدوا وتوزعوا على كل الجماعات المقاتلة، وربما انضم أكثر من ألف سعودي إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” وحده، حسب تصريحات متابعين للشأن السعودي.

اتخذت الرياض تدابير هامة للحد من تمويل الإرهاب، كما سعت إلى تضييق الخناق على الخطابات المحرضة للقادة الدينيين

في ذات السياق، فقد زادت سيطرة “داعش” بـ”سرعة البرق” على أجزاء من العراق في يونيو الماضي، إلى جانب مكاسب التنظيم في سوريا من حدة التهديد، ممّا دفع بالرياض إلى تعزيز التمركز الأمني على طول حدودها مع العراق، في حين أظهرت “الدولة الإسلامية”، تصميمها على اختراق حدود دول أخرى عندما استولت على بلدة حدودية لبنانية، في وقت سابق من هذا الشهر.

وفي الوقت نفسه، جنوبًا، هاجم ستة أفراد من تنظيم “القاعدة في جزيرة العرب” (جميعهم مواطنون سعوديون)، يوم 4 يوليو، حاجزاً حدوديا من الجانب اليمني، ممّا أسفر عن مقتل عدد من ضباط الأمن السعوديين وضابط يمني واحد.

وقد شقّ إرهابيان طريقهما عبر الحدود، وفجرا نفسيهما داخل مبنى حكومي سعودي على بعد عشرات الأميال شمالاً. وشكّل ذلك أوّل توغل لـ تنظيم “القاعدة في جزيرة العرب” إلى داخل المملكة، منذ محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف آل سعود عام 2009، عندما كان مساعدا لوزير الداخلية في ذلك الحين.

وعلى إثر إلقاء القبض على العديد من المشتبه بهم في تنفيذ هذه العملية والتخطيط لها، تفاجأت الرياض بأنّ بعضهم، من خرّيجي برنامج مرموق كانت المملكة قد وضعته وبدأت في تنفيذه منذ سنوات لإعادة تأهيل الإرهابيين في البلاد. وقد أفادت وزارة الداخلية الشهر الماضي، في تقارير صادر لها، أنّ 10 في المئة من المشاركين في برنامج التأهيل المذكور سلفا يعودون إلى التّطرف. وفي عام 2010، لاحظت المملكة أنّ نسبة 20 في المئة من المعتقلين السابقين في خليج غوانتانامو، شاركوا في برنامج إعادة التأهيل.


المعالجة الفكرية


نظرا للقلق الذي تشعر به الرياض إزاء انتشار الدعم الشعبي لـ تنظيم “داعش”، فقد عمدت إلى صياغة استراتيجية لكفّ هذا النزيف تُعنى بالمعالجة الفكرية للظاهرة بغاية معاضدة الحلول الأمنية وضمان نجاعة أكثر. وفي هذا السياق، أوردت لوري بلوتكين بوغارت في دراستها، أنّ استطلاعا للرأي، غير رسمي، أجري مؤخّرا وصدر على مواقع الشبكات الاجتماعية، بيّن إلى أنّ السعوديين يعتقدون بشكل ملحوظ أن “الدولة الإسلامية” “تتوافق مع قيم الإسلام والشريعة الإسلامية”.

ورداً على ذلك، تخطّط الحكومة لدراسة آراء المواطنين حول “الخلافة” التي أعلنتها “داعش” في كلّ من العراق وسوريا في يونيو الماضي. كما تجدر الإشارة إلى أن استطلاعاً آخر للرأي أُجري عام 2009، كان قد أظهر أن 20 في المئة من المواطنين الذين شملهم الاستطلاع، عبّروا عن رأي “إيجابي نوعاً ما” أو “إيجابي” تجاه تنظيم “القاعدة”.

من جهتهم، يعيد عدد من المراقبين هذا “التعاطف” النسبي مع الفكر المتطرّف في المملكة، رغم قيام الحكومة بمجهودات جبارة لمعالجة هذه الظاهرة، إلى غياب التأطير الديني الشامل وعدم قيام الزعماء الدينيين والأئمة المعتدلين بأدوارهم على أكمل وجه في تأطير الشعب وإنارته وثنيه بالموعظة الحسنة عن طريق الإرهاب والهلاك من خلال إرشاده إلى جوهر الإسلام السمح الذي يحمل جلّ الأبعاد الإنسانية النبيلة ويسعى إلى نشرها بين البشر على أساس التسامح والتعايش، وهو ما يستوجب من الرياض، حسب المراقبين، صياغة استراتيجية ناجعة في هذا المجال تسير بالتوازي مع الاستراتيجية الأمنية وتعاضدها، تهتمّ بالجانب النظري والمعالجة الفكرية لظاهرة الانغلاق والتطرف، في هذه الحرب التي تتطلّب تضافر جلّ الجهود لإجهاض خطرها الداهم.


واشنطن وضرورة التعاون


يتوجب على واشنطن، من جهتها، كونها ترفع شعار مكافحة الإرهاب في العالم وحتّى تعلن عن حسن نواياها، أن تتعاون مع المملكة العربية السعودية في تنفيذ مبادراتها الأخيرة

وبناء على ما سبق، خلصت لوري بلوتكين بوغارت، في دراستها الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أنّه يتوجب على واشنطن، من جهتها، كونها ترفع شعار مكافحة الإرهاب في العالم وحتّى تُثبت صدقها وتعلن عن حسن نواياها ومدى التزامها بهذا الشعار، أن تتعاون مع المملكة العربية السعودية في تنفيذ مبادراتها الأخيرة بغية تقليص الدعم الذي يحظى به الإرهاب، حيث يتسنى من ثمّة لتدابير الرياض التي اتّخذتها أن تبلغ الحد الأقصى من التأثير في الخارج، وخاصّة في كلّ من العراق وسوريا.

ويتطلب هذا الأمر مضاعفة تبادل المعلومات والمعطيات وصقل أيّ تنسيق للعمليات الاستخباراتية وغيرها من الأنشطة التي يقوم بها الطرفان ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” والجماعات المماثلة له، بغية دحر المكاسب التي حققها الإرهابيون وإحباط الأجندة الإرهابية في هذه البلدان.

ولذلك، تشدد لوري بلوتكين بوغارت في دراستها، على أنّه من المفروض أن تعي واشنطن بأنّ التحدي الإرهابي في كلّ من العراق وسوريا يؤثّر بشكل كبير على المصالح الأميركية في الخارج والداخل، وعلى هذا الصعيد تتمتع السعودية بنفوذ خاص في هذين البلدين من خلال الروابط القبلية وغيرها.

كما أنّ لهذا النفوذ أهمية كبيرة لا سيما في الوقت الذي يخاف فيه الكثير من السنّة من المشاركة في عملية مكافحة “داعش”. لكلّ ذلك، تضيف بوغارت، أنه يجب على الولايات المتحدة أن تدعم خطط السعودية وأن تساهم معها قولا وفعلا في دحر هذا الخطر الذي تستوي أمامه الأشياء جميعها.

7