الاسترقاق.. "تابو" الأدب الأفريقي

الأربعاء 2013/10/23
دياكيتيه وميانو: التاريخ لن ينسى جرائم الرجل الأبيض في حق السود

كثيرة هي الكتب التي تناولت قضية العبودية وانتزاع السود من أوطانهم لبيعهم في المزاد العلني، وتسخيرهم لخدمة الأسياد عربا وعجما وإفرنجا، وقد ساد الاعتقاد قرونا بأنهم كانوا ضحايا عرب غزاة، أو بيض قادمين من وراء البحار، يجتثونهم من تربتهم بالقوة والغصب، فيوسَاقون عبر البراري والصحارى أو بواسطة السفن إلى ديار غريبة ليس بعدها أوبة. فذلك جانب من الحقيقة وليس الحقيقة كلها، إذ ثبت أن إخوتهم في الجنس والعرق لم يكونوا بالبراءة التي نتصور.

باريس- حتى وقت قريب، لم تولِ الآداب الأفريقية اهتماما بالعبودية والنخاسة، والحال أنها ظاهرة ضاربة بجذورها في أعماق تاريخ القارة السمراء، أصابت جهتيها الغربية والشرقية، فمنذ أن بدأ الأفارقة يأخذون بأسباب الأجناس الأدبية في أشكالها الحديثة، انصرف اهتمامهم، على مستوى الرمزية والأيديولوجيا، إلى نقل نضال الشعوب الأفريقية ضد المستعمر، واحتفائها بطرد الغاصب ونيل الاستقلال.

والكتب القليلة التي تناولتها اتخذت منحى إدانة جرائم اقترفها الرجل الأبيض في حق السود، وصلت إلى حدّ مطالبة بعض الأفارقة وسكان العالم الجديد في أميركا والبحر الكاريبي الدولَ الغربية (فرنسا وبريطانيا والبرتغال وهولندة والولايات المتحدة) بتعويضات عما جرى بوصفه "جرائم ضد الإنسانية"، تأكيدا لما استقر في الذاكرة الجمعية بأن الغرب، بشقيه الأوروبي والأميركي هو صاحب الفعلة الشنعاء، ولا حديث عن دور الأفارقة في المأساة إلا في كتب المؤرخين الأجانب.


تغييب الحقيقة


في مقال له بعنوان "ذاكرة تجارة الرقيق والعبودية في الآداب الإفريقية" بالعدد 161 من مجلة "مكتبتنا" يقول الطوغولي كانيي أليم أليمجرودو، الذي عالج القضية أدبيا في روايتين هما "زمن ذوات الصواري الأربع" و"عبيد" أثارتا جدلا طويلا : "حسبنا إلقاء نظرة على رصيد الروايات الأفريقية في بعض البلدان التي دفعت ضريبة ثقيلة في الاستنزاف الاسترقاقي لنضع الإصبع على فداحة الصمت المضروب على الموضوع في مجال الإبداع.

فالكاتب، طوغوليا كان أم نيجيريا أم أنغوليا، عادة ما يغيّب فصولا كاملة من ظاهرة دامت نحو ألف عام، وعرفت ثلاث مراحل رئيسية : التجارة الشرقية مع العالم الإسلامي بين القرنين السابع والتاسع عشر، التجارة الغربية من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، والتجارة الداخلية القديمة بين الأفارقة أنفسهم والتي راح ضحيتها حوالي أربعة عشر مليون شخص، حسب تقديرات المؤرخين". ويفسر ذلك بغياب النضال ضد الاسترقاق إلا ما ندر، وبأن كشف الغمة عن الإنسان الأفريقي جاء هبة من الغرب الذي بادر بإلغاء العبودية.

إلا أن الأعوام الأخيرة شهدت تعالي بعض الأصوات المنادية بقول الحقيقة التي يتستر عليها الجميع، والاعتراف بأن الأفارقة كانوا طرفا في الجريمة. هذا مثلا الكاتب الكنغولي ألان مابَنْكو يقول : "ليس صحيحا أن الرجل الأبيض كان يقبض بمفرده على الرجل الأسود ليضعه موضع عبودية.

إن نصيب السود في تجارة الرقيق لا تزال تابو لدى الأفارقة الذين يرفضون أن ينظروا إلى وجوههم في المرآة. هل نواصل إنكارنا أن العبيد السود كانوا يُجمّعون ثم يقادون إلى السواحل من قبل سود آخرين أو عرب ؟"

كتاب أفارقة آخرون أقروا بدور الأجداد في بيع إخوانهم، وعالجوا ذلك في أعمالهم الأدبية كالمالي يامبو أولوغيم في "واجب العنف"، والوسط أفريقي إتيان غويميدي في "آخر الناجين من القافلة"، والكاميرونية ليونورا ميانو في "موسم الظل"، وكذلك الفرنسيين والفرنسيات من أصل أفريقي كالغوادالوبية ماريز كوندي في "سيغو" والمرتينيكية فابيان كانور في "تربة عضوية".

ولم يتخلف رجال الدين عن إماطة اللثام عن الحقيقة المغيبة، فقد نشر الأساقفة الأفارقة المجتمعون بجزيرة غوري السنغالية في أكتوبر 2003 إعلانا يطلبون فيه "صفح إفريقيا عن إفريقيا" جاء فيه : "لنبدأ بالاعتراف بنصيبنا من المسؤولية في بيع الإنسان الأسود وشرائه، في الأمس واليوم… لقد شارك آباؤنا في تاريخ الخزي الذي مثله الاتجار بالسود واستعبادهم".


إدانة الأجداد


المؤرخ المالي تيديان دياكيتيه، يذهب أبعد ممّا ذهب إليه هؤلاء الروائيّون. ففي كتابه "تجارة السود والفاعلون الأفارقة" يركز على هذا النوع من التجارة في وجهه الأوروبي، ابتداء من القرن الخامس عشر، حين أسس تجار خواص برتغاليون لبداية الاتجار بالسود من خلال عمليات خطف وأسر وغزو للمناطق الواقعة على السواحل الغربية للقارة، واقتياد الأسرى لبيعهم في بورتو ولشبونة وسواهما، قبل أن يصبح ذلك شأنا وطنيا برتغاليا، ثم التحقت بالبرتغال منذ مطلع القرن السادس عشر دولٌ أوروبية أخرى وجدت في الاسترقاق تجارة مجزية، في مقدمتها هولندة ثم فرنسا وإنكلترا. وأمام حركات المقاومة الأولى للسلب والنهب والسبي التي خلفت أضرارا كبيرة في صفوفهم، اختار تجار الرقيق أن يفرضوا على الملوك الأفارقة معاهدات تلبي حاجاتهم، فانخرط هؤلاء في نوع من المقايضة : يسلمون البيض بشرا مقابل بضائع أوروبية.

بل إن بعضهم صاروا أكثر تحمسا للاسترقاق من الأوربيين أنفسهم، فكانوا يشعلون الفتن والنزاعات في صفوف أجوارهم للحصول على أكبر قدر من العبيد دون تكلفة تذكر، لأن المنتصرين في تلك المعارك التي يثيرونها كانوا يبيعونهم المنهزمين.

بل إن أولئك الملوك، كما يبين دياكيتيه استنادا إلى الوثائق التاريخية، كانوا أشد المعترضين على دعوات إلغاء العبودية التي اجتاحت بريطانيا، لأن في الإلغاء زوالا لتجارة مربحة استعاضوا بها عن صناعاتهم التقليدية طوال قرون. بل إن القارة الأفريقية شكلت أقوى معاقل الصمود ضد قانون إلغاء العبودية. وهو ما يلخصه المؤرخ البنيني فليكس إيروكو في قوله : "تشييء الإنسان الأبيض للإنسان الأسود يبدو من زوايا عديدة تمديدا للامتهان الذي مارسه عليه سود آخرون أشد وطأة".

أن يتحدث بعض الأفارقة عن صفحات مخجلة من تاريخهم فيه كثير من الجرأة والشجاعة، لأنهم كحال المثقفين العرب الذين يفضحون التاريخ الرسمي لحكامهم، معرضون للتشهير والتعريض والوصم بالعمالة، خصوصا وأن أغلبهم مقيم في بلاد الغرب.

فقد ظهرت مقالات تفسر مسعاهم إلى محاولة تبرئة الدول الغربية من المتاجرة بالرقيق، وفي الأقل تعديل الكفة بشكل يخفف عن الغرب تبكيت الضمير.

ولكن أولئك الكتاب يؤكدون أن عمل الذاكرة الذي يتولونه منذ بضع سنوات لا يهدف إلى إدانة الأجداد، بقدر ما يسعى إلى فهم ما جرى، فثيمة الاسترقاق، على ما تحمل من مرجعية لا يتشرف بذكرها الأفارقة، يمكن أن تتيح عودة مثرية لدراسة العقليات السائدة في تلك الفترة، والعلاقات الاجتماعية والعرقية، والبنى الاقتصادية وتمثل الهوية.

14